فتح آصف الظَّرف الَّذي حوى ورقة، استخلصها وفكَّ طياتها، كانت تلك الورقة طويلة؛ أتاح له طولها فتحها وإعادة طيها عدة مرات بتردد، حتى بلع ريقه وتمالك نفسه وفتحها عن آخرها، فوجد فيها كلمات قليلة شغلت رأس الصفحة فقط، مكتوبة باللغة القديمة:

"عدوي العزيز، الكثير من العيون تنظر إليك مترقبة، كن حذرًا."

وأسفلها توقيع منقوش: "العرش الثالث فلاد تي دراكولا".

لم يعلم آصف فحوى تلك الكلمات أو عن أيِّ عيون كانت تتحدث بالتحديد، لكنَّه استطاع التخمين؛ فعقد حاجبيه بتفكّر ثم تحوَّل ذلك إلى غضب على محياه فنادى مخاطبًا صاموئيل كأنَّه أحد جنوده -ناسيًا أنَّه لم يعد يملك شيء- :

"اعطني قطعة المعدن تلك!"

نظر صاموئيل حوله ولم ير شيء من المعدن غير الكرسي الَّذي يجلس عليه فسأل متعجبًا: "هذا الكرسي!".

ردَّ آصف بنبرة حادة -وقد ازداد غضبه-:

"بل تلك الَّتي تخرج النار!"

فكَّر صاموئيل قليلًا حتى أصاب ما أراد آصف فأخرج قدّاحته السوداء ورمى بها إليه.

أمسك آصف القدّاحة وأشعل النار -إذ لاحظ كيف يستعملها صامويل-، حوَّل تلك الرسالة إلى رماد أسود، ثمَّ نثره في وجه صاموئيل الّذي يتأمل خارج النافذة.

"هذا لن يؤثر على المدخنين، حظًا أوفر المرة القادمة."

ردّد صاموئيل تلك الكلمات بعد أن أنهى سيجارته، التفت نحو آصف كأنَّه تذكر شيء قد نسيه، فنطق:

"أتذكر صفقتنا، لقد وفيتَ جزء منها ولأنّي عادل... "

قطعت كلماته تلك السجارة الّتي أمسكها في فمه ليشعلها بقدّاحة بيضاء هذه المرة، حتى أمسك بها بين أصابعه مبعدًا إيّاها عن وجهه، فأكمل كلماته:

"سأنفذ جزء من طلبك".

وجاء الرد من آصف:

"لا أذكر اعطائي لَك المال، إذًا فأخوك يكون... "

أخذ دقائق صمت يُثير فيها الفضول في عقل صاموئيل، وقد نجح في ذلك؛ إذ فتح الأخير عينيه بتعجب من ذكاء آصف.

"يكون ذلك الشرطي الفاسد، ميشيل."

نطق آصف ليُخيب آمال صاموئيل، بل أنَّ رغبة واتته في ضرب آصف ضربًا مبرحًا بعد نطقه تلك الكلمات.

بالطبع كان آصف قد استنتج من كلام صاموئيل أنَّ أخاه الصغير يكون ذلك الشاب الّذي أنقذه تلك الليلة، لكنَّه رغب في إزعاجه.

بلع صاموئيل غضبه ثم أطفأ سيجارته بكف يده وتمتم قائلًا -والبسمة على وجهه تناقض العروق البارزة على جبهته-:

"لولا السيجارة لأبرحتك ضربًا على مزاحك الثقيل."

وأكمل كلامه بقوله: "الآن، ما الَّذي تريده في المقابل؟"

تذكَّر آصف وأخذ يبحث في جيبه عن شيء ما، ولكنَّه لم يجده، فعلت معالم خيبة الأمل وجهه.

*****************

في شارع آخر من شوارع مدينة بيزا الإيطالية نزل فتى بشعر بني فاتح قصير من سيارة أجرة ولما لامست رجلاه الأرض صرخ بصوت عال -غير مبال بالناس من حوله- :

"ها قد وصلت أخيرًا!"

مشى في إحدى الاتجاهات حتى وصل بعد دقائق قليلة أمام كاتدرائية دومو، أخرج هاتفه وراح يقلّب في الصور حتى وجد ظالته.

"نعم، إنَّها هي." تمتم.

ثم تأمل الرجل ذو الشعر الأسود والعيون الزرقاء الّذي كان في الصورة واقفًا أمام الكاتدرائية.

"إنَّه هو بالتأكيد."

أغمض الفتى عينيه ورفع سبابة يده هامسًا:

"آفالون، تتبع!"

