كان يرقد وسط حقل أخضر ، كأنه يتأمل السماء زرقاء ويهب على جلده الابيض نسيم رياح، فبطع لن يفعل ذلك إن لم تكن عيناه مفتوحة، لكن ذلك شخص بدى نائم، هل هو نائم حقاً أم ميت؟....

تفتح عينيه ثم يستقيم مفزوعا من مكانه يلهث، يكاد يلتقط نفس من حلقه ، ملفوفا على رأسه أشرطة بيضاء طبية، موغطات بقليل من دم، كانت ملابسه مطروزة بقماش و لجلد تعود إلى العصور الوسطى، نضر في يديه متسخة كأنهما لشخص أخر أو صبي صغير ، يلتفت إلى جسمه الذي يضهر مختلفا تماما ، حلت به غرابة و دهشة من وضعه هذا ثم تحسس وجود عشب اخضر تحت قدميه ، عليه بعض قطرات دماء.

نضر إلى سماء زرقاء صافية ، وضع يده اليمنى على جبهته لحجب عن عينيه شمس كي يتمكن من الرؤية ، وتسعت عيناه مما رأه من حقول خضراء و أشجار كثيفة و ثلال ممتدة، ثم ستدار خلفه و لمح قصرا ضخما فوق ثلة مرتفعة عن بلدة صغيرة بجوارها ، يبعد عنه بمسافات طويلة ،وفتح فمه من شدة ذهول و دهشة ،وبادرة بسؤال نفسه:أين أنا؟..وكيف وصلت الى هنا؟,أراد تذكر لكن ذاكرته برؤية ضبابية ، ولكن ما تذكره هو أخر نثرة من سجارته ليرميها بعيدا،ثم تحد ذاكرته عند ذلك المشهد.

لم يفهم شيء مما جرى،وضن في الاول أنه في عالم سريالي ممزوج بواقع ، وتأكد أنه كذلك بعدما تألم لقرصه لنفسه ، لا يعلم أي طريق يسلكها ، لاحظ وجود منحذر ثم إقترب إليه و وجد ممر ترابي ممتد إلى تلك البلدة صغيرة ،وجلس يفكر لوهلة لما سيفعله،فهو من نوع الاشخاص الذين لايتخدون خطوة دون تخطيط ، فأدرك أنه عليه أن لا يتجه إلى طريق ثلال وحقول وأشجار كثيفة، وأن يتجه صوب الغرب، أي طريق إلى تلك البلدة لعله يجد أناس ينجدوه. ثم ضحك و قال لنفسه:

لا أعلم ما هذا المكان و لا سبب وجود هنا ، لا بأس فقط سأجرب لابد أنه حلم يقض.

و مشى على بعد مسافات خلال ذلك ممر وتعب يضهر عليه ، ولم تستطع ساقيه صغيرتين ضئلتين تماسك ، و سخر من حاله وقال لنفسه:

كم هما صغيرتان هذان ساقان..أبدو قزم.

تفقد ضماضات على رأسه كان غريبا عليه أمرهما ولم يذكر أنه من وضعها، ثم فك أشرطة من رأسه ورماهما. وبقي على ذلك حال في طريق حتى اقترب من وصول ، لو كن كلما إقترب إلى بلدة رأى حقول يابسة و بعضها محروقة حتى أصبحت رماد و غربان سوداء موجود في كل مكان تنقب ماتبقى من جثث مواشي ميتة، تمسكه رعب من منضر تلك حقول ، وكثافة رائحة كريهة ،وبدت تضهر عليه غرابة و الاستفهام:

كيف تكون هذه الحقول في هذا الدمار ولابد من وجود فلاح في بلدة.

رأى سرب من غربان يأتي من أمامه، وغط عينيه بدرعيه كي لا يصيبه شيء عند حتكاكه بغربان ،تخطته غربان بسرعة و نضر إلى مصدر قدم غربان ثم لمح على أرض دراع بشرية تحيطها دماء في كل مكان مبتورة من جسد بجوارها دون رأس في حالة يرثى لها، تجمد في مكانه وتشحب وجهه من منضر وبدأ في نوبة صراخ هيستيرية، و بدأ في ركض دون وعي تجاه بلدة وهو يصرخ ويركض كمجنون، لأنها كانت هذه هي أول مرة يرى هذا المشهد مروع.

