كان تشنغ فنغ قد أسكن دا هاي لتوّه في قرية هونغ، ولم يحظَ حتى بلحظة ليستمتع بالهدوء، حين تلقّى رسالة عاجلة من جيانغ فيفي — فقد سقط الشيخ العجوز صاحب متجر قاعة يونغه فجأةً مريضًا، وهو جدّ جيانغ فيفي. كان هذا الخبر كالصاعقة من السماء الصافية، فثقل قلب تشنغ فنغ في الحال.
كانت قاعة يونغه صيدليةً مشهورة في الحي الجنوبي من بلدة المحافظة، وكان الشيخ العجوز صاحب المتجر محلَّ احترامٍ ومحبةٍ أكبر لدى أناسٍ لا يُحصَون، لما يملكه من مهاراتٍ طبيةٍ متقنة وأخلاقٍ طبيةٍ نبيلة.
وبصفتها حفيدة الشيخ العجوز صاحب المتجر، كانت جيانغ فيفي تتعلّم الطب إلى جانب جدّها منذ كانت طفلة، وكانت تكنّ له مودةً عميقة. والآن وقد مرض جدّها، فمن الطبيعي أن تكون بالغة القلق.
كان تشنغ فنغ يعلم أن الأمر ليس بالهيّن. فوضع جميع شؤونه جانبًا على الفور، وقرّر الذهاب إلى قاعة يونغه لزيارة الشيخ العجوز صاحب المتجر وتقديم المساعدة قدر استطاعته.
كان يعلم أنه في قلب جيانغ فيفي، لا شيء أهم من صحة أسرتها.
عندما وصل إلى قاعة يونغه، رأى أن الصيدلية تعجّ بالحركة داخلًا وخارجًا، لكن الأجواء كانت ثقيلة على نحو غير معتاد. أسرع تشنغ فنغ إلى الدخول إلى القاعة الداخلية، حيث رأى جيانغ فيفي تحرس إلى جانب سرير جدّها، وتعابيرها قلقة ومضطربة.
كان الشيخ العجوز صاحب المتجر مستلقيًا على السرير، وجهه شاحب ونَفَسه واهن، لكن عينيه اللتين خبرتا عواصف الحياة ظلّتا تكشفان عن صلابة وروحٍ لا تلين.
تقدّم تشنغ فنغ وربت برفق على كتف جيانغ فيفي ليواسيها: «فيفي، لا تقلقي، سنجد بالتأكيد طريقة لعلاج المعلم».
رفعت جيانغ فيفي رأسها ورأت تشنغ فنغ، فومضت في عينيها لمحة دهشة وامتنان: «تشنغ فنغ، أنت هنا! جدي، هو... هو صار هكذا فجأة، أنا...»
قاطعها تشنغ فنغ وأشار إليها أن تبقى هادئة: «فيفي، ليس هذا وقت لوم نفسك. لنتفحّص حالة المعلم أولًا، ثم نفكّر في حل معًا».
ومع ذلك، جلس تشنغ فنغ إلى جانب السرير وبدأ يفحص حالة الشيخ العجوز صاحب المتجر بعناية. وبالاعتماد على مهارة الطبيب الشبح بمستوى الأستاذ الكبير لديه، كان تشخيص مرض الشيخ العجوز صاحب المتجر في غاية السهولة.
ما إن لمس نبض الشيخ العجوز صاحب المتجر حتى تحوّل تعبير تشنغ فنغ فورًا إلى الجدية.
لم يكن هذا النبض ريحًا ولا بردًا ولا رطوبة ولا حرارة، ولا إصابة داخلية ولا عِلّة خارجية، بل كان يُظهر وهنًا وضمورًا لا رجعة فيهما.
غاص قلب تشنغ فنغ. لم يكن هذا مما يُفسَّر بمرض بسيط، بل إن شعلة حياة الشيخ العجوز صاحب المتجر كانت توشك أن تنطفئ، وقد انتهى أجله.
