مرت أربع سنوات كأنها حلم قصير في حياة "مارك" و"ماركو". بالنسبة لشخصين عاشا قروناً في حياتهما السابقة، كانت هذه السنوات الأربع هي الأكثر غرابة وهدوءاً. لم تكن هناك دماء، ولا سيوف محطمة، ولا مؤامرات سياسية؛ بل كان هناك حليب دافئ، وضحكات "جوزيف" الرعدية، ولمسات "إليزابيث" الحنونة.
في فجر يوم ربيعي مشرق، كان الطفلان يجلسان على عتبة الكوخ الخشبي الضخم الذي بناه جدهما "ألكسندر". كان مارك، بشعره الأسود الفوضوي وعينيه الحمراوين المتوقدتين، يحاول تحطيم حجر صغير بيده العارية، بينما كان ماركو، بهدوئه المعتاد وشعره المصفف بعناية، يراقب نملة تحمل فتات خبز بتركيز شديد.
رغم أنهما في الرابعة، إلا أن طولهما وضخامة بنيتهما كانت توحي بأنهما في السابعة أو الثامنة من عمر البشر العاديين. كانت جينات "البرابرة" تجري في عروقهما كحمم بركانية باردة.
مارك (عبر رابط الموهبة): "ماركو، انظر لهذا الحجر اللعين.. إنه لا ينكسر! جسدي في سن الرابعة لا يزال ضعيفاً جداً. في حياتي السابقة، كنت أقطع الأشجار في هذا السن!"
ماركو (بهدوء ذهني): "توقف عن التذمر يا مارك. نحن لا نملك مانا، ولا نملك هالة. نحن الآن مجرد طفلين 'هجينين'. ثم إنك إذا ضغطت بقوة أكبر، سأشعر أنا بآلام في مفاصلي. تذكر.. نحن نتشارك الجهد الجسدي."
توقف مارك فجأة ونظر إلى يده الصغيرة المحمرة، ثم نظر إلى أخيه بخبث: "أوه.. صحيح! إذا قمت بـ 100 ضغطة الآن، ستنمو عضلات صدرك وأنت جالس تراقب تلك النملة المملة، أليس كذلك؟"
ماركو (بتنهيدة): "لا تجرؤ على ذلك.. نحن في استراحة."
قطع حوارهما الذهني صوت خطوات ثقيلة جعلت الأرض تهتز تحت مقعديهما. إنه "جوزيف". العملاق الذي يبلغ طوله ثلاثة أمتار ظهر من خلف الحظيرة وهو يحمل على كتفه جذع شجرة ضخم وكأنه يحمل غصن زيتون.
جوزيف (بصوته الصاخب والضحوك): "صباح الخير يا وحوشي الصغيرة! مارك، هل لا تزال تحاول قتل ذلك الحجر المسكين؟ ماركو، هل تتعلم لغة النمل اليوم؟"
وضع جوزيف الجذع على الأرض، فحدث ارتجاج بسيط جعل الأواني داخل الكوخ تطن. نزل لمستوى طفليه، وجلس القرفصاء ليصبح طوله قريباً منهما، وبدت عضلات ظهره وكأنها جبال تتحرك تحت قميصه الكتاني البسيط.
جوزيف: "أين أمكما؟ الجد ألكسندر يريدنا أن نذهب للمزرعة الشمالية، هناك بعض الصخور التي تعيق المحراث.. صخور كبيرة جداً لا يستطيع حتى الثور تحريكها."
خرجت "إليزابيث" من الكوخ، كانت ترتدي ثوباً قروياً بسيطاً، وسلسلتها السحرية تلمع حول عنقها، مخفيةً جمالها الأسطوري خلف ملامح بشرية عادية، لكنها لم تستطع إخفاء تلك الهالة الباردة والنقية التي تحيط بها.
إليزابيث (بحنان): "جوزيف، لا ترهق الصغيرين. إنهما لا يزالان طفلين."
جوزيف (بضحكة خجولة): "طفلين؟ إليزابيث، مارك بالأمس اقتلع وتد الخيمة الحديدي بيده الواحدة! هذان الولدان ليسا بشراً عاديين.. إنهما نسخة مصغرة من والدي ألكسندر."
في الحقل الشمالي: الصدمة الأولى
عندما وصلوا إلى الحقل، كان الجد "ألكسندر" ينتظرهم. كان رجلاً بربرياً عجوزاً، لكنه يبدو وكأنه صخرة قديمة لا تهزها الرياح. كان يمسك بفأس ضخم يستخدمه لتقسيم الصخور.
ألكسندر: "جوزيف! تأخرت! انظر لهذه الصخرة السوداء، إنها متجذرة في الأرض. يبدو أنها من نوع 'الغرانيت الصلد'. نحتاج لستة رجال على الأقل لتحريكها."
تقدم جوزيف بخطوات واسعة، حك لحيته السوداء الكثيفة وقال ببراءة: "سأحاول دفعها قليلاً يا أبي."
راقب التوأم المشهد باهتمام. أرادا رؤية القوة الحقيقية لوالدهما "الجبان". تقدم جوزيف، وضع يديه الضخمتين على الصخرة التي تزن أطناناً. لم يستخدم أي مانا، ولم تظهر عليه أي علامة من علامات السحر. فقط.. عضلات جسده بدأت تتمدد.
