الفصل 55: الطاغية

/

​"غررررررررر!"

زمجرة حادة مزقت صمت تفكيري.

​لم يكن مجرد صوت؛ كان زلزالاً صوتياً شق سكون الغابة العتيقة، ومزق حجاب التأمل العميق الذي كنت غارقاً فيه.

أُجبر وعيي الغائب على العودة بعنف إلى جسدي، كأنما سُحب بسلاسل من حديد.

​رفعت رأسي ببطء.

الهواء من حولي استحال ثقيلاً، لزجاً، مشبعاً بنية قتل بدائية.

شعرت بحضور ضخم يقترب، ليس كحيوان مفترس، بل ككارثة طبيعية زاحفة.

​ثم، حدث الانفجار.

​تطايرت الأشجار العملاقة كأنها قش في مهب الريح، وتحطمت صخور صماء تحت وطأة أقدام جهنمية.

عبر هذا الدمار، برز الطاغية.

​كان أسداً مدرعاً، وحشاً بدا وكأنه خُلق من الكوابيس والصخور.

جسده الهائل مغطى بطبقات من حراشف قاتمة، صلبة كالفولاذ، تلمع ببريق معدني بارد تحت ضوء الشمس المتسلل.

كل خطوة من أقدامه المخلبية كانت تترك حفرة في الأرض، وتنضح بجوهر بدائي مرعب.

جسده يحمل ثلاثة هالات مرعبة تعادل قوة ثلاثة ديدان غو من الرتبة الثالثة في ذروة عطائها.

​كان هذا الوحش سيد هذه المنطقة، تجسيداً للموت والقوة الغاشمة.

لم يحتج إلى قطيع فقوته وحدها كانت كافية.

​ومع ذلك، وأنا أنظر إلى عينيه الحمراوين المتوهجتين بالجنون، كل ماشعرت به... كان الشفقة.

​لقد دخلتُ منطقة هذا الوحش قبل أن أدرك الأمر، نعم. لكنني لم أشعر بأي تهديد منه.

لم يعد هذا الوحش، مهما كان مرعباً، يمثل عائقاً أمامي.

​لم أعد الشخص الذي كنت عليه بالأمس.

الآن، كنت أقف مسلّحاً بـ "البنية الطافرة للقتال الأبدي"؛ غريزتي القتالية كانت حادة كالشفرة، وخبرتي في عالم الغو، التي صُقلت عبر سفك الدماء وتجاوز المحن، جعلتني أرى حركات الوحش قبل أن يقوم بها.

​والأهم من ذلك كله... ميراث معلم مسار الصقل.

​340 سنة من التجارب، الاختراعات، الإخفاقات، والنجاحات كانت تتدفق الآن في عقلي كنهر عظيم من المعرفة.

مع كل خطوة كنت أخطوها بعيداً منذ تركت الشعر الذهبي و القرن الاسود وخرجة لتجول ، كانت القوة في داخلي تحصل على نقلة جديدة، قفزة نوعية لم يسبق لها مثيل.

​في عقلي، كانت الأفكار تتصادم بعنف وجنون؛ وصفات غو غير مكتملة بدأت تكتمل، تقنيات عظيمة منسية بدأت تتبلور، وتقنيات جديدة كلياً تبزغ من فهمي المتقدم والعميق لمسارات الغو.

​لقد كنت مخطئاً... يا له من خطأ فادح.

​ظننت أن معلم مسار الصقل كان ضعيفاً لأنه اختار طريق "البناء" وإنقاذ الفانين.

لكنني أدركت الآن الحقيقة المرعبة: لكي تختار إنقاذ الناس في عالم يغلي بالشياطين والكوارث، يجب أن تمتلك القوة الكافية لسحق الشياطين ومنع تلك الكوارث.

لم يكن ضعيفاً؛ بل كان يمتلك قوة مرعبة حتى بين النخبة، قوة جعلته يختار طريقه بثقة.

​ربما لم أحصل على الذكريات الدقيقة، أو وصفات الصقل، أو حركات القتال الكاملة، وربما لم أحصل على مستويات التحصيل الكاملة من الذكريات.

لكن، بفضل طبيعة "البنية الحقيقية للقتال الأبدي"، حصلت على أهم شيء: عمق الفهم، والتجربة القتالية الكاملة لمعلم الصقل طيلة حياته.

​منذ استيقاظي وحتى هذه اللحظة، مع كل لحظة تمر، كانت قوتي تنمو متجاوزة حدود خيالي، لتصل إلى آفاق لا يمكنني حتى رؤية نهايتها.

​عند ظهور الوحش، نقلت وعيي فوراً نحو الفتحة، استعداداً للمعركة.

