كانت خطواته بطيئة.

خطوة…

ثم أخرى.

كان الممر طويلًا إلى درجة جعلته يشعر بأنه لا ينتهي.

صوت حذائه يرتد داخل الجدران الحجرية، ثم يعود إليه مشوهًا، وكأن شخصًا آخر يمشي خلفه.

توقف.

اختفى الصوت.

التفت.

لا شيء.

الممر خالٍ.

أعمدة حجرية مصطفة على الجانبين، وبينها تماثيل قديمة تقف في صمت.

وجوهها مغطاة بالغبار.

أجسادها متآكلة.

بعضها فقد ذراعًا، وبعضها تحطمت ملامحه بالكامل.

حدق فيها للحظات.

ثم تابع السير.

كان الجو أبرد هنا.

البرد لم يعد مجرد إحساس على جلده، بل تسلل إلى عظامه.

ضم ذراعيه إلى صدره، ونفخ في يديه محاولًا تدفئتهما.

عندها سمع الهمس.

خفيفًا.

بعيدًا.

كأنه يأتي من نهاية الممر.

توقف.

رفع رأسه.

“مين هناك؟”

لم يجبه أحد.

مشى بضع خطوات.

الهمس اختفى.

ثم عاد.

أقرب.

استدار بسرعة.

نظر إلى التماثيل.

تجمد.

لم يكن متأكدًا مما رآه.

اقترب من أقرب تمثال.

كان وجهه منحرفًا نحو الجدار قبل لحظات.

الآن…

كان ينظر إليه.

تراجع.

حدق في بقية التماثيل.

واحدًا تلو الآخر.

وجوهها كانت مختلفة.

بعضها ينظر إلى الأرض.

بعضها إلى السقف.

لكن اثنين منها…

كانا يحدقان فيه مباشرة.

رمش.

وفي اللحظة التالية، بدت التماثيل كما كانت.

وجوه جامدة.

عيون حجرية.

لا حركة.

“أنا أتخيل.”

قالها لنفسه.

لكنه لم يصدقها.

تابع السير.

هذه المرة أسرع.

وفي نهاية الممر ظهر باب ضخم.

كان أكبر من أي باب رآه في حياته.

مصنوعًا من حجر أسود، تتشابك عليه نقوش غريبة، وفي منتصفه دائرة تشبه تلك التي رآها في القاعة.

اقترب.

تحت الدائرة كان هناك نقش مكتوب بلغة لم يعرفها.

ومع ذلك…

قرأه.

دون أن يفكر.

«التاريخ لا يكتبه المنتصرون، بل الناجون.»

ظل واقفًا أمام الجملة.

شعر بقشعريرة.

لم يعرف كيف استطاع قراءتها.

ولا لماذا شعر أن الكلمات موجهة إليه شخصيًا.

ثم سمع شيئًا.

دق.

توقف.

ثم—

دق.

رفع رأسه.

كان صوت ساعة.

دقات بطيئة وثقيلة، تأتي من مكان بعيد.

لكن من أين؟

لم يكن هناك شيء في الممر.

دقّت الساعة مرة ثالثة.

وفجأة بدأ الباب يتحرك.

ببطء شديد.

صدر عنه صوت احتكاك حجري عميق، جعل جسده كله يرتجف.

انفتح الباب.

لكنه لم يكشف عن غرفة.

ولا عن ممر آخر.

بل عن فضاء مفتوح.

توقف أمامه مذهولًا.

كان الليل والنهار موجودين في المكان نفسه.

جزء من السماء كان مظلمًا، مليئًا بالنجوم.

والجزء الآخر كان مضاءً بضوء ذهبي شاحب، كأن الفجر توقف في منتصف السماء.

هبّت رياح باردة عبر الباب.

رفع يده أمام وجهه.

ثم رأى المدينة.

كانت بعيدة.

بعيدة جدًا.

ومع ذلك استطاع رؤيتها بوضوح.

أبراجها تلمع وسط الظلام.

آلاف الأضواء تتحرك بين شوارعها.

وفي وسطها ارتفع برج هائل، أعلى من جميع الأبنية، تتوهج قمته بضوء أبيض.

ظل ينظر إليها.

لم يعرف ما هي.

ولا أين تقع.

ولا لماذا يشعر أنه رآها من قبل.

ثم سمع شيئًا.

لم يكن صوتًا هذه المرة.

كان إحساسًا.

كأن المدينة نفسها…

تناديه.

لم يكن يعرف اسمه.

لكن بطريقة لا يستطيع تفسيرها، كان متأكدًا أن النداء موجه إليه.

تردد.

نظر خلفه.

الممر.

التماثيل.

الظلام.

ثم نظر إلى المدينة.

وضع يده على حافة الباب.

كان الحجر باردًا.

تنفس ببطء.

مرة.

ثم مرة أخرى.

وقبل أن يخطو إلى الخارج—

جاء الهمس.

أقرب من أي مرة مضت.

حتى إنه شعر بأنفاس باردة تمر بجانب أذنه.

“لا تعتقد…”

تجمد.

“…أنهم سينتظرونك.”

اتسعت عيناه.

استدار بسرعة.

لا أحد.

فقط الممر الطويل.

والتماثيل.

لكن أحد التماثيل كان ينظر إليه.

هذه المرة لم يحاول إقناع نفسه بأنه يتخيل.

استدار نحو المدينة.

وأخذ الخطوة الأولى.

ثم الثانية.

ثم دخل.

وبمجرد أن ابتعد عن الباب، أغلق خلفه ببطء.

لم يسمع صوت الإغلاق.

كان هناك صوت آخر.

خطوة.

توقفت.

ثم خطوة ثانية.

رفع رأسه.

كان يقف وحده وسط الطريق المؤدي إلى المدينة.

لم يلتفت.

لم يجرؤ.

جاءت الخطوة الثالثة من خلفه.

ثم الرابعة.

ثم الخامسة.

شخص ما كان يتبعه.

وكان يقترب.

لكن هذه المرة…

لم يكن هناك همس.

فقط صوت خطوات مجهولة تتبعه في الظلام

2026/08/13 · 4 مشاهدة · 596 كلمة
نادي الروايات - 2026