تحرّك الرجل ذو الرداء الأسود بسرعة، ناسجًا طريقه بصمت عبر الحشد الصاخب. بدا كلُّ خطوةٍ محسوبةً على نحوٍ مثالي، متجنبًا كُلًّا من الحراس الذين يطوفون بزوايا الشوارع والعيون التي تبدو عابثة لكنها متيقظة.
كان الهواء كثيفًا بروائح التوابل والطعام الممتزجة، لكن بالنسبة إلى الرجل ذي الرداء الأسود لم تكن هذه سوى ضجيجٍ خلفي على طريق هروبه.
في هذه الأثناء، داخل برج جينشي، كان فنانو القتال الذين تبعوا الرجل ذي الرداء الأسود إلى الخارج قد شهدوا كل شيء للتو. تبادلوا النظرات، فقال رجل ضخم ذو عنقٍ سميك: «الحظ يبتسم للجرئين. لنتبعه ونرَ».
على الجانب الآخر، كانت مهمة تعقّب الرجل ذي الرداء الأسود تتكشف بهدوء.
كان المخبرون من شتى الفصائل يشدّون أعصابهم جميعًا لمتابعة الرجل ذي الرداء الأسود. إن فنان قتالٍ يستطيع إخراج ثلاثمئة ألف تايل من الفضة هو خروفٌ سمين حقًا. لا أحد يملك عقلًا سيصدق أن هذا كل ما لديه.
فهذه مزادٌ في نهاية المطاف. ألن يخاف أن يشتري الآخرون الغرض إذا لم يكن لديه ما يكفي من المال؟
تقدّم شيخٌ يرتدي رداءً رماديًا، بعينين حادتين كعيني نسر، وبابتسامةٍ تكاد لا تُرى تلاعبت على شفتيه، ببطءٍ إلى داخل الحشد. كان متعقّبًا مشهورًا في المدينة، يُعرف باسم «أثر الظل»، ويمتلك أساليب فريدة في التعقّب والتخفّي.
معتمدًا على أُلفته بتضاريس المدينة وسنوات الخبرة المتراكمة، ثبّت «أثر الظل» بسرعة على الاتجاه العام لتحركات الرجل ذي الرداء الأسود، وأشار بضع مراتٍ إلى شريكه، فأومأ الشريك برأسه واندفع على عجلٍ عبر مسارٍ آخر.
وبينما يحافظ على الرجل ذي الرداء الأسود ضمن مجال النظر، تكلّم «أثر الظل» بنبرةٍ ساخرة، محاولًا التأثير في حالة الرجل الذهنية: «أيها الشاب، هل تظن حقًا أنك تستطيع الإفلات من كفوف تلك الشخصيات العظيمة؟
عائلات لي ولين وليو وتشانغ في الأعلى لا تريد لأي قوى أخرى أن تنهض وتستولي على أراضيها.
وفي الأسفل، عصابات النمر الغاضب والحجر الأفقي والمدرّع بالحديد تراقب بعيونٍ طامعة، وبينهما عائلات وفصائل صغيرة عديدة تأمل ببقايا الفتات.
ربما لا تعرف كم من الناس يريدون التقنية المساعدة التي أنفقت عليها كل هذا المال. لقد تمكنت فعلًا من شرائها.
لن تستطيع الهرب قطعًا. لماذا لا تنسخ التقنية وتوزعها على القوى الكبرى؟ بهذه الطريقة، قد تنقذ حياتك».
كان الرجل ذو الرداء الأسود يتحرك بخطواتٍ واسعة، متجاهلًا «أثر الظل» تمامًا.
بل إنه زاد سرعته أكثر، منطلقًا عبر أزقةٍ ضيقة، مستخدمًا التضاريس المعقّدة لتفادي المطاردة.
لكن «أثر الظل» واصل الضغط مقتربًا، ويتمكن دائمًا من اللحاق. انكشفت مطاردةٌ صامتة بين الاثنين.
