الفصل 37: الرجل الحجري
/
ساد الغابة صمت مريب كأن الأشجار تحبس أنفاسها.
كان ضوء الشمس يتسلل عبر الأغصان بوجل، يلامس الأرض بخطوط باهتة ترتعش مع كل حركة.
كنت أتقدم بحذر، أزيح الشوك بيدي وعيناي تمسحان المكان. هدفي كان محدداً، لقاء : "رجل الصخر".
انفتحت الغابة بعد دقائق من المسير المضني على فجوة واسعة.
هناك، في قلب السكون، . كان رجل الصخر يبد كمجرد كتلة صخرية هائلة، بحجم إنسان ونصف تقريبا، متكوراً على نفسه في وضعية جنينية.
بدت قشرته الخارجية جزءاً أصيلاً من تضاريس المكان، غارقة في سبات عميق امتد لقرون.
وقفت على مسافة تضمن لي هامشاً للمناورة، وصرخت بصوت هز المكان :
"استيقظ!"
لم يأتِ الرد. كأنني أخاطب جبلاً أصم. التقطتُ حجراً صغيرا وقذفته بكل قوتي.
"طرق!".. رنّ صدى اصطدام الحجر بكتفه الصلب في أرجاء المكان.
فجأة، اهتزت الأرض تحت قدمي. تحركت المفاصل الحجرية ببطء ثقيل وصوت احتكاك مرعب.
رفع رجل الصخر رأسه لتستقبلني عيناه الواسعتان كأنهما فوهات كهوف مظلمة، ونظر إليّ بذهول وكأنه يرى شبحاً منسياً.
خرج من أعماق صدره صوت خشن يشبه تحطم الحصى، ليتمتم بكلمة واحدة:
"إنسان...؟"
تجمدت الدماء في عروقي.
(هل نطق بالعربية؟!)
اجتاحتني صدمة لم أحسب لها حساباً؛ لم أتوقع لغة بشرية من رجل صخر، ناهيك عن العربية الفصحى؟ هل هو تلاعب من "النظام"؟ لم يهم التفسير في تلك اللحظة؛ كان وقع لغتي الأم في هذا الجحيم كفيلاً ببث دفء مؤقت في قلبي.
لكن ذلك الدفء تبخر أسرع مما جاء.
بمجرد أن استعاد وعيه بالكامل، تلاشت ملامح الذهول وحلّ مكانها غضب وحشي لا يوصف.
ضرب رجل الصخر الأرض بقبضتيه الضخمتين، مهزاً الأشجار المحيطة وهو يصرخ بهستيريا:
"إنسان! إنسان! إنسان!"
كان يزأر بالكلمة وكأنها أقذر لعنة سمعها في حياته. تراجعتُ خطوة إلى الخلف والارتباك يعصف بعقلي. (ما خطبه؟ ولماذا كل هذا العداء؟ إن تصرفه هذا يضرب عرض الحائط بكل ما عرفته عن طبيعة "رجال الصخر" الهادئة، بل والكسولة!)
استحضرتُ في ذهني ما قرأته سابقاً في رواية "القس المجنون"؛ لقد عاش رجال الصخر في مجتمعاتٍ منظمة تشبه في هيكلها تجمعات البشر، لكنها مخفية في أعماق الأرض.
لم يكونوا كائنات اجتماعية بالمعنى الكامل، لكنهم بالتأكيد لم يكونوا وحوشاً فاقدة للإدراك.
في تلك اللحظة، داهمتني ريبةٌ قوية: هذا الكائن الذي يقف أمامي ليس سوياً، ربما فقد عقله تماماً.
لكن، ما الذي يفعله فوق سطح الأرض أصلاً؟ ولماذا يصرخ بهذا السعار؟ وفجأة، سرت قشعريرة باردة في عمودي الفقري حين لمعت الحقيقة المُرعبة في ذهني كبرقٍ خاطف: (ماذا لو لم يكن وحيداً ؟)
في هذا العالم الموحش، الصراخ ليس مجرد تعبير عن الخوف أو الغضب.. إنه "إشارة إنذار".
قفزتُ متراجعاً بكل قوتي، وفي تلك اللحظة بالذات.. انفجرت الأرض.
تصدعت التربة من حولي وخرجت أجساد رمادية صلبة من باطن الأرض كأنها كوابيس نبتت فجأة.
لم يكن واحداً، بل خمسة من رجال الصخر أحاطوا بي في لمح البصر، مشكلين حلقة من الموت المحقق.
تجمدت نظراتي على ثلاثة منهم؛ كانت تنبعث منهم هالة "الجوهر البدائي" بوضوح مرعب جعل الهواء يثقل من حولي:
اثنان منهم من الرتبة الأولى، أما الثالث... كان يفيض بقوة ضاغطة سحقت أنفاسي: "سيد غو من الرتبة الثانية!"