وصل إلى مشارف بلدة، ثم توقف يلهث ويكاد يتنفس، حتى ذاق صدره من شدة الضغط، ولمح البلدة كانت ذات مباني طينية مدمرة ومحروقة، وجثث على الرف المنازل، وجثث متدلية من أعلى بالحبال كأنها مشنوقة، وكثرة الطيور والغربان يجتمعون على جثث بشرية و هياكل العضمية ينقبون آخر ما تبقى من الدود، لم يسعه سوى وقوف دون حركة، والصدم ظاهر على عينيه واسعة، وقف ساكناً وساكتاً وهو يرتعش من الخوف ودقات قلبه تتسارع، كاد يفقد توازنه.

بعيد لمح وجود أشخاص يرتدون دروع حديدية ويحملون على خصورهم سيوف كأنهم فرسان، ثم تقدم يركض اتجاه فرسان كلما يقترب منهم يشعر بغرابة أكثر..هل هذا فلم وثائقي من نوع ما ؟..لما يبدو كل شيء هنا حقيقي ، و صرخ لهم أن ينجدونه: أحتاج المساعدة.. ظنا منه قد يساعدوه بفهم موقفه، لكن ذلك مازاد أمر تعقيد ،و فور ما لمح فارس الفتى ، سحب سيفه وأشار للفرسان ليمسكوه، بسرعة استجاب الفرسان لأوامر ذلك الفارس، توقف الفتى مندهشا ثم قال: أمسكوه؟ من؟ أنا؟.. وبسرعة اجتمع حوله فرسان يستعدون لتكبيله، لم يفهم شيء مما يجري وقال:

مهلاً ماذا؟ لم أفعل شيء، مما تريدون إمساكي؟ لقد وجدت جثة موتة، لماذا لا تفعلون شيء؟.

لم يرد عليه أحد سوى الفارس الذي أمر بإمساكه:

_ كونك إنساناً فأنت عبداً للملك، لذا كفاك ترثرة، لم يفهم الفتى شيء وملامحه ازدادت غرابة، فقال له :

_ ملك؟ عن أي ملك أنت تتحدث؟ أنا لا أفهم كلامك، وبخصوص كوني عبداً، أنا حر، هل هذا فيلم وثائقي؟ من أي نوع؟ أم هذا مقلب؟ .

فأضهر الفارس ملامح غرابة فعزز على تكبيله جيداً، لكن الفتى لم يفهم ولا يعرف ما يحدث، بسرعة ركل أحد فرسان في حجره وحاول الهرب مسرعاً ويداه مكبلتاً، لكن احتاج إلى ركلة واحدة من الفارس على ظهره ليسقطه أرضاً بسبب جسده الضعيف، سقط أرضاً ودعس الفارس رأس الفتى برجله ثم قال له بنبرة سخرية:

_أين تظن نفسك ذهبا أيها الفاسد؟..ثم تلقى مجموعة من ركلات على رأسه حتى فقد وعيه من شدة ألم.

استيقظ ببطء و تنشطت ذاكرته خلال إستيقاضه، ثم نطق بإسمه:ساتو؟!...هذا هو اسمي،حاول تحريك يده لكنه وجد نفسه مكبلا داخل عربة يتسلل ضوء إليها خلال ثقاب ، لم يفكر في امر كثيرا ، لكن تملكته دهشة حين نضر إلى اطفال مكبلة أيدهم على هياكل عربة بجانبه، لا يعرف اي هو..أين أنا؟..هكذا خاطب نفسه.

كانت ملابس اطفال غربية ذات قماش بال ورقيق لا يساعد في تدفئة برودة ، وبدى على وجوههم خوف و حزن ، لم يشعر حتى خاطب نفسه بصوت عالي :

_ما هذا الجنون الذي أراه.

كان يجلس بجواره صبي في نفس عمره تقريبا ، ذو عيون خضراء و بشرة سمراء ، وشعره أسود يغطيه تراب، حاول تحدث لي ساتو لي كسر صمت قليلا و كونه وحيد الواعي بين صبية أخرى:

_قد استيقظت أخيرا، كيف حالك؟

نضر ساتو لصبي وقال:

_بخير في أتم سلام.... زيادة على ذلك ما إسمك.

ابتسم صبي ورفع يديه المكبلتين ليريها لساتو وقال له:

_"عبد أسمر"

"ساتو":عبد؟!...ما مشكلتك؟ سألتك عن إسمك ليس عن لون بشرتك.

