شعر داميان بشعور غريب في هذه اللحظة. كان صاحب الجسد السابق غير خبير في فنون القتال أو في القتال بصفة عامة، لكن باستخدامه لتقنية التأمل، ارتقى بجسده إلى حالة جيدة مقارنة بعامة الناس. بالإضافة إلى طوله وحجم جسده المبارك جينياً، طالما تدرب على أساليب قتالية جيدة، فيمكنه أن يتحول إلى سلاح فتاك حتى لو لم يتبع تقنية التأمل!
لكن حدود البشر كانت واضحة ولا يمكن تجاوزها إلا من خلال تقنيات التأمل. لذا، فإن أقوى ما يمكن أن يصل إليه في تقديره هو قمة رتبة الفارس المتوسط، لكنه لا يزال يعتقد أنه سيخسر ضد واحد منهم!
كان السبب بسيطا ، تتجلى قوة الفرسان في قدرة تحملهم الخارقة التي تجعلهم آلات قتالية مقارنة بالمقاتلين العاديين ، و ذلك نسبة لعمليات التنفس الفريدة من تقنياتهم و طاقة التشي التي تشبه نسخة دائمة من الأدرينالين الذي يدور في جسمه و يستمر طوال القتال ، و تحدد رتبهم إنطلاقا من نسبة التشي لديهم و لونه الذي يتغير حسب كل مرحلة !
لكن ذلك لن يتم أبدا إن لم يشكل المرأ مركز طاقة التشي المتواجد في ظفيرتهم الشمسية ، و هو المخزن الرئيسي لهذه الطاقة و أكبر تحد لكل من أراد أن يصبح فارسا.
حتى أن داميان السابق تأمل لسنتين تقريبا و لم ينجح حتى في تشكيله !
حدد أحد أهدافه المستقبلية كإيجاد تقنية تأمل لممارستها ، و سيكون من الأفضل لو كانت عالية الرتبة ، قرر أن هذا شيء سيتركه لذاته المستقبلية للتفكير فيه ، أما ذاته الحالية فيجب أن تفكر في كيفية التعامل مع المشكل أمامه .
بالعودة الوقت الحالي ، كان ينظر للمرأة التي كانت مستلقية على الأرضية فاقدة الوعي ، انحنى داميان في الرواق المظلم جزئيا نتيجة انطفاء احدى الشمعات الثلاث ، و مد يده ببرود وأزاح اللثام الأسود عن وجه المهاجمة ، استقرت نظراته لثوانٍ وتجمدت ملامحه في سكون تام. تحت الضوء الخافت لشموع ، برزت ملامح كانت مألوفة له ، كانت آنا ، الشابة ذات الملامح البريئة التي صعدت معه العربة سابقاً.
جعله حوارها معه و طريقة أخذها المبادرة في الحديث متشككا بعض الشيء ، ربما كان ذلك بسبب طبيعة الحياة التي عاشها ، لكنه قمع ذلك الشعور و أخبر نفسه أنه لا يجب أن يشك في كل من رآه أو تحدث معه .
ثم تبين أنه كان محقا في شكه !
في سلسلة أفكاره هاته ، سمع صوت طرق كسر الصمت الذي ملأ الغرفة بعد المعركة ، ثم سمع صوت ضعيف من وراء الباب ، كان صوت الآنسة ميلر .
" اللعنة ، يبدو أنني أحدثت القليل من الضوضاء!" سحب داميان آنا التي كانت فاقدة الوعي ووضعها في زاوية حيث تكون مخفية عن واجهة الباب ، أخرج منديلا و مسح يديه من آثار دمها ، مسح وجهه في حال ما كان قد وصله شيء من آثار الدم أيضا ، و توجه نحو الباب بعد أن تأكد أن كل شيء طبيعي .
فتح الباب ليستقبله صوت الآنسة ميلر القلق ، حيث كان من الواضح أن هذه الجارة اللطيفة قد أتت للإطمئنان عليه " سيد داميان ، هل أنت بخير ، سمعنا بعض الضجيج قادما من منزلك ، لذلك أتيت أنا و زوجي للإطمئنان عليك " ، ارتدت ثوب نوم أحمر و وضعت شالا خفيفا فوقه حيث تجمع يديها من البرد القارس ، كان زوجها السيد جاك ميلر و هو رجل في منتصف العمر يقف خلفها حيث استفسر كذلك .
" لقد سمعنا بعض الضجيج لذلك جئنا للإطمئنان عليك ، لكن يبدوا أنك بخير تماما" تحدث السيد ميلر بصوت هادئ مع نبرة مرتاحة ، حيث اطمأن على جاره و أدرك أنه لم يكن هناك ما يدعوا للقلق .
" أعتذر على اقلاقكما ، لقد كنت أحاول إعادة حقيبتي فوق خزانة الملابس فتحطم الكرسي بي و سقطت ، ليس هناك شيء يدعوا للقلق " انحنى داميان قليلا مخفيا دراعه في زاوية عمياء كي لا يريا الجرح فيه .
" أحقا ؟ " سألت الآنسة ميلر في قلق .
" حقا " أجاب بنبرة داميان بنبرة جادة .
" هذا مطمئن " أطلقت الآنسة ميلر نفس راحة ، ثم تحدتث مرة أخرى ، " إذا كان الأمر كذلك فسنتركك ترتاح ، طابت ليلتك" .
انحنى داميان مرة أخرى و اعتذر ، " أعتذر على اقلاقكما مرة أخرى ، شكرا لكم " .