صرخت حواسي منددة بالخطر القادم؛ لم يعد هناك مجال للتساؤل أو التراجع.
قفز سيد الغو الحجري من الرتبة الثانية بعنف في السماء، قبل أن يهوي نحوي بسرعة فائقة.
( لديه غو حركي !) صرختُ داخلي وأنا أستخدم [غو التلاعب الحركي] مع [غو الأصل] للابتعاد.
حتى مع امتلاكي لمرحلة ذروة المرتبة الأولى و99% من الجوهر البدائي، كان قتال واحد ضد ستة لا يزال خطيراً جداً.
تجنبتُ أن أتحول لهريسة تحت قدمي سيد الغو، لكن في هذه اللحظة لمحتُ شيئاً يندفع نحوي بسرعة؛ كانت صخرة رماها رجل صخري فاني.
رفعتُ ذراعي وحولتها لمعدن بفضل [غو جسد الفولاذ] لصد الصخرة قبل التراجع للخلف أكثر.
"مهلاً توقفوا! لم آتِ لقتالكم، أريد التحدث فقط!" صرختُ وأنا أتجنب الضربات المتتالية.
كان المهاجمون ثلاثة رجال صخر فانيين، ورجلي صخر من رتبة سيد غو الاولى المرحلة المتوسطة ، وواحداً من الرتبة الثانية المرحلة الأولية؛ كان من الواضح أن مواهبهم منخفضة.
استطعتُ التهرب من أغلب هجماتهم لأن مهارتهم القتالية لم تكن عالية، لكنني لم أرد الهجوم إن كان ذلك ممكناً، فما زلت أريد التواصل معهم والوصول إلى تحالف.
"بشري لعين! هل تعتقد أننا سننتظر حتى تهاجمنا؟ مجرد وجودك أمامنا هو تمنٍ للموت!"
"نعم هذا صحيح، الأخ الأكبر محق.. البشر يجب قتلهم!"
"اقتلوا البشري! لا تسمحوا له بالابتعاد، حتى لو هرب سنلاحقه إلى الجحيم!"
صرخ سيد الغو من الرتبة الثانية قبل أن يتبعه الآخرون. لم أفهم لماذا يكرهون البشر لهذا الحد، لكنني لم أجرؤ على منحهم ظهري.
استمر رجال الصخر الفانون في رمي الحجارة نحوي، وكان أحد سيدي الغو من الرتبة الأولى يتحكم بالصخور الصغيرة ويلقيها نحوي بسرعة جنونية، بينما كان الآخر يملك غو حركياً يسمح له بالاندفاع للأمام كمذنب، وغو دفاعياً جعل جسده صلباً جداً.
أما الأخطر، فهو "الأخ الأكبر"؛ سيد الغو الصخري من الرتبة الثانية.
كان الغو الحركي الخاص به يبدو عادياً، فدفعه لجسده في الهواء جعل توقع موضع سقوطه سهلاً، لكنه بمجرد سقوطه كان أشبه بنيزك مدمر.
(إذا لم أتراجع في الوقت المناسب فسأسحق تحت قدميه!) شعرتُ بتهديد متزايد يهز عقلي.
حالياً، كنت أستخدم [غو الأصل] بكل قدرته لرفع إدراكي وردود فعلي وتعزيز قدرة احتمال جسدي وقدرات بقية الغو، وكنت أستخدم [غو التلاعب الحركي] للمناورة والمراوغة بسرعة.
وبين الحين والآخر، أستعين بـ [غو جسد الفولاذ] للدفاع أمام ضربات أسياد الغو التي لا يمكنني تفاديها، و[غو سرقة الظل] لتجميد حركة الأعداء.
لقد أردتُ تجنب قتلهم، خاصة بعد سماعهم يتحدثون بلغتي؛ كنت أراهم أكثر فأكثر كبشر.
لكن شعرتُ بدماغي يحترق من الاستخدام المكثف، وعضلاتي بدأت تتحول للون أحمر دموي، والغو الخاص بي بدأ يضعف ببطء.
لم أخض معركة مكثفة كهذه طيلة حياتي؛ سواء كان جسدي أو عقلي أو ديدان الغو، وبخاصة غو الأصل، بدا أن الجميع قد بلغوا حدودهم.
(إنهم ليسوا بشراً... إنهم أعداء!) صرختُ داخلي وأنا أصلب قلبي.
(في هذا العالم، القلب اللين هو أول طريق للهلاك. لقد كنت أعرف هذه الحقيقة، لكن يبدو أنني ما زلت ساذجاً!) فكرتُ في نفسي بأسف وأنا أتفقد منسوب الجوهر البدائي المتبقي في الفتحة: 30% فقط.
