لم يكن يوليوس يُظهر هالةً خاصة، ومع ذلك فإن الضغط المتسلّل من طريقة مشيه لم يكن هيّنًا على الإطلاق.
“واو…… تنين شيطاني! تنين شيطاني فعلًا! تنين شيطاني قادم……! بطل معركة ثيونان وحملة إبادة جزيرة كازاخ……! هل هذا حقيقي؟ حقيقي فعلًا؟ حقًا بلا مزاح……!”
“أرجوك التزم الهدوء قليلًا! سأموت خجلًا!”
حاولت إيريكا جهدها لتهدئة هولكوس الذي لم يستطع السيطرة على نفسه، لكن ضجّته لم تهدأ بسهولة.
فبالنسبة له، الذي كان يُعجب بالتنانين التسعة منذ طفولته، بدا هذا المكان أشبه بحلمٍ لا يُصدَّق.
ابتسم حامل الراية والجنود ابتسامات خفيفة، وكأنهم يجدون هولكوس لطيفًا.
‘هذا هو…… تنين شيطاني.’
ورغم أنه لم يُظهر ذلك على وجهه، إلا أن ثيو لم يكن أقل دهشةً منه.
فالحقيقة الكاملة ليوليوس، الذي لم يُظهر له من قبل سوى صورة العمّ الودود من الجوار، بدت عظيمةً إلى حدٍّ يفوق التصوّر.
-أريد أن أكون مثله.
تلألأت عينا ثيو بقوة وهو يفكّر بذلك.
“أرحّب بكم جميعًا في عائلتكم الجديدة.”
قال يوليوس ذلك بابتسامةٍ خفيفة.
كان صوته منخفضًا جدًا، لكنّه حمل ثِقَلًا سيطر على المكان بأسره.
هنا هو فرقة فرسان تنين الدروع البيضاء.
وبخلاف الخارج، كان يتحدّث الآن بصفته القائد، مستخدمًا أسلوب الخطاب الأدنى بطبيعية.
“على عكس الوحدات الأخرى، نحن في فرقة فرسان تنين الدروع البيضاء نُطلق دائمًا على أنفسنا ‘عائلة’ أو ‘إخوة’. أي أننا نعيش ونحن نعتبر بعضنا البعض أشخاصًا يمكن أن نودع بين أيديهم حياتنا.”
عائلة.
أو إخوة.
تلك الكلمات لامست صدر ثيو بقوةٍ خاصة.
“قد لا يكون من السهل عليكم استيعاب معنى ذلك الآن. لكن إن عشتُم هنا معًا، فستفهمونه سريعًا. لذلك لا تقلقوا، واتبعوا إخوتكم الآخرين جيدًا.”
“نعم، فهمنا.”
“نعم، فهمنا.”
“نعم، فهمنا.”
أجاب ثيو وأخوا رانك بصوتٍ جهوري.
ابتسم يوليوس، ثم ألقى نظرةً جانبية على حامل الراية وسأله.
“حاولتُ أن أكون مختصرًا على طريقتي. هل هذا مقبول؟”
“كاد أن يكون مملًا بعض الشيء، لكن بهذا القدر يُعدّ إنقاذًا في اللحظة الأخيرة.”
“هاه، لحسن الحظ.”
كان المشهد أشبه بمزحةٍ خفيفة.
ورغم الانضباط العسكري، أمكن تلمّس الأجواء الاعتيادية الحرة نسبيًا لفرقة فرسان تنين الدروع البيضاء.
مرّر يوليوس يده على شعره، ثم راح يتفحّص المجنّدين الثلاثة واحدًا تلو الآخر.
بدأ بهولكوس.
“إذًا، هذا يكفي من موعظة العجوز. هل تودّ أن تخبرني بسبب اختيارك لهذا المكان؟”
ابتلع هولكوس ريقه الجاف من شدّة التوتر، وأومأ برأسه بقوة.
لم يستطع يوليوس كبح ابتسامته، فمشهد هذا الفتى الضخم المرتجف على هذا النحو كان لطيفًا.
“جِـ-جئتُ لأنّه رائع!”
“رائع؟”
“نعم! الدروع البيضاء، السيوف البيضاء، التنين الأبيض…… أ-أنا! كانوا جميعًا منذ طفولتي مَـ-مَحطّ إعجابي!”
