الفصل 53: إرثُ قلبٍ لا يلين
/
أمسكتُ بـ "الغو" بلطف بين أصابعي، كان جسد الدودة الشفاف يلمع ببريق هادئ، وكأن داخلها سحابة من الحكمة المحبوسة.
أغمضتُ عيني وأرسلتُ أمراً للنظام لإعادة التأكيد.
[ دينغ! ]
[ الاسم: قلب التحصيل. ]
[ النوع: غو فريد - مسار الإنسان. ]
[ القدرة: تخزين ما يصل إلى 30% من مستويات التحصيل الخاصة بالمستخدم. ]
[ ملاحظة: لا يمكن استخدامه لتخزين التحصيل إلا من قِبل الشخص الذي قام بصقله حصراً. ]
(لماذا الصاقل فقط؟) تأملتُ النقطة الأخيرة بعمق.
في نفس الوقت، تذكرتُ طبيعة مسار الإنسان التي تعتمد على الجوهر البشري؛ صقل دودة غو كهذه لا يتم بالأعشاب أو المواد المعدنية، بل بالدم واللحم والعظام.
إنه غو فاني من الرتبة الخامسة، لكن قدراته تتجاوز المنطق، فهو لا يخزن جوهراً بدائياً، بل يخزن "الفهم".
شعرتُ برهبة عميقة.
مسار الإنسان ليس بالضرورة الأقوى في القوة التدميرية، لكنه بلا شك الأكثر رعباً وغرابة من حيث القواعد التي يفرضها.
بدون مزيد من التفكير، فعلتُ الغو.
طار الغو من يدي، وتحول إلى شعاع ضوئي اخترق جبهتي مباشرة.
"آآآآغغغ!"
انفجر الألم في رأسي كأن صاعقة من مسار البرق ضربت دماغي.
شعرتُ بجمجمتي تتمدد وتتقلص، وأظلمت الرؤية في عينيّ تماماً قبل أن أرتطم بالأرض غائباً عن الوعي.
لا لم يكن غياباً عن الوعي، بل كان انتقالاً لوعيٍ آخر.
عندما فتحت عيني. وجدتُ نفسي في جسد "وريث" لعشيرة كبيرة.
كنتُ أملك كل شيء، لكنني لم أهتم بالصراعات.
بينما كان إخوتي يتنافسون على السلطة، كنتُ أنا غارقاً في أفران الصقل.
في عمر العشرين . تولى أخي الأصغر قيادة العشيرة وكنتُ سعيداً بذلك، إلى أن حصل بالصدفة على ميراث لمسار الدم وأراد صقله.
لم أكن أكره مسار الدم بحد ذاته، فمثله مثل أي مسار آخر كما يمكن استخدامه للقتل، يمكن استخدامه للإنقاذ، لكن المشكلة كانت في ديدان الغو التي وجدها أخي؛ لقد تطلبت التضحية بالبشر لصقلها.
تركتُ العشيرة وأصبحتُ سيد غو هارباً.
مرت السنوات، ارتفعت قوتي، ومارستُ صقل الغو بلا توقف.
استخدمتُ دمي الخاص بدل إيذاء الأبرياء لإنشاء ديدان غو مسار دم تهدف لإنقاذ المصابين، ورفعتُ فهمي لهذا المسار بجانب مساريّ الحكمة والصقل.
في سن التسعين، أصبحتُ سيد غو من الرتبة الرابعة وبدأتُ أفكر في ترك ميراثي للأجيال القادمة.
لكن مهما كان ما سأتركه —سواء وصفات أو ديدان غو أو مواد صقل— لم يبدُ أي شيء كافياً.
في تلك المرحلة، جائني الإلهام: ماذا لو تركتُ عصارة فهمي وتجاربي طوال حياتي؟ ماذا لو تركتُ تحصيلي؟
بدا الأمر جنوناً، خاصة بالنسبة لمجرد سيد غو فاني، لكن القدر دعمني؛ وجدتُ "غو عمر" منحني 300 سنة إضافية.
مع وجود هدف محدد في قلبي، واصلتُ سعيي بلا توقف، ارتفع فهمي لمختلف المسارات، خاصة الدم والصقل والحكمة.