(هل ستنتهي قصتي هنا؟) للحظة غرق قلبي، قبل أن أتذكر وجه أبي وأمي وأختي. عائلتي لا تزال تنتظر عودتي إلى الأرض.
(أنا لن أموت هنا!) صرختُ داخلي وأنا أشد قبضتي مستخدماً كل خلية من عقلي.
طاقتي غير كافية لمعركة طويلة؛ أحتاج لحركة واحدة فقط تضمن لي الهيمنة والنصر المؤكد.
قفز الأخ الأكبر نحوي، لكنني لم أتراجع هذه المرة، بل اندفعتُ مباشرة نحو الموقع الذي قفز منه.
لم أستخدم الغو الدفاعي، تحويل جسدي لفولاذ سيبطئ حركتي، وكان عليّ المخاطرة؛ فإذا فشلتُ هذه المرة فلن أحصل على فرصة ثانية.
اندفعتُ بسرعة جنونية مع [غو التلاعب الحركي] و[غو الأصل].
تلقيتُ ضربات متعددة، أخطرها صخرة أصابت جانب رأسي وجعلت الدماء تنزف بعنف.
لكنني واصلة دفع جسدي للأمام .
"الأخ الأصغر!" صرخ الأخ الأكبر بجنون.
حاول الأخ الأصغر التراجع، وحاول الآخرون التقدم نحوه، لكن دون فائدة؛ فلا أحد يمكنه التحرك، كانت ظلالهم مثبتة بفضل [غو سرقة الظل].
عندما وصلت يدي لرأس أخيهم الأصغر، لم يتبقَّ معي سوى 15% من الجوهر البدائي، لكن هذا كان كافياً. باستخدام [غو الجسد الفولاذي]، تحولت أصابعي لشكل معدني صلب، وبالإضافة لقوة الخنزير والتعزيز من غو الأصل، سحقتُ رأس رجل الصخر في لحظة بين أصابعي.
"أخي!" ارتفعت صرخات ألم رجال الصخر الخمسة المتبقين .
صرختُ داخلي بسرعة: "بيع!"
تلاشى جسد رجل الصخر الفاني في لحظة .
[دينغ! حصل المضيف على 90 نقطة]
مرت موجة مباغتة من الارتياح عبر جسدي؛ فالآن أصبح الفوز شبه مضمون، لكنني لم أغفل عما حولي.
رفع أحد سيدي الغو الحجريين من الرتبة الاولى يده نحوي تشكلة رصاصة حجرية فوق كفه وتوجهة نحوي، لكنني قفزتُ متجنباً الهجوم بسرعة،
بمجرد أن إستقرة قدمي حملتُ صخرة ورميتها بقوة
بفضل قوة الخنزير وغو الأصل والتلاعب الحركي، أطلقتها كقذيفة مدفعية.
لم يمتلك الرجل الحجري الوقت الكافي للتحرك ولا السرعة الكافية للتهرب؛
ارتفع صوت تصادم صخري عنيف حين ضربت الصخرة رأسه وتفتت كلاهما في لحظة.
"أيها اللعين!" صرخ بقية رجال الصخر بجنون وعيونهم محتقنة بالدماء، لكن لم يستطع أي منهم التحرك.
لقد أرسلتُ كل ما تبقى لي من جوهر بدائي نحو [غو سرقة الظل] بجنون.
"لم يعد لدي أي جوهر بدائي، لكن هذا لا يهم،" ابتسمتُ بخفة وأنا أضع يدي داخل فمي وأعضها بقوة لدرجة أن أسناني احتكت بعظامي.
لقد نجحت الخطة مئة بالمئة، ومع هذه الفكرة صرختُ داخلي: (شراء!)
[دينغ! تم خصم 5000 نقطة بنجاح. جاري ترقية مستوى الزراعة للمرتبة الثانية - المرحلة الأولية]
شعرتُ بألم هائل يجتاح جسدي، لكنني عضضتُ يدي بقوة لمقاومته.
أخيراً، تركتُ يدي تسقط جانباً. الدماء التي سقطت من جبهتي غطت عيني اليسرى وجعلت الرؤية حمراء دموية، وقطرات الدماء سقطت من علامات الأسنان العميقة على كف يدي لتلون العشب الأخضر.
لكنني ابتسمتُ بنية قتال مشتعلة.
لقد وصلتُ إلى المرحلة الأولية من الرتبة الثانية، وكان جوهري البدائي ممتلئاً بنسبة 99%. نظرتُ نحو رجال الصخر ببرود:
"أنتم لستم بشراً... لا، حتى لو كنتم بشراً، طالما تعترضون طريقي فسأقتلكم."
سرتُ للأمام وهالتي ترتفع كبحر لا حدود له.. الآن فقط يبدأ القتال الحقيقي.