عندما خرج ، ضرب تيار خفيف من الرياح وجهه ما جعله يشعر بالارتياح ، لم يعرف متى كانت آخر مرة تعرض فيها للهواء دون أي هموم أو مشاكل ، على الأقل لم يستطع أن يتذكر شيئا كهذا .
ظهر في بصره شارع واسع من المنازل ذات الطابقين والثلاث طوابق ، مر امامه في الشارع عربة مجرورة بحصانين قويين احدهما ابيض والاخر بني ، يمكنك رؤية شكل غامض لشخص ما من النافذة الصغيرة للعربة .
احكم معطفه الجلدي عليه من الجو البارد قليلا ، هبط الدرجات الثلاثة أمام باب منزله ، واتجه على طول الشارع يمينا .
كانت العربات الطويلة التي تجرها الخيول القوية هي وسيلة النقل الرئيسية في هذا العالم . كان فيكتور يراقب كل مكان و هو مندهش من الطابع المعماري الفريد ، مكتشقا المكان الجديد و العالم الذي سيعيش فيه من الآن فصاعدا .
' إنه عالم جديد حقا! ' فكر فيكتور ، رغم كامل الذكريات التي دخلت عقله ، إلا أنه لم يصدق مثل هذه الأمور الخرافية ، و فكر أنه حتى لو تجسد فعلا ، فإن الأمر سيكون في الأرض ، و هو يرى هذا المنظر أمامه لم يزدد سوى دهشة و ذهولا .
و لأنه منح فرصة جديدة في الحياة و ينوي الحفاظ عليها ، حتى لو كان ذلك في أي مكان و تحت أي ظرف ، لم يكن نوع الأشخاص الذين ينتحبون على الحظ الجيد ، و سيحرص أن يعيش حياته وفق رغباته و على أكمل وجه ، إذا اعترض أحدهم طريقه فسيجعله يقضي إجازة في ذلك الفضاء الأسود كما فعل هو أيضا .
بعد المسير لأكثر من عشر دقائق وتجاوز الشارع الذي يسكن فيه، شارع مالينجتون ، وبعض المناطق السكنية المكتظة، وصل داميان إلى ساحة كبيرة. توسّطت الفسحة نافورة دائرية الشكل، يعتليها تمثال ضخم لنمر بفم مفتوح كان مصدر تدفق الماء ، كانت أضخم بناية في هذه الساحة الحيوية ، قائمة بواسطة الحجر الرمادي القديم ، و أعلنت نفسها كبناء فاخر و أكبر من باقي البنايات .
كانت واجهة المبنى مزينة بنقوش بارزة أقرب إلى الطراز القوطي حيث ترتفع منها اقواس مدببة وأعمدة سميكة عند المدخل الرئيسي ، كما ارتفع فوق المدخل شعار منحوت يمثل رمز بنك المجد الإمبراطوري ، مخبرا الناس و معرفا إياهم بعظمة هذه المؤسسة العملاقة !
انتشرت المطاعم ومحلات بيع الأزياء و المجوهرات وغيرها من المحلات على طولي الفسحة ، والتي تسمى بساحة الأمراء !
بالطبع كان هناك سبب لتسميتها هكذا ، لكن هذا الأمر ليس بالشيء المهم .
ألقت الشمس بضوئها مكونة ظلالا من انعكاسها على البنايات ، و سقط الظل العظيم لبنك المجد الإمبراطوري شاغلا مساحة كبيرة في أرض الساحة ، استمر داميان بالسير وسطه و تجاوز مختلف الناس الذين يرتدون ملابس و معاطف رمادية في الغالب ، محتمين من الجو البارد الذي يثلج الأطراف .
تحركت عيناه بين الناس و تفحص هذا العالم الجديد بتعبير هادئ و طبيعي ، لدرجة أنه لن يلاحظ أي شخص اندهاشه او مفاجئته !
