“حتى راي وهولكوس ذهبا”
“نـ-نعم، هذا صحيح.”
“حسنًا حسنًا. أليس جميلًا كيف يتحرك الجميع من تلقاء أنفسهم مثل قطع الشطرنج.”
أكسيون، وقد توقّف عن تقطيع شريحة اللحم عند سماعه الخبر الذي جلبه له تابعه، أطلق ضحكة خفيفة.
في الحقيقة، كان أكسيون هو من أرسل راي وهولكوس إلى ساحة التدريب الرابعة.
كان الخال قد قال له ألا يعبث بثيو بتهوّر حتى تبدأ حفل التفتح.
‘كلام لا يُصدَّق.’
كان أكسيون قد حسم أمره بالفعل على ألّا يطيع أوامر إد بعد الآن.
‘الخال يتحرّك دائمًا بهدوءٍ مفرط، وهذه نقطة ضعفه. ففي الأوقات الضرورية، لا بد من العزم على الانقضاض وعضّ مؤخرة عنق الخصم.’
من وجهة نظره، كان ثيو وويلينغتون من أولئك الذين يجب التخلص منهم في أسرع وقت ممكن.
وإذا كان الأمر كذلك، فكان لا بد من تمهيد 'الرقعة' منذ ما قبل بدء حفل التفتح على نحوٍ جدي.
رقعة لا يمكنهم أبدًا الإفلات منها.
رقعة مثالية يمكن نصب ذلك الفخ فيها.
‘وفوق ذلك، يمكنني أيضًا التحقق من مدى النمو الذي بلغه ثيو وويلينغتون خلال هذه الفترة.’
كان أكسيون يعلم أن راي هولكوس، اللذين يمكن اعتبارهُما منافسَيه، قد دخلا في تدريب مغلق استعدادًا لحفل التفتح.
ولذلك، أرسل إليهما رسالتين بالتوقيت الذي توقع فيه خروجهما التدريجي.
وكان المحتوى يتمحور حول أمرين رئيسيين.
-ويلينغتون قد هُزم.
-راغنار الذي تلقّى سيفًا واحدًا مباشرة من ربّ العائلة.
توقّع أنهما، بوصفهما الأكثر تنافسيّة بين الأربعة العباقرة في الشمال، سيُبدِيان ردّ فعلٍ بأيّ شكلٍ كان.
وقد جاء ذلك التوقّع مطابقًا تمامًا.
وبهذا، تكون الرقعة الأولى قد نُصِبَت على أكمل وجه.
“إنهم متعجّلون بطبعهم. خصوصًا هولكوس، لا يُحسن الانتظار. أما راي…… فمن المؤكد أن فضولها سيتغلب عليها.”
على أيّ حال، لا يظن أنهم سيفنون بعضهم بعضًا في هذا الاشتباك.
لكنها ستكون كافية لإشعال شرارة.
ثم ما يتبقى بعد ذلك، يكفي أن يُؤجَّج خلال حفل التفتح ومشاهدة كل شيء يحترق.
ثيو أيضًا، وويلينغتون أيضًا.
وجميع الأربعة العباقرة في الشمال.
دلقلق، دلقلق-
ارتفع في الغرفة صوت اصطدام السكين والشوكة بالأطباق بشكلٍ صاخب.
***
كانت راي ما تزال تتذكر ذلك اليوم الذي يمكن اعتباره الذكرى الوحيدة من طفولتها.
-ألستِ تشعرين بالبرد؟ هل تريدين أن تلفّي هذا على عنقك؟
في أحد الأيام التي كانت تعصف فيها العواصف الثلجية.
خرجت راي من القصر خلسةً دون علم مربيتها.
كان ذلك لأن البقاء حبيسة الغرفة دائمًا بسبب سوء حالتها الصحية قد صار خانقًا إلى حد لا يُحتمل.
لكنها سرعان ما ندمت.
إذ ضلّت طريقها بسبب العاصفة الثلجية.
وعندما تجمّد جسدها من شدة البرد، ولم تعد تنادي إلا أمها بلهفة.
التقت بصبي.
كان يبدو كأنه رجل ثلج، متلفّعًا بإحكام بوشاح سميك، وقفازات صوفية، وقبعة، ومعطف.
سألها الصبي إن كانت بخير، ثم فكّ وشاحه ولفّه حول عنق راي.
في تلك اللحظة، ظلّت راي تحدّق في وجه الصبي طويلًا.
لم يكن الأمر فقط بسبب الدفء الذي كانت تشعر به من جسده.
‘جميل جدًا.’
فوجنتاه البيضاوان كحبات الخوخ كانتا لطيفتين إلى حد لا يُصدّق.
