الفصل 44: العفو

/

​في أعماق كهف رطب وموحش، حيث لا يكسر حاجز الظلمة سوى رقصات لهب نار صغيرة تتآكل في الزاوية، كان الصمت ثقيلاً بما يكفي ليُسمع صوت الأنفاس المتعبة، وهي تصارع من أجل البقاء.

​رفعت حاجبي ونظرتُ نحو "رجل الشعر" الذي انهمك في طحن بعض الأعشاب الطبية بين يديه الخشنتين، كانت حركاته مضطربة، وعيناه تلمعان ببريق يمزج بين اليأس والأمل. سألتُ بنبرة مشككة، محاولاً إخفاء دهشتي:

"أهذا هو... صديقك؟"

​"نعم." رد بهدوء تام، دون أن يرفع عينيه عن عمله، وكأنه يخشى أن التفاتة واحدة قد تسرق ثانية ثمينة من عمر ذاك الكائن الممدد خلفه.

​في هذا العالم، عالم "الغو" القاسي، لم أكن لأندهش لو كان صديقه بشرياً منبوذاً، أو حتى من عرق "رجال الصخر" الصامتين.

لكن المشهد أمامي كان خارج حدود المنطق.

لقد كان وحشاً ضخماً، ثوراً أسود بقرون هائلة، الواحد منها أضخم من ذراعي بالكامل، جسده الذي يضاهي حجم حافلة ركاب كان ممدداً بلا حول ولا قوة؛ السم ينهش أحشاءه ببطء، ويحيل عضلاته الجبارة إلى كتل مشلولة.

​رغم حالته المزرية، كانت الهالة المنبعثة منه تفرض ضغطاً هائلاً على صدري، هالة تعلن بوضوح: (هذا ملك!).

اتسعت عيناي وأنا أتفحص كيانه بعمق: "هل هو... ملك عشرة آلاف وحش؟!"

​لقد أدركتُ فوراً حجم الخطر. ملك عشرة آلاف وحش ليس مجرد حيوان ضخم؛ إنه كارثة متنقلة.

قوتُه الفطرية تضاهي أسياد الغو من الرتبة الرابعة، ولو استعاد عافيته وقاد قطيعاً مسلحاً بديدان "غو" برية، لكان قادراً على مسح قرى كاملة من الخريطة.

​(هل يجب أن أقتله الآن قبل أن يستفحل أمره؟) تردد السؤال في عقلي كخنجر بارد.

نظرتُ إلى رجل الشعر وهو يضع "فطراً أخضراً مضيئاً" أمام فم الثور بيدي المرتعشتين. و لم أستطع كبح لساني: "أنت تعرف أن هذه النباتات لا يمكنها إنقاذه، صح؟ أنت فقط تؤجل المحتوم."

​"على الأقل ستمنحه وقتاً أطول..." رد الرجل بنبرة خافتة لكنها صلبة. "وفي النهاية، سأجد طريقة. لا يمكنني تركه يموت."

​راقبتهما بصمت. التف لسان الثور الضخم حول الفطر بجهد جهيد، بينما تناثرت رغوة الأعشاب المرة على وجهه.

كان منظراً يثير السخرية؛ محاولة عقيمة لإنقاذ كائن محكوم عليه بالموت.

لكن، لسبب ما، شعرتُ بوخزة في قلبي. في هذا العالم المتوحش الذي يحكمه قانون الغاب، تبدو هذه الطيبة الساذجة كجوهرة نادرة وسط كومة من القاذورات.

​"لحسن حظك... أن الحمقى اللعناء مثلك هم نقطة ضعفي."

تنهدتُ وخطوتُ للأمام. مددتُ إصبعي نحو جبهة رجل الشعر، فجفل وحاول التراجع، لكنني زجرتُه بنبرة حادة: "لا تتحرك، إذا أردتني أن أنقذ صديقك."

​تصلب في مكانه. وضعتُ إصبعي على جبهته، ونقلتُ "أفكاراً صلبة" من عقلي لتستقر هناك كضمانة؛ لستُ ساذجاً لأثق به تماماً. ثم اقتربتُ من ملك الوحوش وربتُّ على رأسه الضخم، زارعاً فيه ذات الأفكار.

​الآن، حان وقت العمل الحقيقي.

[فتح متجر النظام]

الرصيد الحالي: 3630 نقطة. (حصيلة شهر كامل من الصيد المجهد).

بدون تردد، أنفقتُ 700 نقطة.

[تم الحصول على: غو "التهام السم" (الرتبة الثانية)]

اختفى الغو من المتجر و ​بمجرد أن استقر بحري البدائي، شعرتُ بثقله. إنه غو للاستخدام مرة واحدة، وهذا يعني أن مفعوله قوي جدا.

"تفعيل!"

​صرختُ بداخلي، ووجهتُ جوهري البدائي نحو "غو الأصل" لدعم العملية.

فجأة، انفجر ضوء بنفسجي ساطع من فتحتي، وبدأت خيوط الطاقة تخرج من يدي لتتغلغل في جسد الثور.

ارتفعت هالة غو التهام السم لتصل إلى 250% من قوتها الأصلية بفعل دعم غو الأصل.

​بدأت الشقوق تظهر على غو التهام السم، وبدأ جوهري البدائي ينضب بسرعة مرعبة.

لكن في تلك اللحظة، شعرتُ برعشة غريبة تجتاح بحري البدائي؛ "غو الأصل"، الذي كان دائماً ركيزتي الصلبة، بدأ يصدر أنيناً روحياً خافتاً. وجسده الذي كان يشع بالحيوية صار باهتاً كقطعة زجاج متسخة.

لقد تجاوزتُ حدود طاقته القصوى، وأجبرتُه على ضخ قوة تفوق رتبته الحالية بمراحل.

​كان الثمن باهظاً؛ سقطتُ على ظهري والعرق يغطي وجهي، بينما انكمش "غو الأصل" في قاع الفتحة وتحول إلى حالة من السكون التام، وكأنه دخل في غيبوبة عميقة. (تباً... لقد أجهدته تماماً. سيحتاج لراحة طويلة جداً قبل أن يتمكن من دعمي مرة أخرى).

​ بمجرد اكتمال مهمته اختفى من يدي، وعاد غو التهام السم ليظهر في المتجر.لكن المهم انه نجح لقد نظف جسد الملك من السم تماماً

​رفع الثور رأسه بصعوبة، ونظر إليّ بعينين عميقتين كالبحر. كنت مستعداً للقفز والتراجع؛ فالوحوش البرية لا عهد لها.

لكن ما حدث كان غير متوقع؛ مد الثور لسانه الخشن الضخم، و"لعقني" من رأسي إلى قدمي بلطف، مبللاً ثيابي بالكامل.

​"مووووووو!"

أطلق صرخة مدوية هزت جدران الكهف، ثم عاد للنوم بعمق لأول مرة منذ أسابيع.

ضحكتُ بخفة وأنا أمسح اللعاب عن وجهي، وقلت بابتسامة متعبة:

"العفو.. أيها الضخم."

2026/04/11 · 20 مشاهدة · 701 كلمة
بلاكي
نادي الروايات - 2026