الفصل 46: ايام هادئة

/

​مرت الأيام القليلة التالية بهدوء ، وكأن غابة الحدود الجنوبية قررت منحنا هدنة مؤقتة.

كانت حالة "القرن الأسود" تتحسن بسرعة مذهلة؛ ذلك الجسد الضخم الذي كان يئن تحت وطأة الإصابة بدأ يستعيد حيويته، وصار الثور يقف على قوائمه الأربع، محركاً ذيله بقوة لطرد الحشرات، وبين الحين و الأخر يصدر خواراً منخفضاً يوحي باستعادتة عافيته.

​لم تكن تلك الأيام ضائعة بالنسبة لي. قضيت معظم وقتي رفقة "الشعر الذهبي" نتجول في المحيط القريب للكهف لجمع الأعشاب البرية والمواد الخام.

بالنسبة لمزارع "غو" مثلي، كانت هذه الجولات دروساً مجانية في مسار الصقل.

هذه المرة لم أعد أرتدي ملابسي المتسخة و القديمة بل ملابس خفيفة وواسعة منحها لي الشعر الذهبي.

كانت الملابس كبيرة الحجم جدا لكنها مقبولة على الأقل.

​"انظر يا أخ تشينغ فانغ، هذه العشبة ذات العروق الزرقاء تُسمى 'عشب الروح الباردة'. إذا صُقلت مع غو من مسار الجليد، فإنها تزيد من استقرار التفاعل"، قال الشعر الذهبي وهو يقتلع النبتة بحرص، وعيناه تلمعان بشغف فطري.

​كنت أستمع وأراقب بصمت، أحلل كل معلومة يلقيها. كانت أحاديثنا تدور حول تعقيدات دمج المواد، حيث كنت السائل و المتعلم . لكن الشعر الذهبي كان مستمتع بدور المعلم .

لم يكن هناك وعود بالولاء أو كلمات عاطفية، لكن نمت بيننا ؛ صداقة صامتة ولدت من الاحترام المتبادل.

​في صباح اليوم الخامس، حدث التحول.

​اقترب "القرن الأسود" بخطوات ثقيلة واثقة. لم يكن هناك أثر للضعف في عينيه.

توقف أمامي فجأة، وبحركة بدت غير متناسبة مع حجمه المرعب، حك رأسه الضخم بكتفي بلطف، وكأنه يمنحني "عناقاً" على طريقته الخاصة تقديراً لإنقاذه.

ثم استدار وكرر الأمر مع "الشعر الذهبي" الذي ضحك وهو يربت على جلد الثور السميك.

​"لقد تعافى تماماً"، قال الشعر الذهبي بنبرة يملؤها الارتياح، ثم التفت إليّ بجدية: "الأخ تشينغ فانغ، لقد ساعدتني. و الآن، القرن الأسود قوي بما يكفي لنقلك إلى أقرب قرية بشرية. هناك ستكون آمناً وسط بني جنسك، وسنكمل نحن طريقنا نحو هدفنا".

​ساد الصمت للحظات. كانت قرية البشر تعني الأمان. لكن في عقلي، كانت فكرة "ميراث الرتبة الخامسة" تنبض مثل طبول الحرب.

في عالم "القس المجنون"، الأمان هو وهم يسبق العاصفة، والقوة هي العملة الوحيدة التي تشتري لك حق البقاء.

​نظرت إلى "الشعر الذهبي" وقلت بصوت هادئ ومستقر: "لن أذهب إلى القرية لكني كنت سأسئل إذا كان الأخ يسمح لي بالإنضمام له في رحلته ".

​ارتسمت الدهشة على وجهه المشعر: "لكن... الرحلة التي تنتظرنا محفوفة بالمخاطر، ونحن نبحث عن سراب قد لا نجد منه شيئاً".

​ابتسمت و عيني تشع ببريق الطموح: "ميراث من الرتبة الخامسة ليس شيئاً يمكن للرجل أن يدير ظهره له ويرحل بسلام. مخاطرة الخروج بيدين فارغتين أهون عليّ من مخاطرة العيش بقلب نادم على فرصة ضائعة. سأرافقكم. قد لاتكون قوتي كبيرة مقارنة بالقرن الاسود لكن يمكن أن يفيدكم وجودي معكم في الكهف، وفي النهاية... يمكننا تقاسم ما نجده هناك".

​تردد "الشعر الذهبي" للحظة، ثم نظر إلى ثوره "القرن الأسود" الذي خار بصوت عالي، وكأنه يرحب بالرفيق الجديد.

مد الرجل المشعر يده الضخمة: "إذاً، لنذهب معاً يا أخ تشينغ فانغ. لعل القدر يبتسم لنا في ذلك الكهف".

​وهكذا، بدلاً من العودة إلى حضارة البشر، انطلقت في رحلة نحو المجهول، أطارد ظل خبير من الرتبة الخامسة في قلب جبال الحدود الجنوبية الوعرة.

2026/04/11 · 14 مشاهدة · 503 كلمة
بلاكي
نادي الروايات - 2026