الفصل الأول: شاي المساء ونبأ من العاصمة

​الهدوء هنا لم يكن مجرد غياب للصخب، بل كان طبقة كثيفة تلف المكان كضباب الشتاء؛ بلدة "ريفريند" النائية، حيث لا يحدث أي شيء يستحق الذكر، وحيث تموت الأخبار قبل أن تصل إلى الحانات الصغيرة المشيدة من الخشب الداكن. في أطراف هذه البلدة المعزولة، كانت هناك ورشة صغيرة لترميم الأدوات القديمة، تفوح منها دائماً رائحة الخشب المحروق، الزيت، والشاي المغلي على الفحم.

​خلف الطاولة الخشبية المليئة بالمسامير والقطع المعدنية الصدئة، كان رين يجلس على مقعد ذي مسند مكسور، واضعاً رجلاً فوق رجل بكسل مفرط. كان يرتدي معطفه الرمادي الفضفاض الذي يبدو دائماً أكبر من جسده بنمرتين، ويضع فوق رأسه قبعته القشية القديمة التي تميل إلى الأمام لتحجب عينيه بالكامل في ظل داكن، فلا يظهر من ملامحه سوى شفتين ترتسم عليهما تلك الابتسامة الصغيرة، الدافئة والمبهمة التي لا تفارق وجهه أبداً.

​بين يديه، كان يمسك بإبريق شاي فخاري قديم، يصب منه في كوب صغير بحركة بطيئة ومنتظمة، كأن الوقت في هذا العالم قد توقف تماماً بالنسبة له.

​"أنت لا تزال هنا تشرب الشاي، بينما البلدة كلها تغلي؟"

​انفتحت الدرفة الخشبية للورشة بقوة، ودخل جيل، الفتى الذي يعمل في الحقل المجاور، وهو يلهث وعلامات الإثارة ترتسم على وجهه الشاحب، حاملًا في يده ورقة مصقولة ذات أطراف مذهبة تبدو غريبة تماماً عن قذارة البلدة.

​رفع رين طرف قبعته القشية بإصبعين فقط، مظهرًا جزءاً من عينيه البنيتين الهادئتين، وبنبرة ناعمة وكسولة تحمل ذلك المزاج الساخر الخفيف، قال: "أوه، جيل.. أهلاً بك. على رسلك يا فتى، إن صراخك في هذا الوقت من المساء يفسد نكهة الشاي . ما الذي قد يجعل بلدة ينام أهلها مع غروب الشمس تغلي فجأة؟ هل هربت بقرة العمدة مجدداً؟"

​"أي بقرة !" صرخ جيل وهو يضع الورقة المذهبة على الطاولة بين أدوات رين الصدئة. "انظر إلى هذا! مرسوم ملكي من العاصمة 'أورورا'. أكاديمية 'سيلستيا' الملكية.. أكبر حصن للسحرة والنخبة في القارة، فتحت باب التقديم لطلاب الدعم اللوجستي وحملة الحقائب من المقاطعات الخارجية! لا يشترطون رتبة سحرية عالية، يبحثون فقط عن أشخاص أصحاء للقيام بالمهام الشاقة والتموين خلال اختبار القبول الكبير!"

​نظر رين إلى الورقة ببطء. لم تتغير الابتسامه من علي وجهه ، ولم تشتعل عيناه بالطموح كما فعلت عيون جيل. أخذ رشفة هادئة من كوبه، ثم تمتم بصوت ناعم: "أكاديمية سيلستيا الملكية.. هه، أليس هذا هو المكان الذي يجمع أطفال العائلات الكبرى ليصرخوا في وجوه بعضهم البعض ويستعرضوا سيوفهم اللامعة؟ يبدو مكاناً صاخباً للغاية، جيل. الصخب يسبب لي الصداع."

​"لكنهم يدفعون عملات ذهبية حقيقية بمجرد قبولك كعامل دعم!" قال جيل محاولاً إقناعه، وهو يضغط على الطاولة بيأس. "والمبيت والطعام مجانيان تماماً في النزل الخارجي للأكاديمية طوال فترة الاختبار! رين، أنت تعيش هنا على بضع عملات نحاسية من تصليح الأحذية والصناديق القديمة، أليس هذا أفضل من البقاء هنا حتى تشيب؟"

​أعاد رين وضع الكوب، وأمسك بغصن خشبي صغير كان ملقى على الطاولة، وبدأ يحركه بين أصابعه بحركات دائرية هادئة وتلقائية، كأنه يزن الفراغ. نظر إلى الحبال الليفية الملقاة في زاوية الورشة، وإلى صندوقه الخشبي الضخم الذي صنعه بنفسه لجمع الأدوات القديمة.

​لم يكن رين يملك أي هدف في هذه الحياة؛ لم يكن يرغب في إنقاذ عالم، ولا في تسلق مراتب القوة، ولا في إثبات نفسه أمام النبلاء. كان يعيش حياه هادئه كما يقال، يبحث عن بقعة ظل باردة لقضاء قيلولته، ويجد متعة في تأمل الطيور وهي تحلق. لكن فكرة الذهاب إلى العاصمة بدت له كشيء قد يغير رتابة الأيام قليلاً، أو ربما مجرد عذر لرؤية مناظر جديدة والنوم في أماكن مختلفة.

​"طعام مجاني ومبيت في النزل الخارجي؟" همس رين وهو يبتسم ابتسامة اتسعت قليلاً، حاملة معها ذلك الغموض الصامت الذي يثير الفضول. "هذا يبدو عرضاً مغرياً لشخص كسول مثلي يا جيل.. على الأقل لن أضطر لطهي العشاء بنفسي لبضعة أسابيع."

​وقف رين ببطء، ونفض الغبار عن معطفه الرمادي، ثم عدل قبعته القشية لتغطي عينيه مجدداً. التفت إلى صندوقه الخشبي وقال بنبرة هادئة حملت سخرية خفية لم يفهمها جيل: "حسناً إذاً.. يبدو أننا سنقوم برحلة قصيرة يا صديقي الخشبي. فلنستعد لرؤية هؤلاء 'الأسياد العظماء' في العاصمة."

__________________

اي رايكم حلوه😶‍🌫️ّّ؟

2026/06/11 · 13 مشاهدة · 634 كلمة
جمعه
نادي الروايات - 2026