1 - في القرن الواحد والعشرين

في ساحة بيزا داي ميراكولي -وهي من أهم المناطق السياحية في مدينة بيزا الإيطالية- وقرب الكاتدرائية الَّتي فيها، كاتدرائية دومو، أخذ بضع سواح يصورون بهواتفهم النقّالة رجلًا بشعر أسود مظفور يرتدي ملابس قماشية غريبة.

"هذا هو ملمس الأرض." قالها ذو المظهر الغريب برضى وهو يتلمس الأرض ويتحسسها بقدميه بعد إذ نزع حذائه، ثم عاد ليرتديه.

لم يستوعب أحد من الحضور ما فعله ولا ما قاله؛ فقد كان يتحدث بلغة غريبة لم يفهمها أيُّ أحد من الواقفين.

نظر ذو المظهر الغريب يتأمل ما حوله حتى عاد خطوتين إلى الوراء وهو يسد أنفه بأصابع يديه.

"ما هذا الجو القذر، كيف تعيشون هنا يا معشر البشر؟"

تأمل الرجل الجمع الَّذي حوله بوجه ملأه الاشمئزاز.

"أرواحكم أقذر حتى."

ثم تذكر شيء، وقال:

"مهلًا لحظة علي الهرب من هذا المكان، قبل أن تبدأ لعبتي الصغيرة بالعمل."

ما إن تحرك الرجل حتى سمع صوت المروحيات والدبابات، لقد تحرك الجيش داخل المدينة. لم يكن هذا معهودًا من قبل.

" ابتعدوا! هذا المكان خطر؛ لا يسمح بتواجد المدنيين هنا!" علت صرخات الجنود وهم يبعدون المدنيين عن الساحة.

لم يفهم الرجل الغريب ما هم ولا لغتهم.

التقط الرجل من على الأرض مكعبًا ذهبيًا وتقدم باتجاه الجنود محاولًا شقَّ طريقه، بَيد أنَّهم رفعوا أسلحتهم بوجهه، لم يفهم ما هية تلك الأشياء؛ لذلك استمر الغريب بالمشي، عندها بدأ إطلاق النار.

تحرك الرجل متفاديًا الرصاص وهو يركض باتجاههم، لم يستطيعوا مواكبة تحركاته حتى وصل للجندي الأول، فضربيه ضربة اسقطته أرضًا.

ابتعد الجند عنه بطريقة تكتيكية منظمة، واستمروا بإطلاق النار تجاهه. رفع الرجل الغريب الجندي الساقط عن الأرض جاعلًا منه درعًا صدَّ رصاصاتهم.

"بشر هذا الزمن أكثر إزعاجًا."

في مكان ما، بعيد عن ساحة الاحداث رجل جالس على كرسي يراقب سير الأمور في الساحة من خلف شاشة وملامح الغضب تعتريه، قابضًا بشدة على كأس حوى شرابًا أحمر حتى انكسر الكأس، فسال الشراب على يديه وعلى الأرض -كأنَّه دماء- وهو يقول:

"لقد عدت حقًا، لقد عدت." ثم أردف قائلًا:

"أنت القذر آصف، وليس هذا العالم، أيُّها الملك الطاغية."

في مكان آخر فتى يتجول وحيدًا بشوش الوجه -كعادته-، تغمره السعادة ينشر ابتسامته على الشباب والعجائر والأطفال في مدينة مكتضة بالسكان، حتى التفت فجأة باتجاه آخر كأنَّه إنتبه لشيئ ما، ثم ابتسم وهو يقول:

"سيبدءُ كلّ شيء قريبا، علي التحرك."

لينطلق بعدها بسرعة وهو يصيح:

"تاكسي، تاكسي!"

وفي قلعة عالية غريبة التصميم وقف رجل بشعر أبيض كالثلج وملابس فارهة يحدّق من على شرفة في سبعة أشخاص يتدربون على القتال، باسمًا ثغره يقول:

"عاد الملك" ثم تلا ذلك قائلًا: "جيف! جهز القصر لاستقبال الملك."

أومأ بإيجاب ذلك الخادم العجوز.

