قفز آصف متجهًا إلى الزقاق، ثم قال بصوتٍ عالٍ: "كما ظننت".
التفت الأشخاص الثلاثة نحو آصف، ونظراتهم المشمئزة تتجه إليه.
قال الَّذي توسطهم "يبدو هذا معتوهًا آخر من جماعة الغراب."
ثم نطق آخر "إنَّهم أكثر نشاطًا في الليل، -كالصرارصير تمامًا-".
نظر آصف إليهم كما تنظر اللبوة إلى فريستها، مكشرًا أنيابه، متفاديا ضرباتهم، وما أن وجَّه قبضته نحو أحدهم خارت قواه فجأة، وثقلت عيناه، غطَّ في سبات عميق -بعد أن لعن حظه ولعن ما اسماه سابقًا "لعبته" لعنًا مبرحًا-.
سُحب آصف إلى داخل ذكريات مايكل
جال آصف الشبح بناظره في ثنايا ذلك المكان الخرب مدققًا في تفاصيل الحاضرين وقد كانوا كثرًا، بيد أنَّ ملامح جلّهم لم تكن واضحة كأنهم بلا وجوه، بينما آخرون برزت وجوههم حتى بالمقارنة مع أصحاب الوجوه الواضحة.
كان الترف صفة واحدة تشارك فيها جميع الحضور، ذلك الّذي بدا عليهم مِن القبعات الّتي علت رؤوسهم إلى أحذيتهم التي لامست الأرض.
قفزت المعلومات عنهم إلى عقل آصف وكلما كانت ملامح الرجل اكثر وضوحا كانت المعلومات المتوافرة حوله اكثر.
ومن بينهم كان مايكل واقفًا أمام رجل على كرسييه جالس، متنكر بقناع أسود ذي منقار معقوف، وكانت هويته جلية.
(إنَّه الغراب، يا له من رجل، يذكرني بشخص ما.) جالت هذه الخاطرة في ذهنه بينّا هو يتأمل تفاصيل القناع الأسود.
قطع تأمله كلمات الغراب الهادئة: "متأخر كعادتك. ألا تعرف معنى كلمة موعد؟ إنَّها مشتقة من وعد والوعد يجب أن يؤدى في وقته؛ فالوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعتُ عنقك؛ لذا لا تتأخر مجددًا."
تجمدت دماء مايكل، واعتذر منحنيًا بصوت ملؤه الخوف والارتباك: "أعتذر يا سيدي فقد شغلني أمر ملح لم أستطع تأجيله، أعدك أنّني لَن أتأخر المرة القادمة."
"متى كان النوم لساعات طوال أمرًا ملحًا؟ ثم أنت تعدني كل مرة وتخلف بالتالية ثم تعدني وهكذا، ألم تمل من ذلك؟"
على عكس إسلوب كلامه -الَّذي بدا مستنكرًا- فإن صوته لم يتغير البتّ، كأنَّه رجلٌ آلي.
" بالطبع هو ملح؛ فكلُّ من لم ينم جيدًا مات في النهاية" احتجَّ مايكل بهذه الكلمات متلافيًا جواب الشطر الآخر من السؤال.
" الموت شامل الجميع، الَّذي ينام جيدًا والَّذي لا ينام، جميعهم يموتون على حد سواء. الآن كفَّ عن ألاعيبك جونز الصغير."
أراد مايكل إخراج بعض الكلمات، لكنَّ الغراب قطعه قبل أن يبدأ حتى، بقوله: "أروِ لنا كيف مُسِحَت عصابة كاملة من على وجه الأرض على يد رجل واحد دون إذن مني؟"
وقف مايكل متحيرًا في ما يصنع وما يقول، وقد جمَّدت كلمات الغراب الدم في عروقه، تلك الكلمات الَّتي خرجت هادئة عذبة بعيدة عن نغم الغضب، إلّا أنَّ مايكل كان يعلم جيدًا أنَّ الغراب يحترق من الداخل؛ فأكثر ما كرهه هو عصيان أوامره وتحرك أتباعه دون إذنه.
