رقم الفصل: ٢٩٥
الجزء: ١/٣
النص الأصلي:
بعد رأس السنة، عادت المدينة، داخل الأسوار وخارجها، بالفعل إلى إيقاعها ومظهرها المعتادين، وكأن الأجواء الاحتفالية القصيرة لم تكن سوى حلم، إذ عاد كل شيء إلى طبيعته عند الاستيقاظ.
الفقر والثراء، عالمان يبدوان متوازيين لكنهما متشابكان، اصطدما لبرهة في ألعاب نارية المهرجان، ثم ما لبثا أن افترقا سريعًا وعادا إلى مساراتهما المقدرة سلفًا.
صار مصير عائلة سو أثقل حاشية في هذا التقاطع. لقد زال مجد الماضي، ولم يبقَ سوى الخراب والقفر.
منذ الصدام مع لين دونغتشيانغ، تحطمت عظام الجانب الأيمن لسو تشيانغ تحطمًا كاملًا، وزال مجاله في الفنون القتالية، وأصبح مُقعدًا.
سو مين، بعد إنقاذها، اعتمدت على أخيها سو تشيانغ لتعيش. لم يعد عالمهما قصر عائلة سو المزدهر، بل كوخًا بسيطًا ومشقة لا تنتهي.
ومن أجل مرض أخيها، طافت سو مين كل ركن من أركان المدينة، تبحث عن أطباء مشهورين.
كان كل أمل مثل شهاب يشق سماء الليل، خاطفًا وبهيًا، لكنه ينتهي في النهاية إلى خيبة لا تنفد وثقل.
ومع كل طبيب تقابله، كان الكدر على وجهها يزداد عمقًا، انعكاسًا لعجز أمام الواقع وحيرة إزاء المستقبل.
وفي الوقت نفسه، كانت العائلات الثرية في المدينة لا تزال غارقة في ملذاتها، وكأنها لا تدري بمحنة عائلة سو.
أو لعلهم اعتادوا منذ زمن على هذا الحال من التفاوت الشديد بين الثراء والفقر، وعدّوه أمرًا طبيعيًا.
لكن خلف هذا الفتور الظاهر، ربما وُجد بضعة أناس طيبين، غير أنهم يعجزون عن مد يد العون لأسباب شتى.
غير أن مرض أخيها سو تشيانغ لم يعد يحتمل التأجيل. ضمّت سو مين شفتيها. هل كان عليها حقًا أن تجد ذلك الرجل المسمى تشنغ فنغ؟
وأمام تدهور حالة أخيها سو تشيانغ، امتلأ قلب سو مين بالقلق والعجز. عضّت شفتها السفلى بإحكام، وكانت عيناها تكشفان عن عزم وصراع.
ذلك الرجل المسمى تشنغ فنغ، على الرغم من أنه قدّم طلبًا كان من الصعب عليها تقبّله، ربما كان ذلك هو الأمل الوحيد لإنقاذ أخيها.
كلما ومضت هذه الفكرة في ذهنها، دوّى في قلبها اعتراض سو تشيانغ الحازم. كان يفضّل أن يتحمل هو عذاب المرض على أن تضحي أخته بنفسها من أجله.
هذه الرابطة العميقة بين الإخوة جعلت سو مين في آن واحد متأثرة ومنكسرة القلب.
ومع مرور الوقت، أخذ الضغط في قلب سو مين يزداد يومًا بعد يوم.
أمام مرض يطول أمده، حتى أرسخ برّ بالوالدين سيُختبر.
تزعزعت للحظة، وومضت في ذهنها بعض الأفكار السيئة، لكن ما إن ظهرت تلك الأفكار حتى بدّدتها بعنف.
لم تكن تستطيع، ولن تسمح لنفسها مطلقًا أن تفكر على هذا النحو.
أخوها كان أهلها، وسندها الوحيد في هذا العالم. كيف لها أن تتخلى عن علاجه أو حتى تراودها مثل هذه الأفكار لمجرد صعوبات مؤقتة؟
في كل ليلة، حين يعمّ السكون، كانت سو مين تجلس وحدها قرب السرير، تراقب أخاها النائم، وقلبها ممتلئًا بمشاعر مختلطة. كانت تدعو في صمت أن تحدث معجزة، آملة أن يتمكّن أخوها من التعافي.
في الوقت نفسه، كانت تُفكّر مرارًا في قلبها، تبحث عن طريقة يمكنها أن تنقذ أخاها ولا تضع نفسها في وضع يائس.
كانت سو مين تعلم أن هذا الطريق سيكون صعبًا، لكنها كانت مستعدة. مهما كثرت الصعوبات والعقبات في الأمام، كانت ستثابر حتى تعثر على الفرصة لتغيير مصيرهما.
لأنّه، في قلبها، لم يكن هناك ما هو أهم من سعادة عائلتها وصحتها.
كان هذا الشهر القصير بالنسبة إلى سو مين كأنه عام أو حتى عذاب أطول. أخذت أخاها إلى عيادات طبية مختلفة، لكن كل أمل كان ينفجر سريعًا كفقاعة.