رغم أنَّ عيونه مغمضة إلّا أنَّ تلك القدرة أتاحت له رؤية ما حوله كما الشخص العادي، إضافة إلى أشياء لن يستطيع رؤيتها إلّا المستخدم ومن بينها أثر أبيض يشير إلى الطريق الَّذي سلكه الشخص المستهدف.

تبسّم الفتى.

" لابدَّ أنَّه متشوق لرؤيتي بعد كلِّ هذا الوقت."

تحولت تلك الابتسامة الصغيرة إلى كبيرة شيطانية.

"بل كلُّه شوق".

*****************

"هناك شخص ما يتتبعني." تمتم آصف بخفة "ينتابني شعور سيء؛ علي الخروج من هنا."

"أراك مستاء."

نطق صاموئيل متسائلًا.

(عليَ أن أجد عذرًا للخروج من هنا.) فكر آصف بذلك، فجرت دموعه على خديه وأخذ يتباكى مقلِّدًا الطفل الصغير منتحبًا، يسحب النفس تلو الآخر.

"أبي، أبي العزيز كان يحبني أخاف..."

سحب نفسًا ومسح دموعه ليكمل:

" أخاف أن يكون في الشوارع الآن يبحث عني."

-آفالون، تتبع.

شعر آصف بقشعريرة من تأثير استهداف مهارة التتبع؛ فركض إلى الباب بسرعة خارجًا من المكان.

صاح صاموئيل وهو يجري محاولًا اللحاق به: "أين أنت ذاهب!"

"أبحث عن أبي!" صاح آصف مجيبًا.

"ألن تأخذ حاجاتك؟"

أوقفت تلك الكلمات آصف ليجري باتجاه صامويل مادًّا يده: "أعطني إيّاها."

مدَّ صاموئيل يده مخرجًا بعض الأوراق النقدية بالإضافة لمجموعة خناجر وأشياء أخرى، أخذ آصف النقود وراح يقلّب الأشياء المعدنية.

"أين الصندوق يا ترى؟"

تمتم بخفة.

"لم يكن هنالك أيُّ صندوق بين حاجياتك."

ردَّ عليه صاموئيل.

-آفالون، تتبع.

أراد آصف التحقيق في الموضوع أكثر، لكنَّ الوخزة قد ذكَّرته؛ فراح يجري خارجًا من المشفى بأقصى سرعته.

"إنَّه أنت، لا يمكن أن يكون أحد غيرك. أفضل الموت على أن تجدني، فيين!"

تمتم آصف بتلك الكلمات كأنَّه يحدّث شخصًا ما.

*****************

" ظننته ذهبًا، لكنَّه لم يكن سوى قطعة نحاس."

تأووه ليكمل:

"بلا فائدة، يا لها من خسارة."

تمتم ميشيل وهو يحدق في صندوق ذهبي بين يديه، أعاده بعدها إلى جيبه، وبينما يمشي اصطدم به فيين؛ فانحنى الأخير معتذرًا وأكملا سيرهما.

شعر ميشيل بأنَّ المكعب قد سرق منه، لكنَّه لم يعبأ؛ لأنَّه كان عديم القيمة.

بعدها، نظر ميشيل خلفه باستعجال -كأنَّه تذكَّر شيئًا بعد فوات الأوان- وبدأ البحث عن الَّذي اصطدم به، إلّا أنَّه لم يره. "كنت أستطيع الإمساك به وحلب بعض المال."

فتح فيين عينيه فاختفت آثار آصف من أمامه، وأخذ يتأمل المكعب الذهبي ويقلّبه بين أصابعه.

"لم أتصور أن أجد أثرًا هنا."

تمتم ثم رفعه ونظر من ثقب كان فيه، فرآى حجر أزرق، فُتِحت عينيه من الدهشة

"هذا..."

*****************

بينما آصف يجري خارج المشفى باتجاه عشوائي وبضعة أشخاص حاولوا منعه واللحاق به من بينهم صاموئيل فقد أحسَّ أنَّه مقدم على شيء مشبوه بعد أن تذكَّر أنَّه من المفترض أنَّ بكون فاقدًا للذاكرة.

سمع صاموئيل جهاز اللا سلكي الّذي يحمله وهو يطلب النداء في وقت لَم يكن مناسبًا.

"يا لحظي السيء، سرقة في وضح النهار!"

تمتم بانزعاج مخيّرًا نفسه بين اللحاق بشريكه أو إجابة طلب الدعم.

"يمكن لذلك الرجل الانتظار، هذه حالة عاجلة."

