الفصل 54: انصهار الأرواح
/
"شكراً لك."
ربتُّ بلطف على كتف "الشعر الذهبي".
في تلك اللحظة، حدث شيء غريب؛ تداخلت صورته مع صورة التلميذ الرجل المشعر في ذكريات سيد الصقل، انطبق المشهدان فوق بعضهما البعض لدرجة أنني لم أعد أميز بين الواقع والذاكرة الدخيلة.
احتجتُ للهروب.
سرتُ مبتعداً بخطوات ثقيلة، باحثاً عن هواء نقي وعن مساحة صامتة أستعيد فيها شتات نفسي.
بينما كنتُ أتغلغل في ظلال الغابة الشاسعة، كانت ذكرياتي تتجول في الفراغ من حولي كأطياف مهتزة.
رأيتُ الأرض؛ تذكرتُ ضجيج الآلات الحديثة، الطرق المرصوفة التي لا تنتهي، وجه عائلتي البعيد، وصورة نهاية العالم التي تركتها خلفي.
ثم قفزت ذكرياتي إلى عالم الغو؛ مرارة الأسبوع الأول، الصراع من أجل البقاء، القتال الذي لا ينتهي، ولقائي بالشعر الذهبي والقَرن الأسود.
تذكرتُ اسم "تشنغ فانغ" الذي نُوديت به آلاف المرات حتى كدتُ أصدق أنه اسمي.
وأخيراً، تلك الذكريات الضبابية لسيد الرتبة الخامسة.
شعرتُ بندمه العميق حين هرب من عشيرته بدلاً من إيقاف أخيه —وهو فعلٌ كان مستحيلاً حينها— لكنه تحول إلى ذنبٍ ينهش روحه، دافعاً إياه لقضاء حياته في مساعدة الناس تكفيراً عن تلك الخطيئة.
عشتُ معه سنوات التسكع في الحدود الجنوبية بلا مأوى، بلا منزل، كغريبٍ أبدي في هذا العالم.
شعرتُ بهوسه المتجذر بمسار الصقل، وتشرّبتُ خبرته العميقة وتجاربه المرة.
كل ذلك كان ينصهر في كياني، يغلي في مرجل وعيي.
(لكنني لستُ هو... أنا... أنا فقط سليم!)
قلتها بداخلي بإصرارٍ حديدي.
حتى لو كنا متشابهين في المبادئ، لن أسمح لهويته أن تمتص هويتي وتمحوها كأنها لم تكن.
بفضل هذه الذكريات وارتفاع مستويات تحصيلي، انبثق في عقلي فهمٌ جديد لـ "غو قلب التحصيل".
هذا الغو يجسد عصارة عمرٍ كامل.
أصغر مرتبة له هي الخامسة؛ وأي محاولة لاختزال قدرته في مرتبة أدنى لم تكن سوى حماقة.
لقد استنزف سيد الصقل فهمه العميق في مختلف المسارات وإلهامه الذي دام أكثر من 200 عام لصقل هذا الغو وحده.
إنه غو مذهل يتجاوز المنطق، أشبه بهجين بين مسار الإنسان ومسار الحلم، لكن كلفته كانت باهظة للطرفين الصاقل و المستعمل .
بالنسبة لي، كان الثمن صداعاً مدمراً وذكريات كادت تبتلع ذاتي.
أما بالنسبة له، فقد كان الثمن حياته حرفياً؛ اضطر لاستخدام قلبه البشري كمادة أساسية لإتمام الصقل ونقل التحصيل.
لولا استخدامه لغو بديل يحافظ على نبض جسده لدقائق إضافية، لمات قبل أن يضع الميراث في مكانه.
حتى مع تلك التضحية، كانت سعة الغو محدودة. لقد "التهم" الغو الجزء الأكبر من تحصيله ليتمكن من تخزين البقية.
في العامين الماضيين، كان تحصيلي في مسار الصقل ينمو ببطء، وربما كنت سأحتاج لسنوات لأصل لدرجة "شبه سيد". أما الآن؟ لقد قفزتُ مباشرة إلى شبه سيد كبير.
في الوقت نفسه، ارتفع فهمي لمساري الحكمة والدم إلى مستوى السيد، بينما وصل تحصيلي في مسار الإنسان إلى شبه سيد.
بالنظر إلى ذكريات صاحب الميراث، كان النقص واضحاً.
سيد الصقل كان قد بلغ مرتبة شبه سيد كبير عظيم على الأقل، لكن الغو استهلك ذلك الفائض الهائل ليرفع قدرته التخزينية.
أما المسارات التي لم يبلغ فيها عتبة "شبه السيد" —مثل مسار الحلم— فقد تبخرت تماماً؛ إما لعدم قدرة الغو على استيعابها، أو لأن الحمل الإضافي كان سيدمر الغو تماماً.
سرتُ أعمق في الغابة، وصورتان أخيرتان تنطبقان في ذاكرتي بلا نهاية: صورتي داخل المركبة الطائرة اللؤلؤة وأنا أحمل الحجر الذي ينبض كأنه قلبي، وصورته هو يطعم قلبه لغو قلب التحصيل.
(هل هذا نوع من التلميح؟) سألتُ داخليا ببرود.
قصة سيد الصقل بدت منطقية تماماً داخل سياق هذا العالم؛ طبيعته، تضحيته، قتاله ضد سيد الغو الشيطاني، و والد الشعر الذهبي الذي لم يستطع دخول الكهف بسبب السموم، لكنه عرف أنها ستختفي ولو بعد مئات السنين، لذا ترك الخريطة لابنه. ثم ذئاب "سم العظم" التي استوطنت الجبل لأن بقايا السموم الكثيفة جعلته منطقة مناسبة تماماً لعرقهم.
لكنني كنتُ أعرف حقيقة أخرى.
في رواية "القس المجنون"، من المستحيل للكاتب غو تشن رين أن يهمل شخصية عظيمة كهذه دون ذكر.
التفسير الوحيد هو أن "النظام" قد صاغ هذه القصة وكيّفها لتتلاءم بدقة مع نسيج عالم الغو.
كانت هذه حقيقة واضحة أمامي: عدم تقديم النظام لمهام مباشرة لا يعني الحرية، بل يعني أن كل خطوة هي اختبار خفي.
النظام يرمي بالفرص في طريقي ويحيطني بالمخاطر، تاركاً لي حرية الحركة، لكنه يراقب بصمت كيف أحصد النقاط وأثبت أحقيتي.
لكن كيف يحسب النقاط؟ وكيف يحدد أحقيتي؟ كنت أتمنى لو أعرف الجواب.
///////////
ملاحظة انصهار الأرواح بمعنى الافكار و الذكريات و ليس الارواح حرفيا