في غرفة مظلمة، أضاءت ظلمتها أربع شمعات أمسك بها أربعة أشخاص، كشفت تلك الشمعات عن طاولة توسطتهم -عليها خريطة غريبة- يتحدثون فيما بينهم، حتى صمت الأربعة لفترة ورفعوا رؤوسهم باتجاه السقف -أو بالأحرى باتجاه راس رجل مقطوعة ومعلقة وأحرف غريبة نقشت على السقف بالدماء-، ورفعوا شموعهم فوق رؤوسهم فظهرت ملامحهم المتشابهة كأنَّهم أربع توائم، وقالوا بوقت واحد: "لقد عاد"

عودة لآصف الَّذي استطاع الهروب من الجيش بأعجوبة؛ إذ ملأت آثار الدماء ملابسه الَّتي مزقها الرصاص.

"لقد فُتح الختم الأول بالفعل" قالها آصف وهو يتكئ على حائط داخل غرفة في عمارة قيد الإنشاء، وعلامات الألم بادية على محياه وهو ينتزع الرصاص من جسده، نظر إلى المكعب الذهبي فوجده مثقوبًا.

"لقد تحطم؛ علي إيجاد واحد آخر."

أراد النهوض على قدميه ليكمل مسيره ولكنَّ الدوار منعه؛ فعاد مستلقيًا على الأرض متكئًا على جدار تلك الغرفة، وبدأت عيناه تغلقان وهو يقول بصوت خائر:

"ليس هذا وقت الذكريات."

صرَّ على أسنانه وأخذ يشدُّ قبضته محاولًا البقاء واعيًا ولكن دون جدوى؛ إذ أنَّ وعيه قد سُلب منه وغط في نوم عميق.

ظهر آصف كشبح يطير في غرفة ملأها شخير رجل مستلق على سرير.

(يبدو أنها ذكريات ماهاد في السنة الأخيرة) قالها آصف الشبح متأملًا أشياء لم يعرف ماهيتها، بعضها من الخشب والبعض الآخر من الزجاج أو الحديد، فقفزت إلى عقله المعلومات الكاملة عنها.

(يبدو أن لعبتي الصغيرة تعمل كما اردت لها)

قطع أفكار آصف الشبح رجل دخل الغرفة غاضبًا وأغلق الباب خلفه بطريقة عنيفة؛ إذ ملأ صوته المجمع السكني بأكمله وهو يصرخ:

"مايكل جونز، استيقظ، ألا تعلم كم الساعة الآن! "

بعد أن نطق الرجل ذلك انسابت المعلومات عن اللُّغة الَّتي تحدث بها إلى عقل آصف الشبح؛ فاستطاع فهم ما يقولون كما استطاع التحدث بها.

ليجيء الرد من مايكل الممدد على السرير:

"خمس دقائق أخرى فقط"

"إذا اردتَ الموت بطريقة بشعة أخبرني فقط وسافعلها لأجلك، لا تحتاج للتأخر عن مواعيدك مع الغراب." رد الرجل على مايكل بنبرة مهددة.

أخذ الشبح يضحك على المنظر وهو يشمت بمايكل النائم قائلًا (تذوق يا ماهاد المرَّ الَّذي كنت تجرعني إيّاه)

"قلت لك ديفد، خمس دقائق فقط." قالها مايكل الممدد بصوت ناعس.

" لا نفع يرجى منك" قالها ديفد بصوت غاضب جدَّا وأخذ يتحرك باتجاه الباب وهو يقول:

"لقد سببت لي صداعًا حادًا، علي أخذ بعض المسكنات، وربما مضادات الاكتئاب أيضًا." فتح الباب وخرج مغلق إيّهاه بقوة كادت أن تكسره.

"لمَ هو غاضب؟" قالها مايكل، ثم وقف مبتعدًا عن السرير وغسل وجهه وبدَّل ملابسه، وبينما هو يشد ربطة عنقه بإحكام قال:

"لقد حان وقت التقرير الشهري للغراب، علي الإسراع وإلّا ذهب كل ما خططت له سدى."

استيقظ آصف من حلمه عائدًا للواقع فإذا أمامه مجموعة رجال غرباء يمسكون عِصيًا -تبدو عليهم ملامح عدم الاكتراث- حتى لاحظ أحدهم تلك العيون الزرقاء مفتوحة، فصرخ قائلًا:

"زعيم، لقد استيقظ الرهينة! "

تجمع الرجال حول آصف المستلقي -شبه العاري- وفي مقدمتهم رجل مفتول العضلات، ضخم البنية، بيده هراوة من حديد بدت ثقيلة.