(ما لك متسمر في مكانك؟ لقد أنجزت شيء عظيمًا، تشجع!) في محاولة يائسة لاستجماع ذرات شجاعته -أو ما تبقى منها-، حدَّث مايكل نفسه بتلك الكلمات.
ولكن الغريب أنَّها أتت مفعولها، فاستعاد رباطة جأشه وابتدأ الحديث:
"جهَّزت لقاءً سريًا شملني مع فليدريك نيلسين..."
ما إن بدأ مايكل سرد الأحداث حتى سُحب آصف الشبح إلى مكان آخر ذي طابع مختلف جدًّا عن الَّذي سبقه؛ إذ علا صوت الغناء والرقص وملأت الموسيقى الصاخبة الأجواء، بينما جلس مجموعة من الناس بلا وجوه، غير ثلاثة كانت ملامحهم بادية:
رجل أصلع بدين جالس على أريكة حمراء رافعًا إحدى قدميه على طاولة توسطت أريكتين، في يمناه كأس نبيذ نصف مملوء.
جاورته امرأة على ذات الأريكة، يقابلهما مايكل وأمامه كأس نبيذ لم يُمس، كان جالسًا على الأريكة المقابِلة بمفرده -غير مكترث بأدب ذلك الأصلع الزائد-، وكلُّ الثلاثة كانوا جالسين بهدوء كأنَّهم في عالم آخر.
"ماذا تريد يا هذا؟ لم أزعجتني؟ كنت مشغولًا بأمر مهم." توشَّحت كلمات الأصلع الغضب وبرزت عروق رأسه.
"رويدك فليدريك، لم آتِ هنا للقتال." انسابت هذه الحروف من بين شفتي مايكل -بهدوءٍ أعلن انتصاره منذ البداية-.
"اقطعْ الهراء، فقط أخبرني لم أردت لقائي؛ أريد أن أرحل عن هذا المكان بسرعة. ما رأيك عزيزتي الجميلة؟"
نظر فليدريك إلى المرأة بجواره، -والّتي بدت على محياها ملامح الحيطة والحذر-، مجيبة بشفاه مطبوقة.
"لقد توسَّم الغراب فيك روح القيادة، وتناهى إلى سمعه أنَّ عبدًا أسود تجرأ على منافسة حر من البيض فيما ارتبط بخلافة الفزاعة؛ فساءه الأمر كثيرًا، ويريد مد يد العون إليك لضمان نصرك."
بينما يقول تلك الجمل المنمَّقة -الّتي جَهَّزها من قبل- كان مايكل يراقب تغيُّر تعابير فليدريك، منتظرًا رد فعله لأجل أن يعرف ايَّ الأوراق يلقى من الَّتي كان أعدها مُسبقًا.
اعتدل فليدريك في جلسته معيدًا رجليه إلى مكانها، ثم تحركت شفتهاه بما جال في خاطره، ونطق به كبرياؤه:
" أوّلًا، لنكون واضحين، أنا منتصر في كل الأحوال ولا أحتاج لأحد، ثانيًا، ما يثبت زعمك هذا؟ ربما أنت تتحرك بمفردك دون علمه؛ أريد ضمانات."
ليتكأ فليدريك بعدها على أريكته الحمراء ويضع يده الّتي قبضت على كأس النبيذ برقة محيطًا اكتاف تلك المرأة، موجّهًا كأس النبيذ إلى فمها، قائلًا:
"اشربي دميتي الصغيرة، اشربي."
(الأمر أشبه بلعبة شطرنج، غير أنني محترف من الطراز الاول خاض البطولات، أمّا خصمي فهو طفل لم يبلغ السادسة حتى.) جالت في بال مايكل تلك الأفكار التي رسمت ابتسامة على وجهه بغير ارادته.
ضيق عينيه وألقى ورقته التالية هامسًا:
"إثبات ذلك أنّي سأقتل سونيا بنفسي."
إنتفض فليدريك واقفًا من مجلسه وعلامات الصدمة غزت تقاسيم وجهه.