كان «أثر الظل» يطارد بوتيرةٍ هادئة. كان هذا قائمًا بالكامل على خبرته. القتال الفعلي والنهب لم يكونا شيئًا يفعله!
وأحيانًا، كان قول بضع كلماتٍ عابرة قادرًا أيضًا على إرباك الطرف الآخر.
تمامًا حين ظنّ الرجل ذو الرداء الأسود أنه نجح في التخلّص من مطارده وكان على وشك دخول زقاق بدا كأنه طريق مسدود،
انشقّ صدعٌ بصمت في الجدار على أحد جانبي مدخل الزقاق، وقفز منه شاب يرتدي ملابس ليلية وهو يشهر شفرةً قصيرة، مندفعًا مباشرةً نحو الرجل ذي الرداء الأسود. كان هذا الشاب هو الكمين الذي رتّبه «أثر الظل» مسبقًا.
عند رؤية ذلك، غيّر الرجل ذو الرداء الأسود اتجاهه على نحو مفاجئ، وضرب بكفّه. كانت ريح الكفّ شرسة، تحمل قوة لا يُستهان بها. تحرّك الشاب بخفة، مستعيرًا القوة ليحلق في الهواء، متفاديًا ريح الكف، بينما تحولت الشفرة القصيرة إلى خط من الضوء البارد، مستهدفةً مباشرةً حنجرة الرجل ذي الرداء الأسود.
بدا الرجل ذو الرداء الأسود مستعدًا، فضبابيًّا شكله مرةً أخرى، مستخدمًا نوعًا من خطوات القدم البارعة ليظهر في لحظة خلف الشاب، وضربه بكف حتى أفقده الوعي.
وبينما كان الرجل ذو الرداء الأسود على وشك المغادرة، جاء ضحكٌ خافت من مدخل الزقاق، ودخل «أثر الظل» ببطء، ونظرته عميقة: «يا صاحب المقام، لديك مهارة عظيمة، لكني أخشى أن يكون من الصعب أن تفلت سالمًا اليوم.»
شمخ الرجل ذو الرداء الأسود بشخير بارد، دون أن يقول كلمة، لكن طاقة الدم من حوله اندفعت، واضحًا أنه يستعد للقتال.
لمح «أثر الظل» الرجل ذو الرداء الأسود وتنحّى بصمت جانبًا، مفسحًا الطريق إلى الأمام: «فانغ ليان، الأمر لك.»
ظهر جسدٌ ضخم من الظلال. كان القادم عاري الصدر، والعضلات تغطي جسده، وبنية شاهقة تقارب مترين طولًا، ورأس أصلع، وتعبير شرير متعطش للدم. كان واضحًا أنه ليس شخصًا يُستهان به.
زمجر «فانغ ليان»: «سلّم فن الخيط الحريري، وقد أعفو عنك. وإلا فسأمزقك حيًّا!»
تلألأت عينا الرجل ذي الرداء الأسود في الليل، وأمام هذا التهديد المفاجئ لم يُبدِ أي علامة على الذعر. دارت طاقة الدم حوله، متدفقة كأنها مادة ملموسة، كاشفةً القوة الهائلة الكامنة فيه. اجتاح بنظره ببرود الرجل الطويل المسمّى «فانغ ليان»، والتوت شفتاه بابتسامة سخرية.
«فن الخيط الحريري؟ تجرؤون على التدخل في هذا الأمر وأنتم لا تعرفون شيئًا. أنتم من تستجلبون الموت.»
كان صوت الرجل ذي الرداء الأسود منخفضًا وثابتًا، وكأن كل كلمة تحمل وزن ألف رطل.
عند سماع ذلك، ازدادت ملامح الرجل الضخم توحشًا. زأر واندفع إلى الأمام مثل نمر يهبط من الجبل، متجهًا مباشرةً نحو الرجل ذي الرداء الأسود. كانت قبضتاه ملفوفتين بريح مصفّرة، واضحًا أنه ينوي أن يطغى عليه بالقوة ويخضعه بضربة واحدة.