كان هناك كشك صغير يبيع الجرائد ، عارضا بعضها في صف على سطح طاولة طويلة كانت فوقها ما يشبه الرف حيث وضعت صفوف طويلة من مختلف أنواع الجرائد المختلفة المصادر و الموضوعات . و بينما هو يريد أن يقرأ بعض العناوين لمعرفة محتوياتهم ، سمع صوتا يناديه من خلفه !
" أوي ، داميان ، أنت مستيقظ مبكرا قليلا على غير عادتك ، ستكون نائما في هذا الوقت من اليوم ، ما بالك اليوم تخرج صباحا على غير عادتك ؟" سقطت يد على كتفه و أطلق بحر من الكلمات مباشرة ليسقط في أذنيه ، من ذاكرته كان هذا الصوت مألوفا بعض الشيء ، و عندما استدار يمينا ، رآى وجها كان واضحا في ذكرياته.
لقد كان صديق داميان المقرب ، تايلور ريتشارليسون !
كان تايلور شاباً أصغر منه بسنة واحدة ، في الرابعة و العشرين من عمره ، لكنه يبدو أكثر صحة ونشاطاً بكثير . كانت عيناه تحملان خليطاً من الإرتباك والارتياح عند رؤية صديقه المعتاد على الكآبة و النوم يستيقظ اليوم باكرا. كان تايلور يرتدي ملابس بسيطة ، ويدل مظهره على أنه شخص مكافح ولكنه شريف .
تحدث داميان بهدوء، مستخدماً نفس النبرة الحزينة و الهادئة التي يستخدمها داميان عادة ، ذلك النوع من النبرة الذي يجعلك اظن أنه غير مهتم ، "لقد حدث أن فقدت الرغبة بالنوم ، هذا كل شيء "
ربت تايلور على كتفه مجدداً، وعيناه تفحصان وجه داميان الشاحب. "حسنًا، هذا جيد. لكن لم تكن لتستيقظ لو لم آتي لك بأجرك من عند العجوز تيران ، لقد شعرت أني قادم صحيح ؟" ثم خفض صوته إلى همس ، "لا تقل لي أنك أنهيت الأمور مع صاحب مكتب العقارات؟ "
' استيقظت لأن صديقك مات ' فكر داميان بسخرية ، كانت الهالات أسفل عينيه واضحة ، و يمكن الحكم بسهولة أنه لم ينم لعدة أيام متتالية ، حتى ظل قبعته السوداء زاده كآبة على كآبته ، ما جعل شكله الجيد يختفي تماما .
لقد تذكر أنه بعد أن توقف عن للعمل لم يذهب حتى لتلقي أجرته ، لذلك فقد كان هذا المال هو أجرته لعمله قرابة الشهر ، أرسلها العجوز تيران له مع زميله في العمل و صديقه تايلور .
"لا ، لم أفعل" أجاب داميان بتعبير فارغ على وجهه، متخلصاً من يد تايلور على كتفه بهدوء و خفة .
ظهر الارتباك على وجه تايلور. "يا رجل، هل جننت؟ ! لا تَبع المنزل! هو الشيء الوحيد الذي تبقى لك من عائلتك ، ستندم إذا أقدمت على ذلك "
نظر فيكتور إلى تايلور بنظرة فارغة و هادئة للحظة، نظرة لم يكن تايلور ليفهمها ، و كان دائما ماينسبها لحزنه . و كانت كذلك . لكن فيكتور لم يكن داميان، وآخر ما يحتاجه هو صلة مستمرة بهذا الماضي المأساوي ، كان عليه أن ينهي هذه المحادثة قبل أن يظهر أي عيب في تصرفاته .
فكر فيما كان سيقوله لو كان داميان ثم قال ، "لم يعد لي شيء هنا يا تايلور. سأبيعه. لا أحتمل ذكراهما ، يؤلمني رؤيتهما كلما أغمضت عيني . سأفعل الأمر الذي أجيد فعله ، الهروب من مشاكلي كالعادة ." أعلن بكلمات قليلة و وضع تعبيرا حزينا و متألما على وجهه.