قال هولكوس ذلك وهو يختلس نظرةً نحو ثيو.
كان اختيار ثيو لفرقة فرسان تنين الدروع البيضاء صدمةً له، ولإيريكا، وللجميع تقريبًا.
فقد كان يعني أنه رفض جميع العروض المغرية الأخرى، واختار أن يبدأ من أدنى مرتبة.
لكن من ناحيةٍ أخرى، شعر هولكوس براحةٍ كبيرة.
فهو لم يبتعد عن ثيو، كما أن خياره الأول أصلًا، قبل أن يعزم على أن يكون سيف ثيو، كان فرقة فرسان تنين الدروع البيضاء.
“الوقوف جنبًا إلى جنب مع ما كنتَ تُعجب به. هذا بلا شك أمرٌ ممتع.”
هزّ يوليوس رأسه وهو يداعب ذقنه.
“لكن الواقع قد يكون مختلفًا تمامًا. سيكون أكثر قسوةً وضراوة. خصوصًا وأننا نركض دائمًا في الخطوط الأمامية، حيث يتبعك الموت كأنه صديق. هذا بعيد كل البعد عن ‘الروعة’. قد تتحطّم تلك الأوهام، فهل أنت واثق أنك لن تندم؟”
تابع يوليوس كلامه.
“وفوق ذلك، فإن وحدتنا، على عكس غيرها، تتطلّب أولًا ‘اختبار توافق’. فوجود <شريك> يجعل ذلك أمرًا لا مفرّ منه. وإن لم تخرج نتيجة مناسبة هنا، فلن يكون أمامنا خيار سوى سحب التعيين. فما الذي تنوي فعله حينها؟”
بدا نظر يوليوس الحادّ وكأنه يخترق هولكوس.
بلع!
ابتلع هولكوس ريقه الجاف مرةً أخرى، ثم فتح فمه أخيرًا بصعوبة.
“ذٰلِك…… القدرُ من الأمرِ قد أعددتُ نفسي له.”
“أعددتَ نفسك؟”
وكأنّه أمرٌ غير متوقَّع، ارتفع أحد حاجبي يوليوس قليلًا.
“نعم……! فارسُ التنين، إن دقّقنا القول، هو من سلاح الجوّ. لذلك ففي الأوقات الاعتياديّة يجب عليه التنقّل على ظهر تنينٍ طائر يكون شريكه، وعندها يجب على الفارس أن يكون خفيف الوزن إلى درجة لا تُشكّل عبئًا على التنين الطائر، هذا ما أعلمه.”
“صحيح. لكن كما ترى…….”
“نعم. أنا من آل رانك. ولا بدّ أن أكون ثقيل الوزن.”
“إذًا فأنت تدرك جيّدًا أيضًا أنّه قد لا يصدر حكمُ التوافق.”
“وبخصوص ذلك، فقد فكّرتُ في أمرٍ مسبقًا.”
“أوه؟ وهل لي أن أسأل ما هو؟”
“أنا، ذلك…….”
دارت عينا هولكوس جانبًا.
نظرة توحي وكأنّه يُخفي شيئًا.
“ستُرِينا إيّاه عندما يحين الوقت؟”
“نعم! هذا صحيح.”
“حسنًا. سأترقّب. إذًا، ماذا عن استعدادك حين تتحطّم الأوهام التي كنتَ تحملها؟”
“أظنّ أنّ القائد أساء الفهم في هذا الجانب. إنّ إعجابي بفرقة فرسان تنين الدروع البيضاء هو…… بالقوّة.”
“بالقوّة، إذًا.”
“نعم! أرى أنّ ‘الروعة’ الحقيقيّة التي يمتلكها فرقة فرسان تنين الدروع البيضاء تكمن في العزيمة التي لا تنكسر، والإرادة الصلبة!”
عندها فقط ابتسم يوليوس برضا، وربت على كتف هولكوس ربّتاتٍ خفيفة.
“إجابة جيّدة. آمل فقط ألّا تكون كلماتٍ معسولة لا أكثر.”
تنفّس هولكوس الصعداء، وهو يشعر بالارتياح لأنّه يبدو أنّه ترك انطباعًا أوّليًّا جيّدًا.