من خلال دراستي لمسار الدم وجسد الإنسان، ارتفع تحصيلي في مسار الإنسان بشكل ملحوظ.
في سن الـ 290، بجسدٍ منهك وروحٍ متقدة، نجحتُ في صقل [ غو قلب التحصيل].
وفي سن الـ 320، التقيتُ بذلك الرجل المشعر المثير للاهتمام.
شاهدني وأنا أصقل الغو ولاحقني طالباً أن أكون معلمه. رفضته في البداية، لكنه كان مصراً بشكل عجيب.
بعد خمس سنوات، وافقتُ.
لقد كان ذكياً ومخلصاً، والأهم أنه قدس مسار الصقل بكل جوارحه؛ شعرتُ أنه الوحيد الجدير بكونه تلميذي ووريثي.
في سن الـ 340، سمعتُ بوجود سيد غو من الرتبة الخامسة ذو قوة مرعبة، يتقن مسارات الدم والسم والعظام، ويستخدم البشر كغذاء ومواد صقل للغو.
كان بمثابة كارثة طبيعية زحفت نحو القرى القريبة، ولم أستطع تجاهلها.
لم أنتظر وصوله، بل اعترضتُ طريقه عند "قمة النسر العاوي".
كان اللقاء انفجاراً مرعباً هزّ أركان الجبل؛ لم يكن قتالاً عادياً، بل صداماً بين فلسفتين وتراكم قرون من الخبرة.
أطلق خصمي "مسار العظم والسم" بكل وحشية، فتحولت الأرض تحت أقدامنا إلى غابة من العظام الناتئة والمسمومة التي تفرز أحماضاً تذيب الصخر، بينما تلونت السماء بغيوم من "دم الجثث" الفاسد الذي يمطر موتاً.
في المقابل، استدعيتُ قوتي الكاملة.
واجهتُ سمومه بـ "مسار الحكمة"، مستخدماً خيوط الفكر لاستباق مسار هجماته وتفتيتها قبل وصولها.
بواسطة "مسار الصقل"، كنتُ أقوم بصقل طاقته الهجومية وتفكيكها في الهواء وتحويلها إلى جوهر بدائي يغذي دفاعاتي.
أما "مسار دمي"، فلم يكن دماً فاسداً كدمه، بل كان دماً نقياً ينبض بالحياة، يشكل دروعاً من العقيق الصلب وسيوفاً من الضوء القرمزي.
كان المشهد مروعاً: عظام ضخمة تنفجر لتصطدم بتروس من الحكمة المتوهجة، وأنهار من السم الأخضر تحاول ابتلاع وهج الصقل الذهبي.
دمرت المعركة مساحات شاسعة من الغابات، وانشقت القمم من شدة الضغط الجوي الناتج عن تصادم جوهرنا البدائي.
في ذروة الصدام، تمكنتُ من اختراق دفاعاته بضربة مدمجة من مسار الحكمة والصقل، مما أدى إلى تدمير "غو دفاع العظم" الخاص به وتسميم مسارات الجوهر في جسده بـ "فكر الصقل".
صرخ الشيطاني رعباً، وبدمٍ ينزف من كل مسامه، استعمل غو هروب وتحول إلى ضباب دموي هرباً نحو معقله السري في أعماق الكهوف.
لم أمنحه فرصة للالتقاط أنفاسه؛ لاحقته كظلال الموت، محطماً حواجز وكره واحداً تلو الآخر.
في قلب الظلام داخل وكره، وتحت ضغط جراحه القاتلة وهجومي الأخير، انتصرتُ عليه وقطع دابر شره.
لكنني لم أخرج من تلك المعركة دون ثمن؛ لقد تعرضتُ في اللحظات الأخيرة لهجمة انتحارية مسمومة دمجت بين مساري السم والدم، تغلغلت في نخاع عظامي.
مع بقاء كمية ضئيلة من الجوهر البدائي، كانت فرصة نجاتي لا تتعدى 30%. وبدلاً من المخاطرة، استخدمتُ دقائق حياتي الأخيرة لترك ميراثي.
/
عرفتُ بأسماء كثيرة طوال حياتي، لكن لا أحد منها كان يعبر عني حقاً. لذا، تمنيتُ في لحظاتي الأخيرة أن يحصل على هذا الميراث شخصٌ يحمل نفس قلبي وقيمي.
