خصوم يدعون أبوة الطفله
الفصل الثالث و خمسون
ترجمة : ma0.bel
---
«ماما، من هذه؟»
«سلّمي عليها. تتذكرين المحقق الذي ساعدكِ حين ضللتِ الطريق سابقًا؟»
«نعم.»
«هذه والدته.»
«واااو...»
ابتسمت لانا غويفيرو وهي تنظر إلى شيز من أعلى.
«إذن هذه هي الطفلة التي أُسيء فهمها على أنها ’ابنة‘؟»
«نعم، هي بالضبط...»
«الآن فهمتُ لماذا قال ذلك. إنها تشبه أمها إلى حدّ لا يُصدَّق.»
«ههه، يبدو كذلك فعلًا.»
في تلك الأثناء، جاءت فيليبا لتخبرنا بأن العشاء جاهز.
بدأ العشاء، وسرعان ما انفتحت شيز كأنها لم تكن خجولة أبدًا، وأخذت تُمطر لانا بالأسئلة.
«أنتِ فارسة؟ فارسة تلوّح بالسيف هكذا شونغ شونغ؟»
ثم نظرت إليّ بخفة، واقتربت من لانا وسألتها:
«كيف يمكنني أن أصبح فارسة؟»
طرحت أسئلة سخيفة إلى هذا الحد. شعرتُ بغرابة... هل كرهتْ دراسة السحر إلى هذه الدرجة؟
«يمكنكِ أن تصبحي فارسة إذا مارستِ السيف بجد.»
«إلى أي درجة من الجد؟»
«همم... طوال اليوم؟»
«طوال اليوم...!»
بدت تعبيرات وجه شيز غير عادية. قررتُ أن أخفي كل ما يمكن أن تلوّح به في المنزل... المكانس، والخشب المستخدم في إشعال النار...
بعد انتهاء العشاء، وجدتني أنا ولانا وحدنا نرتشف الشاي. كان طلبها، وشعرتُ بالامتنان الشديد لوجود فيليبا. لو كان عليّ أن أعدّ الطعام والشاي بنفسي، لكان ذلك إحراجًا كبيرًا.
«هل تعيشين في هذا المنزل أنتِ وشيز وفيليبا فقط؟»
«نعم...»
«همم.»
لاحظت غياب والد الطفلة، لكن لانا ــ بحمد الله ــ لم تُعمق السؤال، بل غيّرت الموضوع.
«سمعتُ أن ظاهرة الشقوق تحدث في كل مكان هذه الأيام، وأنكِ تتولين حلها.»
«آه، نعم.»
«لا بد أنها مهمة شاقة. هل تشعرين بالتعب؟»
نعم، متعبة جدًّا...
لكنني لم أرد أن أبدو ضعيفة، فابتسمتُ فقط.
ساد صمت طويل نسبيًّا. تردّدتُ قليلًا، ثم تكلمتُ أولًا:
«سيدة لانا...»
«نعم؟»
«في الحقيقة، حين قلتِ فجأة إنكِ تريدين البقاء في منزلي، شعرتُ بالدهشة قليلًا.»
داعبتُ مقبض فنجان الشاي بأطراف أصابعي.
«هل لديكِ شيء تريدين قوله لي على انفراد؟»
ابتسمت لانا ابتسامة خافتة، ثم هزت رأسها بهدوء. نظرت إلى عينيّ مباشرة وسألتني فجأة:
«علاقتكِ بفيليكس ليست جيدة، أليس كذلك؟»
«آه...»
دخلت السؤال مباشرة فلم أجد الفرصة للكذب.
«يمكنكِ الصراحة. أعرف أنه يكره السحرة بشدة.»
لم يكن أمامي خيار سوى الإيماء برأسي. لم تبدُ لانا متفاجئة.
«كما توقعتُ.»
«لكنه... لا بأس. أنا لستُ من النوع الذي يتلقى الإهانات دون رد.»
ابتسمت لانا ابتسامة خافتة عند سماع كلامي.