أخذذ يجري باتجاه آخر وهو يلهث.

"ليت الحكومة زودتنا -رجال الشرطة- بالسيارات على الأقل بدلًا من اقحام الجيش في المدينة!"

تمتم بذلك متناسيًا إفلاس بلده والمظاهرات المشتعلة في العاصمة.

"علي أن أجد الصندوق." همس آصف لنفسه بينما يتنفس بسرعة وهو يجلس على كرسي خشبي في حديقة ما، واخذ يتأمل الوضع وتسلسل الأحداث علَّه يتذكّر أين أضاعه.

يأس آصف بعد فترة، فاسترخى مغمضًا عينيه يستريح قليلًا، استمر يسحب النفس العميق تلو الآخر وهو يفكّر مليًّا بما يجب عليه فعله لاحقًا، حتى قطع أفكاره شيء ما يسحب بنطاله بلطف.

نظر للأسفل فإذا هو طفل صغير بشعر أشقر وعيون خضراء، تأمّل آصف عيونه الكبيرة ونظرة العبوس على محياه من غير أن يبدي أيَّ ردة فعل، حتى عاد الطفل يسحب بنطال بطلنا لفترة بإلحاح وعلامات العبوس في ازدياد وهو يسحب البنطال مرارًا.

استسلم آصف وتنهد ثم قال - بصوت غلب على طابعه الانزعاج-: "ماذا تريد"

بدأ الطفل بالحديث:

"لقد كنتُ مع أبي نمشي هناك فنظرت إلى بعض السكاكر قليلًا وعندما استدرت كان..."

لم يستطع الطفل إكمال كلماته للحظات بسبب دموعه وشهقاته. "كان قد اختفى."

سرد الطفل مأساته -الَّتي لم تكن شيء مقارنة بمأساة آصف الحالية؛ إذ اقشعر جسده من شعور الوخز جددًا-.

-آفالون، تتبع.

أراد الرحيل بسرعة، بيد أنَّه ملّ السير وحيدًا، وقف بسرعة عن مقعده.

" حسنًا أيّها الصغير. لكن عليك أن تخبرني باسمك أولًا."

"إنَّه جوليوس عمي." نطق الصغير اسمه مبتسمًا.

*****************

في أحد شوارع المدينة أمام متجر للمجوهرات تجمع رجال من الجيش جنبًا إلى جنب مع بعض الشرطيين، مستترين بالسيارات يرفعون أسلحتهم تجاه الباب، ينادون:

"اخرجوا لا مفر لكم، الجيش يحاصر المكان!"

سمع فيين الضوضاء إضافة لجندي أمامه يحاول إبعاده عن الطريق -ظنَّا منه أنَّه أعمى-.

اعتذر فيين واستدار بالاتجاه المعاكس وأخذ يدخل الشوارع الضيقة حتى وصل نهاية مسدودة، وما كانت إلّا قفزة واحدة حتى حطّت قدماه على سطح إحدى البنايات.

أخذ يجري ويقفز فوق السطوح حتى وصل مكان ليس ببعيد عن الحدث ولكنَّه ليس قريبًا أيضًا وتمتم:

"البصيرة."

كانت مهارة سمحت له برؤية الأشياء البعيدة بوضوح، لكنَّه لم يستطع سماع شيء، نظر نحو باب المتجر الَّذي كان أمامه أربعة رجال بدا عليهم الجوع والفقر ألقوا أسلحتهم ورفعوا ايديهم باستسلام.

بعد فترة، أشار جندي إلى القائد الَّذي قال شيء ما، رفع الأربعة أيديهم في الهواء وأنزلوها على قلوبهم وقالوا شيء ما، استدار فيين مبتعدًا عن موقعه بعد -أن أمطروا المجرمين بالرصاص فصاروا كأسنانك تمامًا إن لم تنظفها جيدًا- واستمر في تعقب آصف بينما يتمتم:

"الوضع يزداد سوءًا يومًا بعد يوم".

*****************

بعد انتهاء الحدث وضع صاموئيل مسدسه في جيبه ثم تفرق عن الموقع حاله حال البقية من الجنود والشرطة كأنَّ شيئًا لم يكن، عندها لمح صاموئيل فيين -الَّذي يمشي مغمضًا عينيه- فظن صاموئيل في باديء الأمر أنَّه أعمى، ولكنَّه تراجع بعد أن شاهده يعبر الطريق المزدحم كالناس العاديين تمامًا؛ أثار ذلك فضول صاموئيل فقرر اتباعه.