أنزل يده ببطء، ونظر إلى جيانغ فيفي بعينين عميقتين، وقال بصوت منخفض وثقيل: «فيفي، جدي، هو... ليس مريضًا، بل...»
عند رؤية ذلك، انتاب قلب جيانغ فيفاي شعورٌ سيئٌ بالنذر، لكنها ظلّت متمسكةً بومضة أمل وسألت بصوتٍ مرتجف: «تشنغ فنغ، فقط أخبرني، أستطيع تحمّل ذلك».
أخذ تشنغ فنغ نفسًا عميقًا ونطق ببضع كلماتٍ صعبة: «لقد انتهى أجله».
كانت هذه الكلمات كالصاعقة من السماء، فحوّلت وجه جيانغ فيفاي إلى شحوبٍ في الحال.
كانت جيانغ فيفاي نفسها أيضًا طبيبةً ماهرة، وقد شخصت نبض صاحب المتجر العجوز، لكنها كانت غير راغبة في تقبّل هذه الحقيقة القاسية.
غير أنّ عيني تشنغ فنغ كانتا ممتلئتين بالصدق والعجز، ما أجبرها على مواجهة هذه الحقيقة التي لا تتغيّر.
في الأيام التالية، عمل تشنغ فنغ وجيانغ فيفاي معًا لتقديم آخر رعايةٍ ومؤانسة لصاحب المتجر العجوز.
كانا يعلمان أنّ وقت صاحب المتجر العجوز ينفد، وكان كلّ لحظةٍ معًا تبدو ثمينةً على نحوٍ خاص.
وعلى الرغم من أنّ صاحب المتجر العجوز كان واهن الجسد، فإنه كان شديد الصفاء في الذهن على نحوٍ استثنائي. كان واضحًا أنه يعرف مصيره هو نفسه، وينظر إلى شؤون الحياة والموت بلامبالاةٍ غير عادية.
أمسك يدي جيانغ فيفاي وتشنغ فنغ، ووعظهما بإخلاص: «في الحياة، ستكون هناك دائمًا أوقات فراق. لستما مضطرين لأن تحزنا كثيرًا.
في حياتي، كان لي أمثالكما من الذرية والتلاميذ، وذلك يكفيني. تذكّرا، مهما حمل المستقبل، حافظا دائمًا على قلبٍ طيبٍ وصلب لتساعدا من يحتاج إلى المساعدة».
كانت كلمات صاحب المتجر العجوز رقيقة، لكنها ضربت قلبي جيانغ فيفاي وتشنغ فنغ كمطرقةٍ ثقيلة. أومآ بعينين دامعتين، وطبعا هذه الوصية عميقًا في قلبيهما.
«فيفاي، اذهبي إلى الخارج أولًا، لديّ شيء أريد قوله لتشنغ فنغ». كان يرى أنّ صاحب المتجر العجوز ما زال يريد أن يشرح شيئًا لتشنغ فنغ في اللحظة الأخيرة من حياته.
بكت جيانغ فيفاي كبكاء زهر الكمثرى تحت المطر، لكنها لم يكن لديها خيارٌ سوى أن تخرج أولًا.
وهي تراقب جيانغ فيفاي تُغلق الباب برفق، متأكدةً من أن الضجيج في الخارج لن يزعجهما، أدار صاحب المتجر العجوز رأسه ببطء واستخدم يديه، اللتين غطّتهما آثار الزمن لكنها ظلّت دافئةً وقوية،
فأمسك يد تشنغ فنغ بإحكام. كانت عيناه ممتلئتين بالثقة والتوقّع، وكأنه في هذه اللحظة يريد أن يودع كل آماله لهذا الشاب الأصغر.
«تشنغ فنغ»، كان صوت صاحب المتجر العجوز منخفضًا ذا جاذبية، وفيه لمحة ارتجافٍ لا تكاد تُدرك، «في حياتي، مارست الطب وأنقذت عددًا لا يُحصى من الناس، ورأيت الكثير جدًا من فراق الحياة والموت، وتذوقت كل أفراح الدنيا وأحزانها.