«حين عدتُ إلى القصر بعد غياب طويل، سمعتُ الكثير من الأحاديث... من بينها شائعات عن فيليكس...»
آه، الآن فهمتُ. لقد عرفتْ أنني وفيليكس كنا نتصادم كثيرًا داخل القصر.
«أريد أن أعتذر عن وقاحة ابني.»
«آه، لا داعي...!»
«قبل أن أغادر العاصمة، سأوصيه بشدة أن يعتذر لكِ بنفسه.»
(هذا... قد يكون مثيرًا للاهتمام.)
عاد الصمت مرة أخرى. رمشت لانا بعينيها كأنها تتردد، ثم قالت بحذر:
«ألم تتساءلي يومًا لماذا يكره فيليكس السحرة إلى هذا الحد؟»
«بالطبع...»
كنتُ أتساءل بشدة!
لماذا يثير معي المشاكل في كل مناسبة؟ ولماذا ينظر إليّ دائمًا بعينين مليئتين بالنار؟
عند صمتي، بدأت لانا تتحدث بحذر:
«السبب في كرهه للسحرة هو والده... زوجي كارلايل...»
«...»
«لأنه قُتل على يد ساحر.»
هبّت عاصفة خارج النافذة، حملت الصيف معها واختفت.
«ربما لا تعرفين، سيدة ريلشيز. قبل نحو خمسة عشر عامًا، قتل ساحر محققًا في العاصمة انتقامًا لعقوبة فرضت عليه.»
«...»
«المحقق الذي قُتل آنذاك كان زوجي كارلايل.»
«آه...»
خرجت تنهيدة من فمي دون إرادتي.
كنتُ قد سمعتُ عن الحادثة مرة سابقًا.
«الوصمة الوحيدة في تاريخ ويلوفيس.»
كان أحد السحرة الذين يرعاهم ويلوفيس قد ارتكب محظورًا، وانتقم من المحقق الذي كشفه.
(كان حادثًا قديمًا، وغير سار، لذا نسيته... لم أكن أتخيل أن الضحية كان والد فيليكس...)
رغم أنني لم أكن مسؤولة، إلا أن قلبي ثقل فجأة.
«لستُ ألومكِ على الإطلاق، سيدة ريلشيز. لقد اعتذر دوق ودوقة ويلوفيس بصدق في ذلك الوقت، وأنا لا أحمل أي ضغينة تجاه السحرة. لم يكن خطأ ’السحرة‘، بل خطأ ’ذلك الساحر‘ وحده.»
«...»
«لكن فيليكس... يبدو أنه لم يستطع التفكير بهذه الطريقة. خاصة أنه كان شاهدًا على الحادث.»
في تلك اللحظة، حبستُ أنفاسي مذعورة.
لو كان ذلك وقت الحادث، فإن المحقق غويفيرو كان لا يزال طفلًا صغيرًا جدًّا.
(هل رأى والده يموت أمام عينيه في ذلك العمر الصغير؟)
انعقد لساني.
«ندبة عينه أيضًا من ذلك اليوم. لو تأخرتُ قليلًا في الوصول... لكان فيليكس قد فارق الحياة أيضًا.»
انتهت لانا من كلامها بهدوء، ثم أمسكت بلطف بيدي التي كانت على ركبتي. كانت يدها خشنة ومليئة بالكدمات، لكنها دافئة.
«لم أقل هذا لأطلب منكِ مسامحة وقاحته. فقط... أردتُ أن تفهميه قليلًا، حتى لو كان ذلك طمعًا مني...»
ابتسمت لانا ابتسامة خافتة.
«بعد أن قلتُه، أشعر أنه تفكير أناني. آسفة.»
«لا، لا داعي. الآن بعد أن عرفتُ السبب... أشعر براحة أكبر.»
«سأحدثه بشدة قبل رحيلي حتى لا يتصرف بعنف مرة أخرى.»
وعدتني لانا مرة أخرى بأنها ستكلّم فيليكس جيدًا.