مارك (بذهول ذهني): "ماركو.. انظر لكتفيه! إنه لا يضغط لأسفل، إنه يسحب القوة من باطن قدميه! هذا الرجل.. بنيته الجسدية تتجاوز مستوى 'مخضرم سيف' بمراحل بمجرد القوة الخام!"
بزئير مكتوم، دفع جوزيف الصخرة. حدث شيء لا يصدق؛ الصخرة لم تتحرك فحسب، بل طارت لعدة أمتار وكأنها رُجمت بآلة حصار، لتستقر بعيداً محطمةً الأشجار في طريقها.
جوزيف (وهو يمسح العرق ويمثل الخوف): "أوه! يا إلهي! لقد كانت أخف مما ظننت! كدت أن أسقط!"
ألكسندر (بغضب مضحك): "أيها الغبي! أخبرتك أن تدفعها لا أن تقذفها إلى الغابة المجاورة! ماذا لو كان هناك أحد هناك؟!"
ضحك مارك سراً، بينما كان ماركو يحلل المشهد بعقل الساحر.
ماركو: "مارك.. والدنا ليس مجرد بربري قوي. إنه يمتلك 'توازناً فطرياً'. القوة التي استخدمها كانت موجهة بدقة متناهية. إنه يدعي الجبن والغباء، لكن جسده مبرمج على القتال الفائق."
لحظة اكتشاف الموهبة الجسدية
بينما كان الكبار مشغولين، قرر مارك تجربة شيء ما. ابتعد قليلاً خلف شجرة كبيرة، وبدأ بتنفيذ حركات "سيف الإمبراطور" التي كان يتقنها، مستخدماً غصن شجرة يابساً. كانت حركاته سريعة، دقيقة، وقاتلة، حتى في هذا الجسد الصغير.
في تلك اللحظة، كان ماركو يقف بجانب أمه إليزابيث. فجأة، شعر ماركو بحرارة تجري في ذراعيه، وعضلات بطنه بدأت تنقبض بإيقاع سريع. بدأ يتنفس بسرعة وكأنه يركض ميلاً كاملاً.
إليزابيث (بقلق): "ماركو؟ حبيبي، لماذا وجهك محمر هكذا؟ هل أنت مريض؟"
ماركو (وهو يحاول التقاط أنفاسه): "لا.. لا يا أمي.. أنا فقط.. أشعر بالنشاط."
ماركو (عبر الرابط بغضب): "مارك! توقف فوراً! أنت تتدرب بجهد 'المستوى المخضرم' وجسدنا في سن الرابعة لا يتحمل هذا الضغط! أمي تظن أنني أصبت بالحمى!"
مارك (بنشوة القتال): "اصمت يا ماركو! الشعور رائع! انظر.. كلما زادت ضرباتي قوة، شعرت بجسدي ينمو. هل تشعر بهذا؟ قلبينا ينبضان معاً! هذه الموهبة.. إنها 'مضاعفة الجهد'. إذا تدربت أنا وأنت معاً، سنصل لمستوى 'سيد السيف' قبل أن تنبت لحانا!"
المساء: الدفء والسر المكتوم
عاد الجميع للكوخ. جلست العائلة حول مائدة خشبية عملاقة صنعها ألكسندر. كان هناك لحم مشوي، وخبز منزلي، وضحكات لا تنقطع.
كان جوزيف يطعم طفليه بقطع كبيرة من اللحم وهو يخبرهما قصصاً خرافية عن "الغيلان" و"التنانين"، وهو لا يعلم أنه يطعم شخصين قتلا تنانين حقيقية في الماضي.
جوزيف: "مارك، ماركو.. عداني بشيء. مهما حدث، لا تقاتلا أحداً في القرية. البشر ضعفاء، يا بني.. بشرتهم رقيقة كقشر البيض. إذا لمستم أحداً بقوة، قد تكسرون عظامه دون قصد. عداني أنكما ستكونان هادئين ولطيفين مثل أمكما."
نظر مارك لماركو. كانت نظرة مليئة بالمعاني.
مارك: "أعدك يا أبي.. سأكون لطيفاً جداً." (وفي سره: "إلا إذا اقترب أحد من عائلتنا").
ماركو: "وأنا أعدك يا أبي.. سأحرص على ألا يرتكب مارك أي حماقة."
ابتسمت إليزابيث بمرارة. كانت تنظر لولديها وتعرف أن السلسلة التي تخفي جمالها لن تحمي عائلتها للأبد. كانت تشعر بأن العالم الخارجي، بقاذوراته وطمعه، سيصل إلى هذه القرية النائية يوماً ما.
في وقت متأخر من الليل، وبينما كان التوأم ينامان في سرير واحد، همس ماركو:
"مارك.. هل تعتقد أننا نستطيع حماية هذا السلام؟"
فتح مارك عيناً واحدة، ولمعت باللون الأحمر القاني في الظلام:
"ماركو.. في حياتنا السابقة دمرنا إمبراطوريات لنحمي أنفسنا. في هذه الحياة، سأدمر العالم بأسره قبل أن أدع أحداً يفسد عشاء أمي أو يطفئ ضحكة أبي."
أغلق ماركو عينيه وهو يشعر بنبض أخيه يهدأ تدريجياً. لم تكن هناك مانا، ولم يكن هناك سحر الدائرة العاشرة.. لكنه شعر بقوة أعظم؛ قوة "الأسرة" التي وُلدت من جديد في جسدين، بقلب واحد.