مظهر يختلف تمامًا عن هيئتها الهزيلة والقبيحة.
-إذا خرجتِ بملابس خفيفة هكذا ستصابين بالزكام. سيكون ذلك خطيرًا. لذا فلنعد إلى الداخل. حسنًا؟
لكن الصبي، وكأن مظهر راي لا يعنيه على الإطلاق، أمسك بيدها بإحكام، وبدأ يتحرك بحثًا عن بيت لا يعرفه هو نفسه.
ساباك، ساباك-
كانت آثار قدميهما الممتدة طويلًا فوق السهل الثلجي الأبيض راسخة في ذاكرتها بوضوح.
بعد ذلك.
لحسن الحظ، استطاعت راي العودة إلى القصر بسلام.
رغم أنها عانت من نزلة برد وحمى لعدة أيام.
إلا أن تلك الذكرى أصبحت أساسًا جعلها تفكر، بأي طريقة كانت، بأنها 'تريد أن تجري وتلعب'.
وكانت أيضًا الدافع الذي مكّنها من الوقوف مجددًا متجاوزة لعنة 'انسداد عروق الين التسعة'.
ثم، في أحد الأيام.
علمت راي بالمصادفة أن الصبي في ذكرياتها هو شقيق لها في العمر نفسه.
اسمه ثيو راغنار.
ذلك الذي كانت قد سمعت عنه من قبل بلقب 'أحمق قصر الورود'.
‘لكنهم يقولون إنه تغيّر…… فجأة؟’
أرادت راي أن تتأكد بنفسها.
كيف تغيّر ذلك الصبي الذي يسكن ذكرياتها.
في السابق، حتى لو أرادت البحث عنه، لم تكن الظروف تسمح بذلك.
لكن الآن، بعد أن انتهت من تدريب العزلة وحصلت على <سيف الجليد الأبيض المقدس>، كان الوضع مختلفًا.
‘أريد أن أراه بدقة. أي نوع من السيوف يمسكه.’
ومن ثم.
ضيّق ويلينغتون عينيه وهو يواجه راي على هذا النحو.
‘ظننتها مجرد روح تنافسية، لكن الأمر ليس كذلك. ما هذا بالضبط؟ ومع ذلك لا يبدو أنها كانت على تواصل مع الأمير ثيو.’
كان ويلينغتون يعرف جيدًا أن راي، منذ طفولتها، كانت ملازمة لغرفة المرض، ولذلك كانت ضعيفة في علاقاتها مع الناس.
ولهذا كان أسلوبها دائمًا جافًا، وتعبيرها عن المشاعر بطيئًا، حتى كثر من يصفها بأنها كالجليد.
لكن الآن، راي تُظهر لأول مرة تقلبًا عاطفيًا واضحًا.
وهذا يعني أن هناك شيئًا ما.
مع ذلك، لم يستطع أن يسألها بتهوّر.
فباطن راي كان من الصعب جدًا قراءته، إضافة إلى وجود عنصر إزعاج آخر.
“ما الذي تقولينه يا راي راغنار! ثيو راغنار سيخوض النزال معي أولًا!”
كوم!
صرخ هولكوس وهو يدق الأرض بقدمه بقوة.
كان الصدى مدويًا إلى حدٍ كبير.
عبست راي بين حاجبيها وكأن الضجيج يزعجها.
“الخاسر ينسحب.”
“أتعنين أنكِ ستستندين إلى نزال جرى قبل ثلاث سنوات؟ في عمرنا هذا، كل شهر له أهميته! ثلاث سنوات كافية لسد الفارق وأكثر…!”
“نعم. أنت الخاسر.”
في اللحظة التالية، احمرّ وجه هولكوس بشدة.
“هذه الوقحة! لا بد إذن! لنتبارز مجددًا! الفائز هو من يواجه ثيو راغنار بالسيف!”
“أتظن أنني سأعجز عن ذلك؟”
سحبت راي وهولكوس سيوفهما في آن واحد، وبدآ يزمجران في وجه بعضهما.
غووووو—
اجتاحت موجة هائلة كالعاصفة المكان من حولهما.
أما ويلينغتون، الذي كان في الوسط، فقد عقد حاجبيه بقوة.
لماذا بحق الجحيم يثيران هذه الفوضى هنا بالذات؟
‘هل يمكن أن يكون أكسيون…؟’
خطر بباله شخص قد يكون وراء مثل هذه 'المقالب'،
لكن بما أن إيقاف هذين الاثنين كان أولوية، فقد لوّح بسيفه بخشونة.