"إجلس فليدريك؛ الجميع يحدوقون بك." ردَّت كلمات مايكل فليدريك إلى رشده، فحرك ربطة عنقه قليلًا -متلافيًا الإحراج-، ثم عاد إلى مقعده.
"يا للأسف، كان سيكون ذلك ممكنًا لو علمت طريقًا للدخول إلى هناك دون أن يكتشفني أحد." بانت أنغام الخيبة في كلمات مايكل.
"هذا فقط! دع الأمر لي!" أجاب فليدريك متحمسًا للفكرة.
(لم أتوقع أن يبتلع الطعم من ورقتين فقط، ما زال لدي الكثير من الأوراق لألعبها؛ ضاع كلُّ ذلك الوقت في التخطيط سدى.)
غزَّت هذه العبارات عقل مايكل، فامتزجت مشاعره بين فرحة النصر وخيبة الوقت المهدور، بيد أنَّ ابتسامته كَبُرَت وبدت مخيفة حتى أنَّ آصف الشبح ارتجف وهو يتذكر ما تعنيه تلك الابتسامة: كانت تعني أنَّ الأعداء قد مُسح بهم الأرض ومُرغت أنوفهم بالتراب حتى لم يبقى أحد منهم يروي نهايتهم.
"نلتقي الليلة إذا عند باب ملعب فرنسا"
أنهى مايكل اللقاء بهذه العبارات، فمد فليدريك يده ليصافح مايكل -دلالة على إتمام الصفقة-، غير أنَّ الأخير رد له دين رجله المرفوعة بأن تجاهل الأمر تمامًا واستدار ناحية الباب خارجًا من المكان.
"إنَّه يخفى أمرًا ما، لا شك عندي في ذلك."
كسرت المرأة صمتها الَّذي امتد على طول المقابلة وهي تعض أطراف أظافرها الطويلة بأسنانها -تعبيرًا عن التوتر وربما الغضب-.
"أنا أعلم ذلك جيّدًا دميتي."
"إذًا لم وافقت؟" قالت المرأة بغضب عارم.
"نواياه ليست مهمة؛ فبمجرد أن يقتل سونيا ساحيطه بالرجال وأمسكه ثم أقدِّمه هدية للفزاعة، بذلك أكسب وده وأسلب الغراب شخصًا عزيزًا على قلبه؛ فأنا منتصر في كل الأحوال، -وفوق ذلك كلّه- أتخلص من سونيا إن نجح في قتله."
فتحت المرأة أبواب عيونها على مصراعيها ولم تعرف ما تقول لتبدأ تملق سيدها متمتمة:
"ما أدهاك مولاي..."
قطع تمتماتها انقطاع الهواء عن حبالها الصوتية؛ بسبب يد فليدريك الَّتي أحكمت القبض على رقبتها، فأخذت تصارع الموت ودموعها تسيل.
" لو تعلمين كم سأكون حزينًا من فراقك دميتي الجميلة، ولكن ما أصنع؟ فبتّ الآن تعرفين بخيانتي وقتلك بات واجبًا! لا تقلقي؛ ستبقين حيّة في مخيلتي."
حل منتصف الليل وهدأت جميع الأصوات -إلّا أصوات الثمالى العائدين إلى بيوتهم بعد وقت طويل من الجنون لتعيدهم نساؤهم إلى عقولهم بالصراخ والتوبيخ والشكاوى-.
بالإضافة إلى وقع أقدام أربعة رجال: كانوا مايكل مع فليدريك ورجلين آخرين حملوا السلاح لحمايته، متجهين إلى شارع ما، حتى إذا وصلوا منتصفه توقف فليدريك آمرًا أحد رجاله برفع غطاء بالوعة، ثم نزلوا سلالمها وراحوا يغوصون في متاهة أنفاق.