"لقد فتشناك ولكن يا للأسف لم تملك حتى هاتفًا! لذلك قررنا انتظارك عسى أن تتصل -بطريقة ما- بأهلك وإلّا قتلناك -بعد تعذيبك بطريقة مريعة طبعًا-." قالها الزعيم بغير استحياء أو خوف بدا أنهم مسيطرون بلا رقيب

" لقد أنجزتم نصف العمل، شكرًا لكم." قال آصف ذلك بعد أن نظر إلى جسده الذي وجده شبه عاري.

علا صوت الصريخ والعويل وما لبث المكان حتى عمَّه الصمت بعد لحظات.

انتزع آصف ملابسهم من على أجسادهم المددة -الفاقدة للوعي- مرتديًا إيّاها.

نظر في قطعة مرآة مكسورة على الأرض وهو يقول: "ممتاز، أبدو أنيقًا".

أدلف آصف من باب العمارة واخذ يمشي متجولاً في الأنحناء ولكن أنّى مشى حدَّقت به عيون المارة، بعضها باشمئزاز وأخرى بعدم تصديق، أما آخرون فلم يتمكنوا من حبس ضحكهم على الَّذي يمر أمام أنظارهم مرتديًا ثيابًا غريبة مقاسها أكبر من جسمه، كما أنَّها غير متناسقة.

بينما آصف يمشي حرك كوعه إلى الخلف ضاربًا الرجل الَّذي أمسك بكتفه ليرتفع صراخه، أخذ يتلوى على الأرض من الألم، مادًا يده أمام راسه، متوقعها وابل ضربات ينهال عليه من ذلك الَّذي فوقه.

"لا أريد أيَّ مشاكل سيدي؛ كنت أبحث عن أخي وظننتك هو خطأ، أنا آسف، لا تأخذ مالي أرجوك فأنا بأمسِّ الحاجة إليه!" ثم بدأت دموعه تسيل، وهو يقول:

"أنا وأخي مدينون لسيدك الغراب، ستجني راتبك منه حتمًا، ولكنّي إذا لم أسدد ديني سأموت بالتأكيد!" وأخذ يتوسل طالبًا الرحمة.

اجتازه آصف غير مبال، وهو يقول:

" لا شأن لي لا بك ولا بمال... "

قطع آصف كلامه إذ خطرت في باله فكرة ما، ثم توقف عن المسير واستدار باتجاه الرجل الَّذي وقف ينفظ الغبار عن ملابسه ويشكر آصف بامتنان شديد.

" عندي لك عرض إذا قبلته سأساعدك في البحث عن أخيك، سأسدد دينك للسيد الغراب العظيم، وأعطيك مبلغًا من المال تعيش به طول حياتك" قالها آصف المفلس.

"أحقًا يا سيدي!" نطق الرجل بشوق وهو ينظر إلى آصف.

"بالتأكيد" أجاب آصف بفخر متجاهلًا حقيقة انه لا يملك فلسًا واحداً منهيًا شكوك الرجل أمامه.

"إذا كيف هو شكل أخيك؟"

"انَّه مراهق في السادسة عشرة" أجاب الرجل، ثم استدرك قائلًا:

"آه، يالي من قليل أدب، نسيت أن أقدم نفسي، اسمي صاموئيل فرانكلن، وأخي المفقود اسمه سايمون فرانكلن."

لم يهتم آصف لقلَّة الأدب الّتي اظهرها ذلك المدعو صاموئيل، ولكنَّ ما أغضبه هو خلطه بينه وبين مراهق، قطَّب آصف حاجبيه بعبوس، وهو يقول: "هل أبدو كطفل؟"

"لا، بالتأكيد لا، أيُّها السيد المحترم، لكن كما تعلم أخي طويل قليلًا، كما أنَّ ذوقه في الملابس سيء؛ فهو يحب ارتداء ملابس عشوائية أكبر من قياس.."

قطع اعتذار صاموئيل احمرار وجه آصف، -مدركًا خطأه الفادح-، استدرك معتذرًا محاولًا الإبقاء على آخر ذرة أمل يمتلكها للهروب من براثن الغراب.