تراجع تايلور خطوة للوراء وبدت خيبة الأمل و الحزن واضحا عليه. " لكن إلى أين ستذهب؟ هيلكان، أنت لست... على ما يرام الآن لإتخاذ قرارك ، فكر في الأمر قليلا بعد"
."لقد فكرت بما فيه الكفاية ، لم أعد أقوى على ذلك . سأذهب إلى حيت تقودني قدماي ، هذا كل ما أستطيع فعله للهروب من حزني" كانت نبرة الحزن و التعبير المفجع على وجهه تظهر كليا مع نطقه لهذه الكلمات ، تعبيره يدل على شخص عانى أسوء أنواع التعذيب و المواقف طوال أيام أو ربما أشهر ، لقد شعر فيكتور أن هذا التعبير رسم على وجهه غريزيا و هو يتحدث بهذه كلمات ، كما لو كان شيئا طبيعيا .
لكن تايلور علم بإحساسه و لم يكن إحساس الفقدان سهلا بأي حال من الأحوال ، خصوصا وفاة زوجتك و ابنتك مقتولان ، لن يستطيع آدمي تخيل نوع الحزن الذي سيكون الأمر عليه إلا إن عاش أمرا مماثلا ، و هو ما كان نادرا للغاية نظرا لطبيعة المجتمع الذي يعيشون فيه .
***********
غادر تايلور بخطوات ثقيلة بعد أن أنهى حديثه مع داميان الذي في نظره غرق في مستنقع اليأس . لكن الأخير بدأ يحدق في الجرائد بعد مغادرته مباشرة مزيلا التعبير على وجهه كما لو لم يكن نفس الشخص .
وقد حصل الآن على المال والوقت ، كان تفكير داميان السابق بالمغادرة ، رغم عدم صحة السبب ، سينقذه من الخطر الذي ربما كان سيصيبه ، حتى لو لم يكن الأمر سوى صدفة .
كانت عملة هذا العالم بدائية للغاية ، عملات ذهبية و أخرى فضية و نحاسية مصكوكة مع شعار النسر الفارد جناحيه ممثلا سلطة بنك المجد الإمبراطوري ، و هي المؤسسة التي تتحكم في تدفق العملة في العالم كله تقريبا ، ما جعل منها مؤسسة ضخمة تملك قدرا كبيرا من السلطة !
مد داميان يده ليأخذ جريدة تبدو رخيصة ومخصصة لأخبار المدينة و عالم الجريمة ، حيث أثاره فضول أحد عناوينها !
" مطاردة عصابة المخلب الفضي!! ".
كانت المقالة الرئيسية في الجريدة التي أمسكها تصف أحداث الأمس بأسلوب درامي. لفت نظره عنوان عريض، "مشاحنات قوية بين عصابة المخلب الفضي و أخوية هاينريش ، انتهى بفرسان إنفاذ القانون بالتدخل لضبط الأمور"
' يبدوا أن هذا العالم مشتعل هو الآخر كذلك ' فكر فيكتور في داخله و هو يقرأ محتويات المقالة ، حيث اكتشف بعض المعلومات السطحية عن عصابتي الفأس الفضي و أخوية هاينريش ، و هو ما كان مهما بالنسبة إليه ليعرف بعض المعلومات عن عالم الجريمة المحلي .
ظهر مقال كذلك يصف زعيم الأخوية ، مايكل هاينريش ، حيث وصف أنه شخصية أسطورية في عالم الجريمة ، مع تاريخ طويل و أعمال تدر عليه بآلاف العملات الذهبية يوميا ، حتى أنهم أشادوا بقوته التي تعادل قوة فارس عظيم إن لم يكن أقوى ، جاعلة من كل حركة او خطوة منه محط أنظار الكل في مقاطعة غايا و ما يحيطها !
نهاية الفصل.