حتى وصلوا آخر المطاف إلى باب سميكة مزينة بآلية معقدة، ما أن فتحوها حتى تجلَّت أنوار غرفة مشرقة أمام أعينهم، فلمّا دخلوها رفع الإثنان سلاحهما نحو مايكل، وأضيف اليهما أسلحة أربعة آخرين كانوا منتظرين في تلك الغرفة المبهرة.
ابتعد فليدريك عن مايكل بضع خطوات ثم ردد قائلًا بصوت ملؤوه السخرية من الَّذي أمامه:
"الاحتياط واجب كما تعلم."
جوبهت كلماته بصمت مايكل، تلاه صوت ضحكه -بعد أن لم يستطع امتلاك نفسه طويلًا-.
سُحب بعدها آصف إلى جسده الحقيقي، فتح عينيه فإذا به أمام مجموعة رجال وفي يده اليمنى أصفاد، ويده اليسرى مرتبطة بمحلول وريدي.
لم يتعرف آصف على تلك الأشياء ولكنَّه أراد تحرير يديه؛ فاستل اليمنى كاسرًا تلك الأصفاد بحركة واحدة كأنها من الزجاج، سمع عندها صوتًا، التفت ناحيته، فإذا هي مسدسات مشهورة في وجهه لم يعرف ماهيتها، إلّا أنَّه أدرك -بملاحظته لسير الأحداث- أنَّها أسلحة من نوع ما.
رفع كلتا يديه مستسلمًا، لكن المسدسات ما زالت مرفوعة رغم ذلك؛ فاخفض يديه هامسًا بصوت منخفط لم يسمعه أحد:
"سأجاريكم في اللعب قليلًا".
"ما اسمك ولمَ لا تملك أيَّ بطاقة تعريفية؟"
نطق أحد الرجال وكان الوحيد الَّذي لم يرفع سلاحه، إذ أبرز بدلًا منه بطاقة عمله الَّتي احتوت اسمه: "ميشيل" ووظيفته: "محقق".
جاء الرد من آصف باللغة القديمة الَّتي لم يعي فحواها ايُّ رجل من الحضور.
"أعد ما قلته لم أفهم أيَّ شيء، هل تتحدث الانجليزية؟"
أشار آصف براسه نافيًا.
"إذًا تفهم الانجليزية على الأقل."
غزا التردد كلمات ميشيل، رفع أحد حاجبيه باستغراب لأونيهة ثم عادت ملامح الملل وعدم الاكتراث ليأمر رجلًا من رجاله: "أحظر المترجم."
هرع الرجل إلى الباب خارجًا منه، وما لبث أن عاد وجهاز ذو شاشة بين يديه، قدَّمه إلى ميشيل الَّذي أمسك الجهاز بدوره مشغلًا إيّاه وواضعه على طاولة كانت أمامه، بين كرسي بسيط جلس عليه وفراش أبيض عليه آصف ليطرح سؤالًا على آصف: "ما اسمك."
أجاب آصف بلغة القدماء فسُمع صوت الجهاز ناطقًا:
"لغة غير مُعرفة."
أردف ميشيل سؤالًا ثانيًا: "كم عمرك." ليتاكد من ظنِّه؛ فقد واجه مثل هذا الرجل سابقًا،وعندما اكتشف حيلته لم يكن بمقدوره فعل شيء آنذاك. ظهرت معالم الغضب على محياه عند تذكّره ذلك الشخص.
"أين تسكن؟" سأل ميشيل وصبره يكاد ينفذ.
جاء رد آصف كما كان قبلًا، فسمع ميشيل تلك الرسالة مجددًا: "لغة غير مُعرفة."
عندها، وضع ميشيل يديه على الطاولة، وصرخ بغضب:
"اسمع يا هذا، إن كنت ترتب كلمات بلا معنى لتهرب من جريمتك فإن هذا..."
قطع كلماته طرق على الباب.
"ادخل! "
سمح ميشيل بدخول الطارق، ولما دخل ذلك الرجل ظل يجول بعينيه في المكان مقيِّمًا الوضع، ثم نطق:
"ميشيل، لنتحدث خارجًا على انفراد."