جييييِنغ—
<سر نارسيو – سيف الهاوية>
مع صرير السيف العنيف، انطلقت عاصفة نصلية شقّت المسافة بين راي وهولكوس.
تشااااك!
“……!”
“……!”
في تلك اللحظة، انعكس وميض غريب في عيني راي وقد ابتعدت غريزيًا.
وكذلك كان حال هولكوس.
“إن كنتم تريدون الشجار، فعودوا إلى بيوتكم وافعلوه هناك. هذا المكان هو أرض ثيو راغنار. لن أسمح بحدوث أي فوضى هنا دون وجود المالك.”
انبثقت من ويلينغتون هالة مرعبة من الضغط.
أوه!
أطلق هولكوس تأوّهًا خفيفًا وهو ينظر إليه.
“ويل، أنت فعلًا ويل، أليس كذلك؟”
“ما هذا الهراء؟ هل تقصد أنني مزيف؟”
“ربما.”
“ماذا؟”
“على الأقل، ويل الذي أعرفه لم يكن هكذا.”
ارتفع أحد طرفي فم هولكوس بابتسامة ماكرة.
“كان مهذبًا أكثر من اللازم، ومليئًا بالاستقامة حتى الملل…… لكن الآن أصبحت حادًّا جدًا. ليس من السهل أن يتغير الإنسان فجأة هكذا. ما الأمر؟ ماذا تعلمت طوال هذه المدة؟”
خطر في بال ويلينغتون شيء ما للحظة.
اللحظات التي قضاها مع ثيو.
اللحظات التي تعلم فيها السيف على يد إيفلين.
اللحظات التي اختلطت فيها السيوف مع الأتباع.
كانت الأشهر الماضية في الحقيقة مفترق طرق غيّر حياته تغيّرًا كبيرًا.
أيام لم يشهد مثلها قط داخل العائلة.
وقد غيّرت تلك الأيام طريقته في التفكير من حيث لا يشعر.
ومع ذلك، لا سبب يدفع ويلينغتون لإخبار هولكوس بمثل هذا.
“كفّ عن الثرثرة. واختفِ.”
“همم! إن كان الشخص الذي غيّرك إلى هذا الحد هو ثيو راغنار، فأنا أريد رؤية وجهه أكثر فأكثر. ماذا نفعل إذًا؟”
فكّر ويلينغتون أن الكلام لم يعد مجديًا، وهمّ بإطلاق رنين سيفه.
وفي تلك اللحظة.
فوااااك!
“ما هذا……؟”
“……هذا؟”
ضغط هائل باغت فجأة ساحة التدريب الرابعة وسحقها بقوة.
انتفض هولكوس رافعًا رأسه، وضيّقت راي عينيها وهي تحوّل نظرها إلى جهة أخرى.
أما ويلينغتون، فقد اتجه بصره تلقائيًا إلى المكان نفسه.
تَك، تَك—
كان ثيو يتقدّم نحوهم.
بخطوات بطيئة.
لكن على عكس خطواته، لم يكن جوّ ثيو بطيئًا على الإطلاق.
كأنه خرج للتو من معركة طاحنة في مكان ما.
عيناه الحمراوان القانيتان، الظاهرتان بين خصلات شعره الأمامية المبعثرة، كانتا حادتين كعيني وحش،
والجروح التي بدت من بين أطراف ثيابه الممزقة كانت تبعث قشعريرة في الجسد.
وفوق كل ذلك، هذا الضغط الخانق.
كأنه 'رعب التنين' الذي يُقال إن التنانين الأسطورية تبثه، كان مرعبًا إلى حدّ يفوق الوصف.
“كـخ……!”
“مـ-من المؤكد أنه لم يـ-يـ-يفتح المـ،-المـ-المانا بعد……!”
“مـ-ما الذي……؟”
إذا كان حتى 'الأربعة العباقرة في الشمال' قد صُدموا إلى هذا الحد، فكيف بحال الآخرين من عامة الناس؟
كان معظم جماعة جنكينز قد شحب لونهم، وبعضهم أغمي عليه في الحال.
والمشكلة هي—
كلما اقترب ثيو من هذا المكان، ازدادت نية القتل وحضوره وضوحًا أكثر فأكثر.
“فهاهاهاها! توقّعي كان صحيحًا. قلت إن الأمر سيكون ممتعًا. أنت لي—!”
كواااانغ—
انفجر هولكوس ضاحكًا بجنون، ثم اندفع بقوة دافعًا الأرض تحت قدميه، لينقضّ مباشرة نحو ثيو.
في تلك اللحظة، أدرك ويلينغتون خطأه.
إذ انشغل تمامًا بظهور ثيو، فغفل عن ذلك الرجل لوهلة.
