(أين أنا؟)
هذا هو أول ما خطر ببال ميكامي ساتورو، أو بالأحرى، ما تبقى من وعيه المتبعثر. لم يكن هناك جسد، فقط شعور بالوجود. الظلام يلفه، وصوت غريب، أو ربما هو مجرد إحساس، يتردد في أعماقه.
《تأكيد. اكتشاف وجود روح حية. بناء جسد مناسب... جاري التحليل...》
صوتٌ بارد، آلي، يتردد صداه في هذا الفراغ. لم يكن صوتًا يسمعه بأذنيه، بل يدركه مباشرة في ذهنه. وفجأة، كأنما فتحت أبواب الذاكرة كلها على مصراعيها، تدفقت المعلومات.
لم تكن مجرد ذكريات حياته القصيرة كـ"ميكامي ساتورو"، بل قصة كاملة، عالمٌ بأكمله، يتكشف أمامه. قصة "تينسي شيتارا سلايم داتا كين". قصته هو.
لقد كان وحشًا. هلامًا. ريمورو تيمبيست.
تدفقت الصور: الكهف المظلم الذي استيقظ فيه، لقائه مع التنين العاصفي فيلدورا، صداقتهما، اكتسابه لمهارة المفترس التي سمحت له بامتصاص المخلوقات وقدراتها. رأى نفسه يلتهم النباتات السحرية، ويجمع الأعشاب، ويتعلم استخدام المهارات التي اكتسبها. كل التفاصيل، كل المشاعر، كل القرارات التي اتخذها "ريمورو" المستقبلي، أصبحت الآن جزءًا لا يتجزأ من وعيه.
عرف أنه سيلتقي بالعفاريت، ويساعدهم، ثم بالعمالقة الأوغار، ويصادقهم. سيتشكل تحالف، وسيبني مدينة. ستظهر له وجوه جديدة: شيون، شينا، بنيمارو، هاكورو، سوي، جوبوتا، ميليم، ديابلو، فيليا، ليفيا. كل هذه الشخصيات، التي لم يقابلها بعد، أصبحت مألوفة لديه كأنها جزء من عائلته.
عرف المعارك التي سيخوضها. ضد جيش فالرموث، ضد الفرسان المقدسين، ضد الإمبراطورية الشرقية. عرف الألم، والخسارة، وقوة اليأس عندما فقد رفاقه. وعرف كيف سيصبح ملكًا شيطانيًا، وكيف ستتطور مهاراته. الحكيم العظيم، الذي سخر منه قبل موته، سيتحول إلى رافايل، ومن ثم إلى سييل، الذكاء المطلق الذي سيسانده في كل خطوة.
لقد رأى كل شيء. المستقبل، الماضي، الحاضر. حياته القادمة كوحشٍ هلامي، القائد الذي سيبني دولة التيمبيست العظمى، ملك الشياطين القوي.
《بناء جسد هلامي مكتمل. بدء التحويل.》
شعر ميكامي ساتورو، أو ريمورو كما بات يعرف نفسه الآن، بتحول. لم يعد كيانًا غير مادي. بدأ يشعر بـ"جسد"، لزج وبارد. لا عيون، لا أطراف، مجرد كتلة مرنة.
"إذن… أنا هلام الآن، huh؟"
كانت كلماته الأولى في هذا العالم الجديد، مختلفة عما كانت عليه في قصته الأصلية. هذه المرة، لم يكن هناك ارتباك. لم يكن هناك فضول ساذج. بدلاً من ذلك، كان هناك إدراك عميق.
لقد رأى النهاية قبل أن تبدأ الرحلة. هذا الوعي الجديد غير كل شيء. هل سيغير هذا معرفته بمستقبله طريقه؟ هل سيجعل خيارات مختلفة؟ هل سيؤثر على الأشخاص الذين سيلتقي بهم؟
كانت هذه هي المرة الأولى التي يموت فيها ميكامي ساتورو كإنسان، ويولد من جديد كوحش. لكنها لم تكن المرة الأولى التي يمر فيها ريمورو بكل هذه الأحداث. كانت تجربة فريدة، أن تعيش قصة حياتك المستقبلية بالكامل قبل أن تبدأ.
"المفترس… الحكيم العظيم… الآن أنا أفهم." همس لنفسه، وصوته مجرد اهتزازات داخل جسده الهلامي. "عليّ أن أبدأ من الكهف، وأن أجد فيلدورا… ثم كل الباقي."
وبينما كان يتحرك ببطء في الظلام، بدأ يدرك شيئًا آخر. شعور بالجوع. ليس جوعًا بشريًا للطعام، بل جوعٌ غريزي، جوع الهلام للالتصاق و"افتراس" ما حوله.
"هذا سيكون ممتعًا... أو ربما مرهقًا للغاية."