التفت ميشيل إلى صاحب الصوت، فإذا به رجل علت رأسه قبعة كقبعات رعاة البقر، ازداد ميشيل غضبًا فوق غضب ثم تمتم بكره:
"صاموئيل فرانكلن."
ابتسم صاموئيل، فانصاع ميشيل؛ وخرجا إلى رواق فارغ اتكأ الإثنان جنب بعض على حائط، أخفض ميشيل رأسه ناظرًا للأرض بينما أخرج الآخر سيجارًا أشعله بقداحته السوداء وأخذ يستنشق الدخان.
"اطلق سراحه؛ إنَّه بريء."
بصوت بارد كسر صاموئيل الصمت الّذي دام لفترة قصيرة، آمرًا ميشيل -كأنَّه يعمل عند أهله- ليجيء الرد من ميشيل والغضب يعتريه:
"وما دليلك؟ قد يكون مجرمًا خطرًا!"
استدار صاموئيل ناظرًا إلى ميشيل واطفأ سيجارته بكف يده -دلالة على غضبه-:
"أيّها السافل، أنا أعلم أنّك تريد جعله في وضع سيء؛ حتى تبتزه بعدها وتأخذ منه المال مقابل إطلاق سراحه!"
سكت لفترة ثم أكمل كلامه وعلامات الشفقة بادية على محيّاه.
"لا أعلم ما سيكون موقفك إذا علمت ايلينا بخيانتك لها."
ثم تبسَّم بسخرية.
"ناهيك عن الأخريات."
تحولت تلك الابتسامة إلى فم ممدود من الخدِّ إلى الخدِّ بتلهف:
" ستكون فضيحة من الطراز الأول."
اصفرَّ لون ميشيل وارتعد يفكِّر بعواقب تلك الفضيحة الَّتي ستنهي مسيرته بالكامل، لكنَّ معالم البرود عاودت الانتشار على وجهه وغزت صوته فكأنَّ مشاعره قد تجمدت.
"حسنًا يا مهووس الفضائح، لكن في المقابل ستكون هذه آخر مرة تهددني بزوجتي وفتياتي."
أجاب صاموئيل برضى:
"اتفقنا."
استدار الإثنان بعد ذلك عائدينِ باتجاه الغرفة حتى دلفا من بابها.
"إنَّه بريء، أطلقوا سراحه."
امر ميشيل رجال وحدته إلّا أنَّهم اعترضوا:
"لم تثبت برائته بعد!"
نظر إلى صاموئيل ليقابله الأخير بتقطيب حاجبيه، تنهد ميشيل ثم قال:
"ما باليد حيلة."
أخرج حزمة من الأوراق النقدية ووزعها على رجال الشرطة بينما يردد كلَّما أعطى واحد منهم بضع أوراق: "إنَّه بريء بشهادة الشهود."
نظر صاموئيل إلى المشهد وجال بفكره كلام لم يرد له أن يجاوز شفتيه (هكذا سيطرت المافيا على كل شبر في هذه المدينة) متناسيًا أنَّه هو الاخر يدين للعصابات بمبالغ ليست بالقليلة.
انتهى توزيع الأوراق النقدية وبدأ الجميع بالانصراف بعد أن طلب منهم ميشيل ذلك، تاركين صاموئيل مع الفتى المصاب وبينما يجتاز ميشيل الباب نطق آصف باللغة الإنجليزية: "أهلًا شريك."
ليُغيض ميشيل. ويبدو أنَّه نجح في ذلك، إذ توقف ميشيل للحظة ثم شدَّ على قبضته:
"سأرد لك الدين، تذكر كلماتي."
وخرج مغلقًا الباب خلفة بقوة.
تقدَّم صاموئيل إلى الأمام ثم جلس على الكرسي الَّذي كان ميشيل عليه وأشعل سيجارًا من غير أن ينطق بحرف، تعجب آصف من انقلاب شخصية صاموئيل وكسر الصمت سائلًا:
"إذًا ما يكون رجال الشرطة؟"
رفع صاموئيل أحد حاجبيه باستغراب، قائلًا:
"هل كنت تعيش في كهف أم ماذا؟"
أجاب آصف بإحراج مصطنع:
"آسف، لقد فقدت ذاكرتي."