*****************

في ناحية أخرى من المدينة ذاتها، كان آصف واقفًا أمام نهر انتهى به المطاف عنده بعد السير بعشوائية لفترة من الوقت، وبعد أن أعلن أفلاسه جيبه الَّذي أفرغه الصغير بتململه ودموعه، طالبًا المثلجات تارة والسكاكر تارة أخرى، وبعد إنقاذه من الدهس مرات عديدة، إلى أن توصَّل إلى أفضل حل ممكن لحماية الصغير.

أخذ آصف يتأمل منظر الشمس الَّتي تغرب كأنَّها تغرق في زرقة المياه، مياه النهر الصافية. أحب آصف ذلك المنظر كثيرًا فإخذ يحدِّق فيه مع الصغير الَّذي فوق أكتافه.

"ما أجمل الشمس عند الغروب، كأنَّ قرصها الأحمر يبتلعه زرقة النهر." نطق الصغير بهذا وهو ينظر من فوق راس آصف.

"إنَّها كذلك، إنَّها بالفعل كذلك." ردَّ آصف ليكمل بصوت خافت يحادث نفسه:

"في النهاية كلُّ شيء يختفي، حتى تلك الشمس العملاقة يمحو الظلام كلَّ أثر لها فلا يبقى من نورها أو حرارتها شيء."

"أنت مخطئ يا عم، القمر يعكس ضياء الشمس فما دام القمر ينير السماء فللشمس وجود وإن كان خافتًا غير محسوس."

أعجِب آصف بذكاء الطفل الصغير، جلس مقابلًا النهر، أجلس الطفل جواره، ثم ردَّ عليه:

"ولكنَّ القمر يختفي ليترك محله سوادًا."

" يختفي يومًا واحدًا ثم يعود."

" يعود نحيلًا هزيلًا بلا حول ولا قوة، فاقدًا كلَّ شيء غير بضع أشعة تسقط عليه من الشمس."

" لكنَّه يرتد ليعود كاملا شيئًا فشيئًا"

رد الطفل بهدوء ليكمل بسؤال:

"لمَ أنت مصرٌّ على فكرة غياب الشمس والقمر؟"

"انظروا إلي أجادل طفلًا صغيرًا."

ردَّ آصف وهو يتأمَّل الشمس الَّتي استمرت بالغرق لحظة إثر لحظة، متذكّرًا كيف كان وكيف أصبح الآن.

قطع تفكيره شعور القشعريرة الَّذي انساب بجسمه كصعقة كهربائية.

" لست أبالي، فليجدني، أريد أن أرى الغروب"

تمتم قائلًا.

بعد أن غربت الشمس كليًا وارتفع القمر أراد آصف المغادرة، لكنَّ جسده خار وأخذ وعيه يتلاشى شيئًا فشيئًا معلنًا عن بدء ذكرى جديدة.

*****************

قرب ذلك النهر، كان فيين يمشي مغمضًا عينيه يتبع ما تركه آصف من آثار خلفه، وقف قليلًا وهو يجمع شكل المسار الَّذي سلكه حتى الآن لتتشكل كلمات باللغة القديمة "تبًّا لك"، تأملها وابتسامة تعلو ملامحه، حتى اختفت تلك الابتسامة ليفرق شفتيه متحدثًا بصوت هادئ:

"من أنت ولمَ تطاردني؟"

لم يسمع أو يشعر بأيِّ شيء فقال بنبرة تهديد:

"اخرج من خلف البناية وإلّا قتلتك."

خرج صاموئيل من خلف البناية رافعًا يديه مستسلمًا؛ فقد استشعر الخطر من كلمات الفتى، استدار فيين ليلقي نظرة على ملاحقه، وما إن أراد فتح عينيه حتى شاهد هالة سوداء تتجه نحو آصف؛ فهرع سريعًا متجاهلًا صاموئيل الَّذي راح يجري خلفه، بيد انَّه لم يستطع إدراكه لشدّة سرعته، ولكنَّه علم أين مآله لذلك إكمل الجري على أيّ حال.

وصل فيين إلى ساحة الحدث في الوقت المناسب؛ إذ أنَّ الهالة السوداء بدأت بالدخول إلى جسد آصف وأخذ وعيه ينتقل لعالم المعاني، أوقف ذلك كلُّه شبكة من غير مرئية من الطاقة، وقد كانت مهارة ألقى بها فيين على آصف، "شبكة آرسيدس" ألصقت روحه بجسده وجسده بالأرض؛ فلا يستطيع تحريك إصبع واحد تنهَّد آصف عندها، وصاح على فيين:

"ابعد قمامتك عني!"