ثم قبض على قبضته بقوّة، وهو مفعم بالفخر.
من هنا يبدأ كلّ شيء.
“التالي، إيريكا رانك.”
توجّه نظر ثيو بدوره إلى إيريكا.
فهو أيضًا كان يتساءل عن سبب قدومها إلى هنا، وهي وريثة آل رانك الصغرى.
حكّت إيريكا صدغها بإصبعها السبّابة، وكأنّها تجد صعوبةً في الإجابة.
“لديّ إجابتان، واحدة تبدو معقولة، وأخرى هي الحقيقة. أيّهما تودّ أن تسمع؟”
“هاها! اثنتان؟ هل أستطيع سماع الحقيقة؟”
“لأنّه يبدو ممتعًا.”
جاء الجواب كالصاعقة.
“هذا بدوره جواب لم أكن أتوقّعه.”
“ظننتُ أنّ أيّ مكان أكون فيه مع هذين الاثنين سيكون ممتعًا. ثم إنّ القتال في الخطوط الأماميّة قد يجعلني أقوى بسرعة أيضًا.”
لمع بريق التحدّي في عيني إيريكا، فأومأ يوليوس برأسه موافقًا.
“روح الرفقة عنصرٌ بالغ الأهميّة كذلك. حسنٌ. سأقبل بتعيينك مبدئيًّا. آمل أن تحصلي أنتِ وأخوكِ، كلاكما، على نتائج جيّدة في الاختبار.”
“شكرًا جزيلًا.”
شبك يوليوس يديه خلف ظهره، ثم التفت نحو ثيو.
غدت نظراته أحدّ من أيّ وقتٍ مضى.
“والآن لم يبقَ سوى…… ثيو راغنار، أنتَ فقط. في الحقيقة، كنتُ الأكثر فضولًا لمعرفة سبب اختيارك لهذه الفرقة.”
هزّ الجنود الحاضرون من فرقة فرسان تنين الدروع البيضاء، بمن فيهم حامل الراية، رؤوسهم موافقين.
‘بماذا ينبغي أن أجيب؟’
تردّد ثيو لحظةً قصيرة جدًّا، لكنّه حسم أمره في النهاية.
أن يتكلّم بكلّ صدق.
“لأنّ هذا المكان هو أقصر طريقٍ وأكثره يقينًا للوصول إلى الوجهة التي أطمح إليها.”
“الوجهة…… إذًا.”
لمعت عينا يوليوس.
كان يعلم.
يعلم أين تكمن الوجهة التي يطمح إليها ثيو.
العرش.
“نعم. ولذلك فإنّني.”
شيءٌ ما في صدر ثيو كان يرفع رأسه عاليًا.
“أنوي أن أصبح قائد فرقة فرسان تنين الدروع البيضاء. خلال خمس سنوات.”
***
خمسُ سنوات.
إن قيل عنها طويلة فهي طويلة، وإن قيل عنها قصيرة فهي قصيرة.
لكنّها كانت زمنًا قصيرًا على نحوٍ عبثيّ كي يصبح المرء قائد فرقة فرسان تنين الدروع البيضاء، أحد الأعمدة الأربعة التي تقوم عليها عائلة راغنار.
ومع ذلك، يقول ثيو إنّه سيفعلها.
ولم يكن في ذلك مبالغة إن قيل إنّه بمثابة إعلان حربٍ صريح على يوليوس الجالس في مكانه في تلك اللحظة.
ولذلك، لم يكن غريبًا أن تلمع عيون الجنود، بمن فيهم حامل الراية، بحدّة،
كما أنّ الشقيقين من آل رانك باتا ينظران إلى ثيو وكأنّهما ينظران إلى مجنون.
‘ما باله هذا……؟’
‘هاهاها! إنّه مجنون حقًّا!’
الشخص الوحيد الذي كان يبتسم في هذا المكان هو يوليوس.
“خمس سنوات، إذًا……. رقمٌ محدّد للغاية. هل من سببٍ يدعوك إلى ذلك؟”
السبب؟
السبب كان واضحًا تمامًا.
لأنّه كان يعلم، أكثر من أيّ شخصٍ آخر، ما الذي سيحلّ بهذا العالم بعد خمس سنوات.
‘الحرب العظمى.’