لكن أكثر ما يبعثني على الغبطة هو أنني أملك شبّانًا مثلك ومثل فيفاي مستعدين لوراثة إرثي ومواصلة السير في هذا الدرب الذي يمنح الناس الأمل».
توقف صاحب المتجر العجوز، كأنه يستعيد الماضي جزءًا جزءًا، ثم تابع: «أعلم أنك لست من عائلةٍ طبية، لكن موهبتك واجتهادك جعلاي أرى فيك احتمالاتٍ لا نهائية».
«كما أعلم أيضًا أنك مشغول نسبيًا، وأن الطب مجرد أحد اختياراتك، وليس خيارك الوحيد.»
وبالحديث عن هذا، ومضت لمحة من قلق لا يكاد يُدرَك في عيني صاحب الدكان العجوز: «ومع ذلك، أريد أيضًا أن أذكّرك بأنه رغم أن المهارات الطبية يمكنها إنقاذ الناس، فإن قلوب الناس أكثر تعقيدًا، وعليك أن تفكّر أكثر وتكون أكثر مراعاة.»
«وأيضًا، تشنغ فنغ،» ومضت لمحة قلق في عيني صاحب الدكان العجوز، وصار صوته ألطف وأكثر إخلاصًا، «هذه الطفلة فاي فاي ذكية وطيبة، لكن مزاجها أحيانًا عنيد كالثور.
لقد كبرت إلى جانبي منذ كانت صغيرة وتلقت الكثير من الحب، وهو ما قد يكون قد زرع فيها أيضًا بعض العادات المتدللة. رغم أنني أشفق عليها، فإنني أعلم أيضًا أن هذا النوع من الطباع يسهل أن يتكبد الخسائر في الخارج.»
وبالحديث عن هذا، جرى حب عميق في عيني صاحب الدكان العجوز. تنهد بخفة وتابع: «إنما أخشى فقط أنه إن، إن جاء يوم وغبتُ، فلن تستطيع احتمال تلك العواصف وحدها.
آمل أن تعتني بها قدر استطاعتك. لا يلزمك أن تسايرها في كل شيء، لكن يكفي أن تمنحها بعض الإرشاد والدعم حين تحتار أو تواجه صعوبات.»
وعند سماع هذا، اندفعت موجة دافئة في قلب تشنغ فنغ. نظر لا إراديًا نحو جهة جيانغ فاي فاي خارج الباب، متخيلًا في قلبه تلك الفتاة الباردة المتعالية، الحيوية لكن شديدة العناد بعض الشيء، ولم يستطع إلا أن يشعر بإحساس الحماية.
أومأ بجدية ووعد صاحب الدكان العجوز: «يا صاحب الدكان العجوز، لا تقلق. فاي فاي مثل أختي، سأظل دائمًا أهتم بها وأعتني بها. ومهما تكن الصعوبات التي سنواجهها في المستقبل، فسأواجهها معها، ولن أدعها تكون وحدها وعاجزة.»
وعندما سمع صاحب الدكان العجوز وعد تشنغ فنغ، ارتسمت على وجهه ابتسامة رضا. بدا كأنه أزاح حجرًا كبيرًا عن قلبه، وبدا كله أكثر ارتياحًا بكثير. ربت على كتف تشنغ فنغ وقال متأثرًا: «بهذه الكلمات، يمكنني أن أطمئن. أؤمن أنكما ستسندان بعضكما بعضًا، وستجتازان معًا عواصف المستقبل.»
بعد أن قال هذا، بدا صاحب الدكان العجوز متعبًا قليلًا. أغمض عينيه ببطء وبدأ يستمتع بهذه اللحظة النادرة من السكينة. جلس تشنغ فنغ بهدوء إلى جانبه.
وفي النهاية، غادر صاحب الدكان العجوز هذا العالم بسلام وطمأنينة.
أي شخص يقرأ هذه الرواية، لا تنسَ أن تدعو لي بخير. دعوة صادقة قد تصنع الفرق! 🙏✨