كان الأطباء إمّا يهزون رؤوسهم ويتنهّدون، أو يقولون لها بصراحة إن حالة سو تشيانغ ميؤوس منها وإن نهايته باتت قريبة.
كانت هذه الكلمات كالسكاكين الحادّة، تقطع قلب سو مين مرارًا.
في كل ليلة، حين يعمّ السكون، كانت تفكّر في مرهم اليشم الأسود المُجدِّد الذي ذكره تشنغ فنغ، ذلك الدواء المعجز الذي قد ينقذ حياة أخيها. كانت تقبض على هذا الأمل بإحكام، غير راغبة في أن تدعه ينطفئ.
وحين جمعت سو مين شجاعتها لتخبر أولئك الأطباء باسم مرهم اليشم الأسود المُجدِّد، لقيت مزيدًا من عدم الفهم والشك.
قال معظمهم إنهم لم يسمعوا بهذا الدواء قط، وبدأ بعضهم حتى يشكّ في ادعاءاتها.
لكن طبيبًا موقّرًا منح سو مين بصيص أمل جديد بنظرته العميقة ونبرته الثابتة.
«يستغرق شفاء إصابة العظم مئة يوم، هذا من بديهيات الطب»، قال ببطء. «لكن إن كانت هناك حقًا فاعلية دوائية كهذه، فقد يكون قد أضيفت إليه مواد دوائية نادرة. إذا كانت الفتاة تعرف حقًا أن هناك دواءً كهذا، فلا ينبغي لها أن تؤخر حالة أخيها أكثر».
كانت هذه الكلمات، كخيط من نور، تخترق الضباب في قلب سو مين. أدركت أن تشنغ فنغ ربما لم يكن يكذب، وأن مرهم اليشم الأسود المُجدِّد قد يكون حقًا المفتاح لإنقاذ أخيها.
أمام هذه الحقيقة القاسية، لم يكن أمام سو مين مخرج. عزمت أمرها على أنه مهما كان الطريق في الأمام صعبًا، فستحاول بشجاعة.
من أجل أخيها، كانت مستعدة لدفع أي ثمن. رتّبت سو مين مشاعرها، حاملة آخر خيط من الأمل، وأخذت سو تشيانغ مباشرة إلى مقاطعة تشينغشي.
كان سو تشيانغ، الذي كان في الأصل ثابتًا وغير مستعد لأن يبادل مستقبل أخته بحياته، قد اعترف الآن بالواقع.
كان قد حاول أن ينهي حياته، غير راغب في أن يثقل كاهل أخته، لكنه حين استيقظ بعد محاولة الانتحار، رأى وجه سو مين المبلّل بالدموع.
بكت سو مين وصرخت: «لا تتركني يا أخي! إن رحلت، فلن يبقى من عائلة سو سواي!»
أيقظت صرخة سو مين سو تشيانغ، فجعله يدرك: «نعم، الآن لم يبقَ في عائلة سو سوى نحن الشقيقين. إن متُّ، فكيف ستعيش أختي؟»
وبعد أن استيقظ، قبل بصمت اختيار أخته سو مين.
شدّت سو مين بقوة العنوان الذي تركه تشنغ فنغ، وكان قلبها ممتلئًا بالتوقع والوجل معًا. كانت تعرف المشقات والمخاطر على طول الطريق، لكن من أجل مرض أخيها سو تشيانغ، انطلقت بحزم في الرحلة إلى مقاطعة تشينغشي.
اشترت عربة ببساطة، وجلبت الأسلحة والطعام وأخيها، وانطلقت مباشرة.
ما رأته على طول الطريق كان دمارًا. كان اللاجئون والنازحون يملؤون الحقول، وعيونهم ممتلئة باليأس والعجز.
وعلى الرغم من أن سو مين شعرت بالشفقة في قلبها، كان عليها أن تظل متيقظة. في هذه الفوضى، قد يؤدي أي تراخٍ إلى عواقب قاتلة.
الآن، أكبر أمل وهدف في مقاطعة تشينغشي.
وبالاعتماد على زراعتها الروحية للفنون القتالية المبكرة في مرحلة صقل العظام، تحركت سو مين بحرية وسط الحشد، وبالكاد حمت عربتهم وأمتعتهم.
لكن هذا لم يكن يعني أنها تستطيع أن تجلس مطمئنة.
وذات مرة، أثناء المرور بأرض قاحلة، سدّت مجموعة من اللاجئين الجوعى فاقدي العقل طريقهم، محاولين سلبهم بالقوة.
أمام هذا التهديد المفاجئ، لم تتراجع سو مين. لو تراجعت في هذا الوقت، فلن تكون هي وأخوها في خطر فحسب، بل قد يتعرض مزيد من الأبرياء للأذى.
أي شخص يقرأ هذه الرواية، لا تنسَ أن تدعو لي بخير. دعوة صادقة قد تصنع الفرق! 🙏✨