عندما يحين ذلك الوقت، ستنهار فورًا كلّ الأنظمة والبُنى التي يعرفها هو، ويعرفها جميع من هم هنا.
ومنذ تلك اللحظة، سيبدأ فعلًا عصر البقاء للأقوى.
ولكي يتمكّن من انتزاع العرش وسط تلك الفوضى، كان لا بدّ له، بأيّ وسيلة، من أن يكون قد أعدّ كلّ أسسه داخلها مسبقًا.
“لأنّ فرقة فرسان تنين الدروع البيضاء هو جذرُ راغنار.”
“الجذر……. صحيح، فالفرقة الذي أسّسه الجدّ المؤسِّس سيغورد حين شقّ الطريق أوّل مرّة في الشمال القاحل الذي أنهكته وحوش بحر الشيطاني، هو أصل فرقة فرسان تنين الدروع البيضاء. كلامك في محلّه.”
فرقة فرسان تنين.
الفرقة التي أنشأه سيغورد، المتعاقد مع لودبروك، بعد أن أقام الجدار العظيم، ليحميه.
ثم أخذ هذه الفرقة تكبر وتتوسّع مع مرور الزمن، إلى أن تحوّلة في نهاية المطاف إلى العائلة العظمى المعروفة باسم راغنار.
وهكذا انتقلت المهمّات الأصليّة لفرقة فرسان تنين، مع مرور العصور، إلى فرقة فرسان تنين الدروع البيضاء.
ولهذا السبب بالذات، كان الكثير من سكّان وينترر يشجّعون فرقة فرسان تنين الدروع البيضاء.
لأنّه يحمل هذه الشرعيّة العريقة.
وكان هذا أيضًا مصدر فخرٍ لا يفارقه أبدًا أفراد الفرقة، حتّى في أقسى البيئات.
لكن.
في الزمن الحاضر، كان فرسان راغنار يسعون، بشتى الطرق، إلى الحطّ من شأن هذا الفخر الذي يحمله فرقة فرسان تنين الدروع البيضاء.
وذلك من أجل تعظيم هيبتهم هم.
وهنا، كان ثيو يوجّه إصبعه مباشرةً إلى هذه النقطة.
أنّهم هم بالذات، ‘الجذر الحقيقي’ وعمود راغنار الأصيل.
“همم همم! يبدو أنّ لديك بصيرة جيّدة رغم صغر سنّك.”
“همم همم همم! صحيح أنّه كلامٌ في محلّه، لكن سماعه مباشرةً هكذا يجعلني أشعر بالخجل دون سبب.”
وبفضل ذلك، أصبحت نظرات الجنود التي كانت موجّهة نحو ثيو أكثر ليونة.
ضحك يوليوس بخفّة، وقد بدا له ردّ فعل جنوده لطيفًا.
“إذًا، هل هدفك هو أن تمسك بهذا الجذر، وتبني به موطئ قدمك الخاص؟”
“كلٌّ من قاعة تنين الارتقاء، والمكتب المركزي للاستخبارات، وقصر زهر البرقوق، عرضوا عليّ مناصب ومزايا تفوقني قدرًا. لكنّ ذلك، على المدى البعيد، لن يكون سوى سمٍّ لي.”
أومأ يوليوس برأسه موافقًا.
فمن الطبيعيّ أنّ فتى لم يتجاوز الخامسة عشرة، ولم يمضِ على كونه فارسًا متدرّبًا سوى وقتٍ قصير، إن مُنح منصبًا يفوقه، فلن يحصد سوى الحسد من حوله.
‘إنّه طفلٌ عميق التفكير فعلًا.’
شعر يوليوس بالرضا لأنّ نظرته لم تخطئ.
“أمّا فرقة فرسان تنين الدروع البيضاء، فهو مكان يمكنني فيه أن أرتقي بقدر ما أحقّقه من إنجازات ونتائج. كما أنّه جذر راغنار. ولهذا السبب قمتُ باختياره.”
كانت فرقة فرسان تنين الدروع البيضاء، بحكم نشاطه في الخطوط الأمامية أكثر من أيّ وحدةٍ أخرى، يقدّم الكفاءة على الأقدميّة قبل أيّ شيء.