‘حسبما أعلم، فإن السيد ثيو قد خرج لتوّه بعد أن أنهى تدريب العزلة……!’
مهما بلغ عمق الإدراك وتغيّر الزخم، فإن المرء وهو في حالة إرهاق يصعب عليه أن يُظهر كامل قوته.
وفوق ذلك، لم يتبقَّ على إقامة حفل التفتح سوى خمسة أيام فقط، ولو أُصيب بأذى عن غير قصد لكانت مصيبة حقيقية.
لذلك، وبينما كان يستعد على عجل للإمساك بهولكوس—
في تلك اللحظة، كان ويلينغتون قادرًا على أن يرى.
ثيو، الذي بدا وكأنه يوجّه السيف المزخرف البديع الذي كان يحمله فجأةً نحو هذا الاتجاه.
فآآآات—
ثم لوّح بالسيف بقوة نحو الاتجاه الذي كان يقف فيه هولكوس.
ذلك الضغط المهيمن الذي كان يطغى على ساحة التدريب الرابعة، بدا وكأنه انضغط في لحظة واحدة، حتى خُيّل أنه صار سيفًا بحد ذاته.
‘وميض……!’
شيء أبيض ناصع لمعَ فجأة.
ذلك كان كل ما استطاع ويلينغتون إدراكه.
ثم.
فُهاااك—
“ما الذي…… فعلته……؟”
هولكوس، وقد غدا مغطّى بالدماء في لحظة، كان واقفًا في مكانه يطلق صرخة ذهول مشبعة بالرعب.
من اكتفه الأيمن إلى خصره الأيسر. وعلى امتداد خط دمٍ مائل ممتد، كانت الدماء تتفجّر بغزارة.
حتى سيف الكلايمور الذي كان يحمله انشطر إلى نصفين، وهو يتدحرج على أرض الساحة.
‘متى……؟’
بينما كانت حدقتا ويلينغتون ترتجفان، وراي تفتح عينيها على اتساعهما.
“آآآاه!”
هولكوس، وكأنه لا يستطيع تقبّل هذا الوضع إطلاقًا، أطلق عواءً هستيريًا وحاول أن يتحرّك مجددًا.
لكن.
“مزعج.”
ثيو، الذي كان قد اقترب حتى صار على مسافة أنفاس، هوى بمقبض السيف الطقسي بقوة على صدغ هولكوس.
بَعاااك!
هولكوس لم يستطع حتى أن يتفوّه بكلمة، فسقط إلى الخلف ممدّدًا.
كُوم—
بسقوط ذلك الجسد الضخم إلى الوراء، بدا وكأن ساحة التدريب بأكملها تهتز.
‘لـ-لم أرَ حركة السيد ثيو ولا مرة واحدة. حتى لحظة اقترابه من هولكوس.’
خطوات خفيفة، كما لو أنه خرج في نزهة.
ليس ويلينغتون وحده، بل حتى جماعة الأتباع وعصابة جينكينز، الجميع وقعوا في صدمة عنيفة.
“هل خسر ‘الدب الأسود’……؟”
“أن يخسر أحد الأربعة العباقرة في الشمال……!”
“ما الذي حدث بحق السماء؟”
قبل عدة أشهر، كان ثيو وويلينغتون قد خاضا مواجهة تدريبية.
لكن المواجهة التدريبية تبقى مجرد تدريب.
لم يعتبر الناس ذلك ‘نزالًا حقيقيًا’.
إذ اعتقدوا أن الشائعات مبالغ فيها، أو حتى لو كانت صحيحة، فإن ويلينغتون قد تحمّل قدرًا من القيود من أجل ثيو.
لكن الآن كان الأمر مختلفًا.
من الواضح للجميع أن هولكوس اندفع نحو ثيو بكل قوته.
ومع ذلك، سقط مصابًا إصابة قاتلة دون أن يتمكن حتى من لمسه.
وكان ذلك بضربة واحدة.
لقد أسقط عبقريًا قيل إنه مستقبل الشمال في لحظة واحدة.
ومن الطبيعي أن يكون وقع ذلك هائلًا.
ثيو نظر إلى راي بنظرة توحي بالسؤال إن كانت تريد المتابعة.
كما لو أنه، إن لزم الأمر، سيُلوّح بالسيف الطقسي نحوها أيضًا.
تألّقت عيناه الحمراوان القانيتان بوهجٍ حاد.
راي، بعد أن نظرة بصمت إلى سيفها ثم إلى سيف ثيو بالتناوب.
“…….”
أعادت بهدوء سيفها إلى غمده.
طَرَق!
***
ماهو رايكم بترجمة فصل هل لذيكم ملاحظات.