عاد الزوجين إلى منزلهما و انتظر داميان دخولهما كنوع من الآداب و الشكر على اطمئنانهما ، ثم بعد ذلك عاد إلى الداخل و أغلق الباب بهدوء .
أطلق تنهيدة خفيفة و استدار نحو غرفة الجلوس متجها للرواق حيث أخفى آنا الفاقدة الوعي ، لكن و لدهشته ، ما وجده كان فقط اللثام المليء بالدم على الأرض ، و لم تعد آنا موجودة في أي مكان هنا .
انحنى حاجباه في عبوس و هو يلعن و يضرب الحائط بيده ، استدار بسرعة و بدأ يبحث في كل أنحاء الطابق السفلي من المنزل ، غرفة الجلوس ، المطبخ ، حتى أنه بحث في الحمام و تفحص باب القبو المغلق ، كانت النوافذ في المنزل بها شبابيك حديدبة كإجرار احترازي ، قام تايلور بحثه على وضعه و ذلك للحماية من أي وضع قد يحدث ، لكن ما لم يتوقعه هو أن المتسللة ستدخل من الباب الأمامية ، و لولا أنه كان حذرا للغاية و فكر في احتمال عودة القتلة لأخذت حياته و لربما لقى حتفه حتى في هذه العملية!
" هذه العاهرة اللعينة " لعن داميان بقوة و هو يهدأ من نفسه ، في الأخير ، لقد كانت آنا بقوة خبير برتبة فارس منخفض المستوى ، و سرعة تعافيها و قوة تحملها أعلى من قوة البشر العاديين ، لقد أخطأ في أنه لم يأخذ حذره و لم يفكر في هذا الأمر.
" يبدوا أنني أصبحث مهملا قليلا " تحدث بصوت خافت بالكاد يمكن لغيره سماعه ، صك أسنانه ، لقد اعتقد أنه فعل الصواب ، كان ينوي استجوابها عن الشخص الذي أرسلها و استخلاص بعض المعلومات منها ، لذلك لم يجهز عليها و تركها ، لم يكن بيده حيلة .
استجمع شتات نفسه و أوقف سلسلة أفكاره ، ما كان متأكدا منه و بمعرفته بقوة الفرسان من الرتبة المنخفضة ، كان مستوى تحملهم كبيرا ، لكنه لم يتجاوز البشر العاديين كثيرا ، جعله هذا واثقا أن ثأثير ضربته سيجعلها تعاني قليلا و لن تبتعد كثيرا .
كانت ضربته تلك كافية لإصابة مقاتل محترف بارتجاع مؤقت في الدماغ ، مع إسقاطه لها أيضا ، كان واثقا أن أحد ضلوعها كسر على الأقل ، كانت تلك قوته الكاملة بعد كل شيء!
" يبدوا أن صغيرتنا هنا تحب لعب الغميضة ، اختبئي جيدا ، سيلعب أخوكِ الأكبر معك هذه الليلة " أخذ داميان طريقه نحو الدرج المؤدي للطابق العلوي و تحدث بنبرة مستمتعة ، ضربت فكرة عقله بسماعه لصوت نعالجه و توسعت ابتسامته أكثر .
أزال نعاله و وضعهم جانبا و أخذ الفانوس معه و بدأ صعود الدرج حافيا ، علم أنه بإصابتها تلك أن هناك احتمالا كبيرا أنها لا تزال مختبئة في المنزل ، و بعد بحثه في الأسفل ، فكان متأكدا بدرجة كبيرة أنها موجودة في الطابق العلوي.
" سأمنحك آخر فرصة ، إذا خرجتي الآن ، فسأعفوا عن حياتك ، و إن لم تفعلي فلا تلوميني لكوني قاسيا للغاية!"
صعد الدرج بخطوات بطيئة محاولا إصدار أقل صوت ممكن ، ما سمعه كان صوت أنفاسه فقط ، صمت تام خيم على المنزل في هذه اللحظة .
وصل داميان إلى أعلى الدرج حيث كان الطابق العلوي ، كان الفانوس في يده يلقي بظلاله على الجدار القريب ، تاركا جزءا كبيرا من الممر أمامه دون إضاءة .
توقف أمام الغرفة الأولى، و التي كانت غرفة نوم صغيرة كان داميان السابق قد قرر تركها ليجعل منها غرفة لابنته حين تكبر قليلا ، لذلك كانت لا تزال فارغة مع العديد من الأدوات و العصي و غيرها من الأشياء المرمية هنا و هناك ، ما جعلها تبدوا كمخزن قديم .
دفع الباب ببطء شديد، عيناه تمسحان المكان ببطء و هدوء ، بعد التأكد من أنها لم تكن هناك ، انتقل إلى الغرفة التالية غير مهتم بالباب الذي تركه مفتوحا .
فتح باب غرفة نومه و زوجته ، و بدأ بالبحث فيها ركنا بركن ، خلف الباب ، أسفل السرير ، داخل خزانة الملابس ، بحث في كل مكان يمكن أن يختبئ فيه إنسان ، لكنه لم يجدها أبدا .
بدأ العبوس يلج محياه مرة أخرى ، ترك الغرفة سريعا و توجه نحو الغرفة الأخيرة ، و هي غرفة قديمة كانوا قد خصصوها للضيوف في حال ما زارهم شخص ما أو شيء من هذا القبيل ، لقد كانت غرفة إضافية ، لذلك كانت هذه الفكرة الوحيدة للإستفادة منها !