تحرك الرجل ذو الرداء الأسود قليلًا، كأنه يندمج في الظلام، متفاديًا هجوم الرجل الضخم بسهولة. كانت حركاته شبحيّة، يظهر كل مرة في النقطة العمياء للرجل الضخم على نحو مثالي، تاركًا الأخير بقوة غاشمة بلا سبيل لاستخدامها.
«همف، جرذ جبان لا يعرف سوى المراوغة!» زأر الرجل الضخم، وصارت هجماته أشد ضراوة، لكن الرجل ذو الرداء الأسود كان كسمكة تلهو في الماء، يحافظ دائمًا على توازن دقيق، فلا يواجه الرجل الضخم وجهًا لوجه ولا يمنحه أي فرصة لالتقاط أنفاسه.
في تلك اللحظة، جاءت جلبة أخرى من مدخل الزقاق، وظهر بهدوء عدة مرؤوسين ذوي أردية رمادية لِـ«شادو تريس»، مطوّقين الزقاق. من الواضح أن «شادو تريس» كان قد نصب بالفعل شبكة، ينتظر أن يسقط الرجل ذو الرداء الأسود في الفخ.
وعلى أطراف الطوق، بدأت تظهر المزيد من الظلال على نحو مبهم.
عند رؤية ذلك، لمع بريق حاد في عيني الرجل ذي الرداء الأسود. كان يعلم أنه إن أراد أن يفرّ سالمًا اليوم، فعليه أن يُظهر قوته الحقيقية.
أخذ نفسًا عميقًا، وفجأة اندفعت طاقة الدم من حوله، وانبعث ضغط هائل من جسده، مما جعل الهواء المحيط يتجمّد.
«بما أنك تطلب الموت، فلا تلمني على أنني بلا رحمة!» صاح الرجل ذو الرداء الأسود، فانفجرت هيئته كالنمر الخارج من قفصه، متجهًا مباشرة نحو الرجل الضخم الطويل. هذه المرة لم يعد يراوغ، بل اختار أن يواجهه وجهًا لوجه.
تصادمت القبضات والراحتان، فانفجر هدير يصمّ الآذان. رسمت هيئة الرجل ذي الرداء الأسود قوسًا رشيقًا في الهواء، ثم هبط بثبات، بينما تراجع الرجل الضخم الطويل مترنحًا، ووجهه شاحب كالورق.
«هذا... كيف يمكن هذا!» وسّع الرجل الضخم عينيه غير مصدّق. لم ير قط خصمًا بهذه القوة.
لم يمنحه الرجل ذو الرداء الأسود فرصة لالتقاط أنفاسه، فانفجرت هيئته مجددًا، مندفعًا بين الحشد كالشبح، كل ضربة دقيقة وقاتلة. وسرعان ما سقط المرؤوسون ذوو الأردية الرمادية واحدًا تلو الآخر، وعاد الزقاق إلى الصمت.
كان «شادو تريس» قد فرّ بالفعل واختبأ بعيدًا حين تغيّرت نبرة الرجل ذي الرداء الأسود، وهو يراقب هذا المشهد بتعبير معقّد:
«فانغ ليان، الذي في المرحلة المتوسطة من تنقية العظام من عصابة الحجر الأفقي، ليس ندًّا له. يبدو أنه لا بد أن يكون على الأقل في المرحلة المتأخرة أو المرحلة الكاملة من تنقية العظام.»
«لكن ما فائدة مقاتل في المرحلة الكاملة من تنقية العظام من فن الخيط الحريري؟»
نظرًا إلى «فانغ ليان» الذي كانت حياته أو موته غير مؤكدين، كان «شادو تريس» كسولًا لدرجة أنه لم يهتم. لقد جاء فقط ليكسب بعض المال الإضافي، لا ليحلّ مشكلات الآخرين!
أي شخص يقرأ هذه الرواية، لا تنسَ أن تدعو لي بخير. دعوة صادقة قد تصنع الفرق! 🙏✨