"الأخ تشينغ فانغ.."
اخترق الصوت طبلة أذني كأنه آتٍ من بئر سحيقة.
فتحتُ عينيّ بصعوبة، لكن الرؤية لم تكن واضحة؛ لم أكن أرى الغرفة أو "الشعر الذهبي"، بل كنتُ لا أزال أرى أطياف المعركة الأخيرة، ورائحة الدم والسم لا تزال عالقة في خياشيمي.
حاولتُ النهوض، لكن جسدي لم يشعر وكأنه ملكي.
شعرتُ بثقل غريب، ثقل قرون من الزمان لم أعشها بجسدي الفاني، لكن عقلي أصرّ على أنها حدثت.
كان رأسي يؤلمني وكأنه على وشك الانشطار؛ ضغطتُ على صدغيّ بقوة لدرجة أن أظافري كادت تغرز في جلدي
كان الصداع نابضاً، وفي كل نبضة، كانت تتدفق صور غريبة: وجوه أشخاص لم أقابلهم قط، وصفات صقل معقدة، ومشاعر حزن على تلميذ لم أملكه يوماً.
( ماكان اسمي ؟ )
(تشنغ فانغ؟ لا.. هذا مجرد قناع.. من أنا؟)
بدأتُ أتجول في ذاكرتي بيأس، كغريق يبحث عن قشة وسط محيط هائج.
حاولتُ العودة للوراء.. أبعد من هذا الاختبار، أبعد من عالم الغو المجنون هذا.
حاولتُ استحضار صورة غرفتي، شاشة حاسوبي، ضجيج الشارع في عالمي الأصلي.
فجأة، ظهرت صورة ضبابية.. امرأة تدخل الغرفة، ملامحها دافئة وصوتها يحمل حناناً لا يعرفه هذا العالم القاسي.
كان فمها يتحرك، تناديني باسمي الحقيقي.. الاسم الذي تركه "تشنغ فانغ" خلفه ليصبح سيد غو بارد الطبع.
تلك اللحظة كانت مرعبة؛ لقد شعرتُ للحظة أن ذكريات الـ 340 عاماً التي اكتسبتها من "قلب التحصيل" بدأت تغلف ذكرياتي الأصلية، تمسحها، تحولها إلى مجرد "حلم قصير" مقارنة بقرون من الصقل والمعارك.
( سليم! )
انفجر الاسم في عقلي كالصاعقة، محطماً قيود الذكريات الدخيلة.
"سليم"
هذا هو
لستُ سيد غو من الرتبة الخامسة، ولستُ مجرد "تشنغ فانغ" الباحث عن القوة. أنا سليم.
اهتز كياني بالكامل مع هذا الإدراك.
رحتُ أردد الاسم في سري، أنحته في جدران عقلي، أتشبث به كأنه المرساة الوحيدة التي تمنعني من الضياع في شخصية صاحب الميراث.
لقد كانت تجربة "التحصيل" مغرية لدرجة الموت؛ لكن لم اتوقع انه مع المعرفة، ستأتي المشاعر والطباع، وكدتُ أن أستيقظ لأجد سليم قد مات، ولم يبقَ سوى وعاء يحمل خبرة رجل مات منذ قرون.
"الأخ تشينغ فانغ.. لماذا تبكي؟ هل الألم قوي لهذه الدرجة؟"
سمعتُ كلمات "الشعر الذهبي" بوضوح هذه المرة، لكنني لم أجب.
مسحتُ الدموع التي انهمرت دون إرادتي.
لم تكن دموع ألم جسدي، بل كانت دموع الناجي الوحيد من كارثة محققة.
ما بدا لهم كإغماءة دامت ساعات، كان بالنسبة لي زلزالاً ضرب أساس وجودي.
الآن، وبينما أستعيد توازني، أدركتُ أنني حصلتُ على القوة والتحصيل، لكن الثمن كاد أن يكون أغلى مما أتخيل: هويتي الشخصية.
////////////
هي صديقي Not_person
المعنى الحقيقي و الذكريات لقد كنت محقاً في كِلا التوقُّعين.