فحتى لو كان المرء أحدث المنضمّين، فإنّ بإمكانه، بحسب قدرته، أن يرتقي إلى الأعلى دون قيود.
وفي خضمّ الحرب العظمى التي يعمّها الاضطراب إلى أقصى حدّ.
فإنّ منصب قائد ‘الجذر’ ذي الشرعيّة العريقة سيكون بلا شكّ موطئ قدمٍ بالغ الأهميّة.
“إذًا ستصعد حتّى هذا المقام؟ هاهاهاها.”
أُعجب يوليوس كثيرًا بثقة ثيو.
قد يراها البعض مجرّد تباهٍ، لكن عندما نطق بها ثيو، بدا وكأنّها أمرٌ ممكن الحدوث فعلًا.
‘يبدو أنّ عليّ أن أكون على أهبة الاستعداد، إذًا؟’
ظنّ أنّه جلب موهبةً واعدة، لكن تبيّن أنّه جلب شبل نمر.
“ومع ذلك، فهذا لا يفسّر سبب تحديدك مدّة خمس سنوات بالضبط، أليس كذلك؟”
هذه المرّة، اكتفى ثيو بالابتسام دون جواب.
“لا كلام، إذًا. يبدو أنّ لديك خطّة ما. حسنًا، إن كنت تطمح إلى عرش راغنار، فأنت في الواقع متأخّر كثيرًا مقارنةً ببقيّة المرشّحين، حتّى لو بدأت الآن. لذلك، من الأفضل أن تثبّت مكانك قبل بلوغك سنّ الرشد.”
توصل يوليوس إلى هذا الاستنتاج بطريقته، ثم أومأ برأسه.
“أنا أحبّ كثيرًا أصحاب الطموح. فهؤلاء دائمًا ما يحملون رغبةً في التطوّر، وهذا بدوره يدفع من حولهم إلى التحسّن أيضًا. لكن.”
في تلك اللحظة، لمع بريق بارد في عيني يوليوس.
“في المقابل، هؤلاء أنفسهم قد يعرّضون رفاقهم للخطر أحيانًا من أجل طموحاتهم. وإن لاحظتُ منك أدنى بادرةٍ من هذا القبيل…… فلن أتردّد في إصدار حكم الإعدام الفوري.”
في لحظةٍ واحدة، اجتاح فيضٌ من نية القتل الى ثيو.
كان ذلك تحذيرًا واضحًا بأنّه لن يُترك وشأنه إن حاول أيّ حيلةٍ طائشة.
كان الألم لاذعًا حتّى كأنّه يلسع الجلد…… ومع ذلك، ابتسم ثيو بخفّة وأومأ برأسه.
“نعم. سأضع ذلك نصب عيني.”
“……حقًّا إنّك شخصٌ ممل. تسك.”
سحب يوليوس نية القتل كما لو أنّها لم تكن، وحرّك شفتيه بضجر.
كان قد مازحه على أمل أن يرى ردّة فعلٍ مفزوعة، لكن عدم اكتراثه أفسد المتعة تمامًا.
وكما يشعر دائمًا، لم يكن ثيو أقلّ من شيخٍ عجوز في جسد طفل.
“مع ذلك، يبدو أنّ السنوات الخمس القادمة لن تكون مملّة بفضل هؤلاء الرفاق. سيلفرد! أرين!”
تقدّم رجلٌ أشيب الشعر، وامرأةٌ صغيرة البنية.
كانا سيلفرد وأرين.
مراقبا اختبار حفل التفتح، اللذان سبق لثيو أن التقى بهما.
“اقتادا جميع المستجدّين إلى ‘العش’. تفحّصا المتطلّبات اللازمة للوحدة وأرشدوهم، ثم جهّزوا الأمر لإجراء الاختبار فورًا.”
“نعم سيدي!”
“نعم سيدي!”
“ه-هل سنجري الاختبار بهذه السرعة؟”
سأل هولكوس بوجهٍ مذهول.
“إن تأخّرنا أكثر، فسيصعب عليكم أيضًا اختيار الوحدة التي تضعونها خيارًا ثانيًا. من الأفضل للطرفين أن ننهي الأمر بسرعة. حسنًا، أتمنّى لكم جميعًا التوفيق.”