تذكّرتُ العلاقة الغريبة بين الأم وابنها، فطرحتُ سؤالًا عفويًّا:
«ألا تفكرين في الاستقرار في العاصمة؟»
«في العاصمة؟»
«نعم... أعتقد أن وجودكِ بجانبه سيمنحه استقرارًا أكبر مما هو عليه الآن.»
لم تجب لانا فورًا. غرقت في ذكرياتها كأنها تفتح كتابًا قديمًا، ثم اختارت كلماتها بعناية:
«أنا وكارلايل ولدنا ونشأنا في العاصمة. كنا جيرانًا وأصدقاء منذ الطفولة.»
أخرجت من صدرها قلادة. ضغطت على الزر، فانفتح الغطاء وظهَرَت لوحة صغيرة.
كان الرجل ذا شعر أحمر... لا بد أنه زوجها...
سرعان ما أغلقت لانا القلادة بتعبير مؤلم، ثم نظرت إلى السماء البعيدة بعينين مليئتين بالحنين.
«كان معي في كل لحظة سعيدة وحزينة. كنا نعتقد أننا قدر بعضنا. وعدنا بعضنا بالبقاء معًا إلى الأبد... رغم أن الوعد لم يتحقق.»
في تلك اللحظة، فهمتُ لماذا تريد الابتعاد عن هذا المكان.
«... لهذا لا تستطيعين العودة إلى منزلكِ القديم؟»
«...»
«وهروبكِ من العاصمة... بسبب ذكريات زوجكِ؟»
ارتجفت حدقتا عيني لانا.
ظلت صامتة طويلًا، ثم هزت رأسها بصعوبة ووجهها يعكس الألم:
«أحيانًا... تكون الذكريات الكثيرة ألمًا في حد ذاتها.»
مرت خمسة أيام على إقامة لانا في منزلنا. حين انتبهتُ، كان يوم مغادرتها للعاصمة قد اقترب.
خرجت صباح اليوم مبكرًا لتلقي نظرة أخيرة على العاصمة قبل الرحيل.
(إذا غادرت هكذا... متى ستعود مرة أخرى؟)
ربما لن تعود أبدًا. كان وجهها حين تحدثت عن زوجها الراحل يعكس حزنًا عميقًا.
(لا يمكنني تقديم أي مساعدة...)
لكن وجود شيز كان مفيدًا جدًّا. كانت الطفلة النشيطة تضفي حيوية عجيبة على المنزل بمجرد تجولها.
دخلتُ المنزل وأنا أحمل مشاعر معقدة. فور دخولي الصالة، خرجت شيز تركض نحوي قافزة.
«ماما!»
«هل كنتِ هادئة طوال اليوم؟»
«بالطبع!»
نظرتُ إلى فيليبا بنظرة استفسار، فأومأت برأسها بهدوء. يبدو أنها لم تُحدث أي مشكلة.
مسحتُ رأسها بلطف.
«هيهي، أنا أحب فيليبا جدًّا. لنعش مع فيليبا إلى الأبد!»
«إلى هذه الدرجة؟»
حصلت فيليبا على هذا القدر من الحب من شيز الشقية... نظرتُ إليها بإعجاب واحترام. ابتسمت فيليبا ابتسامة مشرقة ردًّا عليّ.
«سأبدأ تحضير العشاء!»
بمجرد أن اختفت فيليبا في المطبخ، شدّت شيز تنورتي بقوة.
«اسمعي يا أختي. لديّ شيء أريد قوله.»
«ماذا؟ أنا لستُ في مزاج لسماع قصص غريبة اليوم.»
«إيه، ليست قصة غريبة! إنها قصة مهمة جدًّا جدًّا!»
ظننتُ أنها ستطلب تربية فيل أو شيء سخيف، لكن تعبير وجه شيز كان جدِّيًّا للغاية. أجّلتُ مشاعري المعقدة مؤقتًا ونظرتُ إليها بعينيها.
«ماذا؟»
تنفست شيز بعمق، ثم خفضت صوتها وقالت بكل جديّة:
«أنا... دخل حلوى في أذني.»
---
شكراً على القراءة
ولا تنسى ذكر الله 💕