أجابه "عبد أسمر" مبتسما:

_لا يحق للعبد متلاك اسم إلا بإذن سيده....وسيدنا هنا سيكون ملك خريستس الثالث.

ضحك ساتو ثم رد على كلامه بسخرية و قال:

_حسنا....إذا ما الاسم الذي أطلقه عليك سيدك سابق.

استغرب "عبد أسمر" من طريقة حديث ساتو وقال له:

_يبدو أنك لا تعرف وجهتنا..هل لديك إسم؟!..من خلال كلامك لا أضن أنك عبد مثلي..أو علي قول أنك أصبحت أسيرا بسبب حرب.

رفع ساتو حاجبيه وقال له:

_أسير حرب .. تلك بلدة مدمرة وجثث متناثرة في كل مكان وحقول و مواشي ميتة ، هل كانت تلك حرب مرة من هناك.

"عبد أسمر":أنا أسف بشأن ذلك ، هل فقدت عائلتك .

ضحك ساتو من كلام أسمر وقال له :

_لا أعرف حتى أين أنا وأنت تخبرني بهذا..اسمع..لا أعرف شيء عن الحرب أو ما حدث في تلك بلدة..لاأعلم ولكن في ذاكرتي قد دعستني شاحنة و مت، وأضن أني الان إنتقلت لهذا عالم الذي بدى لي في عصور الوسطى ، ولا أعرف سبب الذي جعل تلك فرسان بأسري معكم

نضر عبد أسمر لساتو نضرة إستغراب طويلة وقال له:

_اسف لكنني لم افهم شيء من كلامك..لكن ما إستنتجته هو أنك لا تعرف شيء عن حرب دائرة بين مملكتين ݣامة و أثينا

انتصب ساتو من مكانه معدلا وضعية جلوسه في دهشة:

_أثينا؟!!,ݣامة؟!!

أجابه عبد أسمر بنضرة إستغراب:

_أجل..هل هنالك مشكلة؟

ساتو: نعم إنها مشكلة بذاتها ، هل..هل حقا توجد مملكة أثينا و ݣامة، مهلا!, ماذا عن الامبراطورية العضمة.

"عبد الاسمر" يضحك: يبدو أعراض ركلات التي تلقيتها على رأسك قد بدأت تضهر.

ساتو بنضرة جادة و جازمة:

_ أخبرني إنك تمزح صحيح ، فأنا لا أمزح ، لا تقل إنها حقيقة.

"عبد أسمر": للأسف إنها حقيقة ، لكن أريد تأكد من أن رأسك بخير..لا يوجد شخص بغير دراية بما يحدث بين مملكتين ، فكلتا شعوب متورطة في حروب طاحنة ، صغيرا ام كبيرا.

سكت ساتو من ذهول حين معرفة ذلك ، فكر قليلا يستعين بذاكرته وهو يردد..أثينا..گامة..

فلم تقع ذاكرته سوى على لعبة محاكاة التي كان يلعبها في حياته سابقة ، تجمد عقله حين تذكر أن أثينا و ݣامة هما اسم مملكتان كانت من ضمن حبكة اللعبة معروفتان بسحر وتاريخ حروب و ثورات سعيا لتحقيق سلطة و القوة و تملك ،حاول تحريك يده لكنه لم يستطع ، فكرر بقوة و لم يفك قيده.

فقال له "عبد أسمر": لا تحاول فذلك دون جدوى..لقد حاول قبلك هولاء أطفال ولم يفلحوا.

نضر إليه ساتو في تساول ليتأكد من أمر تجسده في لعبة: أخبرني..هل ملك خريستس يمتلك اولاد؟

فقال أسمر: نعم؟

فقال ساتو : أميرة أليكس وبنه أكبر ولي عهد أليكسندر

فقال له "عبد أسمر": نعم..لما تسأل إن كنت تعرف ذلك.

تملك ساتو إحباط و لا يزال لا يريد تقبل كونه قد تجسد في عالم الذي كان اخر شيء يتوقعه ، ضل صامتا للحضات و أعصابه تتكادس ، حتى عض شفتيه وقال بنبرة غضب:

_سحقا..هذا أخر شيء اتوقعه..لما تجسدت في هذه لعبة قذرة..فقط أضعت وقتا من حياتي بتخلص منها و أنا الآن داخلها ووجب علي تلبي حياتي فيها.

يتبع...

2023/11/30 · 117 مشاهدة · 1440 كلمة
نادي الروايات - 2026