ودّع يوليوس المنضمّين الثلاثة، ثم ركل الأرض بخفّة وارتفع محلّقًا في الهواء.
وفي تلك اللحظة، ظهر من السماء وايفرنٌ هائل الحجم على نحوٍ مفاجئ، حمل يوليوس على ظهره واختفى به وراء الأفق البعيد.
“أوه؟”
“إذًا هذا هو التنين الذي كنّا نسمع عنه بالكلام فقط……!”
وعند رؤية دهشة توأمي رانك، ابتسم سيلفرد ابتسامةً خفيفة.
“إنّه شريك القائد، ‘غولا’. نهمُه وحماسته مفرطان للغاية. وبقدر ذلك، فإنّ حيويّته هائلة أيضًا. وأنتم أيضًا ستلتقون بشريكٍ كهذا لاحقًا.”
“ه-هل هذا صحيح فعلًا؟”
في تلك اللحظة، لمعَت عينا هولكوس ببريقٍ متلألئ.
“حسنًا، لكن ذلك مشروطٌ باجتياز اختبار الملاءمة كاملًا.”
“آه، فهمت…….”
هذه المرّة، هبط كتفا هولكوس بتثاقل.
كان سيلفرد يضحك مكتومًا من ردود فعله التي تتغيّر في كلّ لحظة، إذ بدت له لطيفة.
وخزته أرين بمرفقها في خاصرته، طالبةً منه ألّا يُخيفهم بلا داعٍ، لكنّه لم يُعر الأمر أيّ اهتمام، وقال للمستجدّين.
“حسنًا، سننتقل الآن إلى العشّ، فاستعدّوا لاعتلاء ظهور تنانينكم.”
فييييه!
عندها، ضمّت أرين شفتيها السفليّتين وأطلقت صفيرًا خفيفًا.
فهبط من السماء وايفرنان اثنان.
كانا أصغر حجمًا من غولا، لكنّهما أيضًا مدجّنان بدروعٍ بيضاء.
كان وصف ‘التنين الأبيض’ يليق بهما تمامًا.
“اختبار الملاءمة بسيط للغاية. من الآن فصاعدًا، سنترككم أنتم الثلاثة في عشّ تعيش فيه الوايفرنات. وعليكم فقط أن تنالوا اختيار الوايفرن الذي ستتّخذونه شريكًا. ما رأيكم؟ أليس سهلًا جدًا؟”
وعلى عكس نبرته، كان فم سيلفرد ممتلئًا بروح المزاح.
فالوايفرن من بين أدنى سلالات التنانين، لكنّها مع ذلك مشهورة بشدّة طباعها وقوّتها الهائلة.
ومهما كان المرء مدرَّبًا في الظروف الاعتياديّة، فلن يكون التعامل معها سهلًا.
“إذًا، استعدّوا الآن.”
وبينما كان توأما رانك يتحقّقان كلٌّ على حدة من تجهيزاتهما، هبطت الوايفرنات بهدوء على الأرض.
لكنّ عددها كان قد ازداد، إذ تحوّل من اثنتين إلى ثلاث.
وكان على ظهر إحداها شخصٌ قد امتطاها بالفعل.
وجهٌ مألوف جدًّا بالنسبة إلى ثيو.
“إيفلين؟”
“مرحبًا بعودتك، سيّدي الشاب.”
انحنت إيفلين، المدرّعة بدرعٍ أبيض، تحيّةً خفيفة.
“لماذا إيفلين هنا…… لا، بل قبل ذلك، ذراعك……!”
“آه، هل تقصد هذا؟”
مسحت إيفلين بيدها اليمنى الذراعَ الاصطناعيّة اليسرى التي كانت تمسك بإحكام بلجامٍ متّصل بطوق الوايفرن.
“إنّها هديّة من والدة سيّدي.”
“……!”
في تلك اللحظة، مرّت في ذهن ثيو كلماتُ كيرسون التي قالتها قبل حفل التعيين.
-حتى لو كانت أمكَ اليوم كثيرة الضجة، تفهّم ذلك. لو عرفتَ كم عانت خلال النصف شهر الماضي، لما استطعتَ قول شيء. وفوق ذلك، هناك ‘هدية’ أعددناها لك……!
***
ماهو رايكم بترجمة فصل هل لذيكم ملاحظات.