نظر إلى وجه آصف بتمعن وأدرك أنَّه يخفى أمرًا ما، لكنَّه لم يحقق بالموضوع أكثر، فأجاب بهدوء بعد أن سحب الدخان إلى صدره وزفره ببطؤ:
"رجال الشرطة، نظريًا هم رجال حفظ النظام".
ركز آصف على كلمة "نظريًا " وحلل ما جرى قبل قليل، فهم أنَّ تلك الأوراق النقدية سابقًا كانت رشوة، لم يحب آصف الخوض في الحديث أو السؤال عن هذه الأشياء أكثر لذا غير الموضوع بسؤال بعيد عن السؤال الأول وعن جوابه كذلك وهو يضع يده على ذقنه.
"كيف وصلت إلى هنا، آخر ما أتذكره هو قتالي مع بضع رجال."
"أقلت قتال!"
ضحك صاموئيل كأنَّه يسمع طرفة ما ثم أكمل حديثه:
"لقد وجدناك فاقد الوعي منتفخ الوجه والرجال يبرحونك ضربًا ويقولون: 'لقد أخفتنا أيَّها الصعلوك خذ هذا' ثم نقلناك إلى هنا بسيارة إسعاف، وسيارة الإسعاف -قبل أن تسأل- هي سيارة لنقل المصابين إلى هذا المكان -الَّذي يسمى مشفى-، كانت درجة حرارتك مرتفعة ولم تنخفظ مهما فعلنا، حسبنا أنَّك ستموت وجهزنا مراسيم الدفن ولكنك استيقضت بطريقة ما بعد أربعة أيام."
ضيق عينيه وهو ينطق الجزء الأخير ببطؤ مشككًّا؛ فقد بدا غريبًا، مهما نظر إلى الأمر لم يكن من المفترض أن ينجو الَّذي أمامه من تلك الحمى.
لم تستفز عبارات صاموئيل آصف إذ تعود عليها.
"إذًا، ما هي السيارات؟" قلب آصف طاولة الاستفزاز على رأس صاموئيل الَّذي سحب نفسًا من الدخان عميقا ونفخه في وجه آصف.
أخذ آصف يسعل محركًا كف يده ليبعد الدخان عن وجهه: "ما هذا، تريد قتلي؟"
ضحك صاموئيل وأمسك قبعته بيده مسترخيًا.
"الآن فهمت لمَ خرج ذلك الميشيل من هذا المكان يغلي."
"صحيح، كدت أنسى، أوصاني رجل ما باعطائك هذا." ردَّد صاموئيل تلك الكلمات وهو يخرج ضرفًا عليه ختم غريب، تجمَّد آصف بعد رؤية الشعار على الختم، شعار لم يتوقع رؤيته مجددًا.
في مكان آخر، غرفة فارهة توسطها عرش، أمام العرش رجل ممدد والدماء تغطي رقبته، لكنَّه ما زال واعيًا، -بل يبدو منتشيًا-، كأنَّه تعاطى نوعًا من المخدرات، ورجل يخطو مبتعدًا تجاه الباب بينما يمسح الدماء عن فمه:
"جيفيرسون، شكرًا لك، انصرف الآن."
ردَّد تلك العبارات؛ فقام الرجل المقصود من على الأرض -وكان جرح عنقه قَد التأم وكأنَّه لم يكن، مع أنَّه مجرد بشري-، وأخذ يمشي مبتعدًا باتجاه باب آخر كأنَّه دمية.
ابتسم الرجل وأكمل مسح الدماء عن فمه وعن أنيابه -الّتي شابهت الإبر- وهو يفكر قائلًا:
"لابد، أنَّه تسلَّمها بحلول الآن."
تحولت تلك الابتسامة إلى ضحكات خفيفة بينما يعبر الباب.
"أنا متشوق للقائنا القادم."