" تُشّبِهُني بطفلٍ ثم تنعت ذوقي الرفيع البديع في الملابس بالسيء! لن ينفعك الاعتذار! أنا راحل، إذا أردت أن تسدد ديونك فابحث عَن شخص غيري." قال ذلك وهو يتجه مبتعدًا وعلامات الغضب بادية على وجهه.

أخذ صاموئيل يجري خلفه مناديًا: "انتظر يا سيدي! أرجوك انتظر!"

خاب سعي صاموئيل إذ أن اللحاق بآصف كان شبه مستحيل، وقد أضاعه بين الناس فجلس على كرسي في حديقة يأخذ أنفاسه متمتمًا.

"لم أعرف إسمه حتى."

أراد صاموئيل أخذ قيلولة قصيرة؛ فمد يده إلى قبعةٍ كانت تغطي رأسه، محركًا إيّاها ليغطي بها وجهه مع أنّ الوقت ليل؛ إلّا أنَّ تغطية وجهه بقبعته كانت عادة له.

نظر آصف خلفه فلم يجد صاموئيل ليتمتم قائلًا:

"لقد تركني اخيرًا، أستطيع استعمال قوتي الآن بحرية دون أن يُزعجني أحد. "

ثم تهيأ للقفز وهو يفكر (لقد فُتح الختم الأول على الأقل، أستطيع تدعيم جسدي)

قفز آصف قفزة واحدة نحو أعلى بناية سكنية ممسكًا سقفها -بالكاد- ومتدليًا منه، نظر إلى الأسفل ليجد شرفة، فنزل عليها بهدوء ثم فتح نافذةً كانت أمامه وإذا بسيدة كانت داخل الغرفة.

ملأ الجو صراخ السيدة فانزعج آصف منها وركض مسرعًا بالمكان حتى وجد السلالم، اخذ آصف يصد السلالم.

رفعت السيدة الهاتف بعد أن اختفى آصف عن ناظريها واتصلت برقم ما وبدأت تتحدث بصوت حذر لألّا يسمعها ذلك الغريب:

"الو، شرطة هناك معتوه ما -أظنُّه لصًا أو قاتلًا- يتجول في مجمَّعي السكني."

جاء الرد من الشرطة: "اعطني عنوانك سيدتي سنكون عندك حالًا."

صعد آصف إلى سطح البناية وهمس قائلًا: "البصيرة".

تجلت أمام عينيه الأرواح، فأخذ يقول لنفسه:

"ما دام أنَّه طفل فلا بدَّ أن تكون روحه أنقى من أرواح البالغين -ولو قليلًا-."

نظر إلى المدينة من الأعلى ليرى عدة أرواح كانت أنقى من غيرها، نظر إلى جهة ما؛ وقد جذبه هيئة لثلاث أرواح كريهة مجتمعون حول روح نقية في نهاية زقاق مظلم.

"ماذا يفعل هؤلاء؟" قالها متمتمًا، ثم جال في باله شيء على الرغم من اختلافه عَمّا يراه إلّا انّه كان شابهه بوجه أو بآخر.

قفز آصف متجهًا إلى الزقاق، ثم قال بصوتٍ عالٍ: "كما ظننت".

التفت الأشخاص الثلاثة نحو آصف، ونظراتهم المشمئزة تتجه إليه.

قال الَّذي توسطهم "يبدو هذا معتوهًا آخر من جماعة الغراب."

ثم نطق آخر "إنَّهم أكثر نشاطًا في الليل، -كالصرارصير تمامًا-".

نظر آصف إليهم كما تنظر اللبوة إلى فريستها، مكشرًا أنيابه، متفاديا ضرباتهم، وما أن وجَّه قبضته نحو أحدهم خارت قواه فجأة، وثقلت عيناه، غطَّ في سبات عميق -بعد أن لعن حظه ولعن ما اسماه سابقًا "لعبته" لعنًا مبرحًا-.

***************

أيها القاريء العزيز ايًّا كنت -إذا كان هناك أيّ قاريء بالطبع 🙂🙂- لن استطيع التنزيل بشكل يومي بسبب الدراسة لذلك سيكون التنزيل فصلًا بالأسبوع.

2022/03/21 · 132 مشاهدة · 1687 كلمة
آصف
نادي الروايات - 2026