شعر آصف عندها بالخفة، لكنّه لم يسمع اي ردّ من فيين، التفت إليه فإذا بالدموع تسيل على وجهه وخدوده محمرة، يقول:

"أبي!"

"لا تناديني هكذا، لست متزوجًا حتى!"

"إبن غير شرعي إذًا." تمتم صاموئيل وهو يكتب في صفحة فارغة من دفتر ملاحظاته بشوق.

"لا بالتأكيد رجل نبيل مثلي لن يفعل شيء كهذا!"

ردَّ آصف وخدوده منفوخة حمراء من الخجل، نظر صاموئيل إلى الورقة غير المعنونة فصاح صاموئيل:

"صحيح لم تخبرني باسمك إلى الآن!"

"اسمه آصف." رد فيين على صاموئيل وهو يمسح دموعه.

"من خوَّلك الحديث نيابةً عني!" كان ذلك ردَّ آصف على الانتهاك السافر من جهة فيين.

أكمل فيين مسح تلك الدموع متمتمًا بانزعاج:

"التلميذ في النهاية ابن لمعلمه."

"لم أرد تدريبك حتى!"

ردَّ آصف بوقاحة على ذلك، ثم أردف:

"لمَ تطاردني على ايّ حال، ما الَّذي تريده؟"

"آه، صحيح، سيدي يرسل تحياته مع رسالة صغيرة، إحم إحم.. "

أخذ فيين يتذكَّر محتوى تلك الرسالة وبدأ الحديث مقلدًا أسلوب سيده الَّذي ملأته حركات الجسد التعبيرية:

"عدوي العزيز، الأعين الَّتي تنظر إليك تراقبني أنا الآخر، أعلم أنّي حاربتك في ما مضى، ولكنَّ عذري كان معي، لا تجعل لي سببًا آخر أقاتلك عليه لأنَّ النتيجة لن تكون جيدة لأيِّ منّا، تذكّر جيدًا أنّي أراقبك في كلِّ لحظة بطرق لَن تخطر على بالك."

بعد إكمال تلك المسرحية الصغيرة أخرج فيين مكعبًا ذهبيًا مثقوبًا، رمى به ناحية آصف وهو يقول: "صحيح، خذ هذا إنَّه ملكك على ما يبدو".

التقطه آصف متلهفًا وراح ينظر فيه فوجده فارغًا، علت ملامح الصدمة وجه آصف فرفع عينيه ليصرخ بوجه فيين، لكنَّه اختفى من أمامه كأنَّه لم يكن موجودًا أصلًا. علت ملامح الغضب وجهه وتمتم بينما يمسك رأسه بيده:

"عظيم الآن علي استعادة الحجر أيضًا!"

"طفل، يا لك من مريض."

تمتم صاموئيل وأخذ يحرِّك قلم الحبر ليدون ما جال في ذهنه بعد رؤية طفل إلى جانب آصف، ثم أكمل:

"فضيحة جيدة ربما سأحتاجها في قادم الأيام."

صرخ آصف مستدركًا الموقف بعد أن فهم ما يشير إليه صاموئيل واحمرت خدوده بغضب:

"كيف تجرؤ على التفكير في هذا أصلًا!"

(لمَ يحيط بي غريبوا الأطوار من كلِّ جانب؟) جالت تلك الأفكار في ذهنه ثم نظر إلى الطفل الصغير، جوليوس الَّذي نسي الجميع أمره، متمتمًا:

"أنت طبيعي على الأقل، أليس كذلك؟"

"صاموئيل هذا الصغير هنا اسمه جوليوس وهو يبحث عن والديه الَّذين افترق عنهما."

ردَّ الصبي: "في الواقع يا سيدي... "

ثم صمت قليلًا ليكمل:

"أنا يتيم وأعيش مع جدي، إنَّه يريد مني الاستحمام كلَّ يوم مرتين، وأن لا آكل إلّا الخضروات."

ثم صرخ بغضب:

"من يفعل مثل هذه الأمور في القرن الواحد والعشرين!"

أوكمل قائلًا بعيون مفتوحة، مترجّيًا الشخصين أمامه:

" هل يمكنني المكوث معكما قليلًا، أرجوك!"

ردَّ الإثنان في وقت واحد:

" لا" قال آصف.

" بالتأكيد" قال صاموئيل.

نظر كلُّ واحد منهما إلى الآخر محدّقًا، وعمّ الصمت بين الإثنين.

2022/04/02 · 73 مشاهدة · 2233 كلمة
آصف
نادي الروايات - 2026