لكن، الصدمة كانت بانتظاري.

​خلال الساعات التي كنت فيها غائباً عن الوعي، وصل منسوب جوهري البدائي إلى 100%.

كان الجوهر البدائي يضغط على جدران الفتحة بعنف، كبركان هائج على وشك الانفجار.

طالما كنت حريصاً على تخفيض منسوب جوهري البدائي باستمرار للحفاظ على الفتحة، وكسب فترة إضافية قبل التدمير الذاتي. وبالمثل، كان إهمالها يقربني من الزوال.

​كان عليّ تفريغ هذه الطاقة فوراً، وبأكثر الطرق دماراً.

​رفعت كف يدي بهدوء، وأمرت مجموعة من ديدان الغو بالعمل معاً في تناغم مثالي :

(غو قوة الهالة، غو سرقة الظل، غو الأصل، غو الأفكار الصلبة، غو التلاعب الحركي، غو اندفاع الجلمود).

​في هذه المرة، لم أعد بحاجة لاستخدام قدرات الغو بشكلها الأساسي فقط؛ بل يمكنني التلاعب بجزء من المفهوم الأكبر للقدرة.

مثلاً، [غو سرقة الظل] يمكنه التلاعب بالظلال، لكن من خلال استخدامه كمدخل لمسار السرقة، يمكن إنشاء حركات قاتلة مرعبة من مسار السرقة.

​وهكذا، ولدت حركة قاتلة جديدة، صممتها عبر الإلهام الآني، دمجت فيها مساري الحكمة والقوة:

​"الحركة القاتلة: [هالة الحكمة المتفجرة]!"

​شددت قبضتي بقوة هائلة، فتشكلت هالة ضخمة من القوة الصرفة حول يدي، تئن بضغط غير طبيعي.

ثم، فتحت يدي بهدوء، وتحكمت بالهالة لأضغطها إلى كرة صغيرة متوهجة فوق كف يدي، كرة بدت بريئة لكنها كانت تحتجز طاقة تدميرية هائلة.

​دفعُت شلالاً من "الأفكار الصلبة" لدمجها مع كرة الهالة.

​نظرت نحو كرة الهالة بعمق للحظة... كنت فضولياً بشكل قاتل: إلى أي حد ستكون قوتها مدمرة؟

​بهذه الفكرة، حررت كرة الهالة التي انطلقت كقذيفة موجهة نحو جبهة الأسد المدرع.

​الوحش، مستشعراً الخطر المطلق، زأر بعنف، ونمت الحراشف حوله بسرعة، وازدادت ضخامة وقوة، لتحول جسده لشيء أشبه بدبابة مدرعة هائلة، غير قابلة للاختراق.

​رغم ذلك، كانت قوة رصاصة الهالة الضخمة التي انفجرت مباشرة عند جبهته قادرة على جعل رأسه يترنح بعنف شديد.

​لكن الأمر لم ينته هنا.

بمجرد انفجارها، تدفقت "الأفكار الصلبة" نحو رأس الأسد الضخم كتسونامي مدمر، محطمةً دفاعاته العقلية وإدراكه تماماً.

​يبدو أنه اراد أن يزأر بعنف، لكن قبل أن يستطيع ذلك، حدث الهجوم النهائي.

​من السماء، سقطت عليه ثلاث سلاسل عظمية ضخمة، كل واحدة منها مغطاة بهالة قوة تدميرية مطلقة، تزمجر برغبة في المحو.

​ طرااااااااااااخ!

​اهتزت الأرض بعنف وجنون تحت وقع القوة المدمرة اللامتناهية.

تصاعدت الأتربة لتشكل سحابة غطت المكان. وتحول جسد الوحش الضخم، إلى عجينة من اللحم والعظام في لحظة واحدة.

​نظرت نحو البقايا المحطمة، وفكرت في نفسي: (لقد بالغت في تقديره... مع حالته هذه قيمته في المتجر ستكون منخفضة جداً).

​حتى ديدان الغو خاصته ماتت بالكامل تحت وطأة هذا الدمار.

​كنت بحاجة لبعض الوقت، والكثير من التدريب، للسيطرة على قوتي الجديدة بالكامل وتوجيهها بدقة.

أدرتُ ظهري للمكان بخطوات بطيئة وواثقة، تاركاً خلفي أشلاء "طاغية" سُحق بطريقة بائسة ومهينة، لم يترك وراءه حتى جثة سليمة، بل مجرد بقعة دماء ستجف و تتلاشى كما تلاشى وجوده، بينما تابعتُ طريقي نحو آفاق لا اعرف حدودها.

2026/04/14 · 14 مشاهدة · 904 كلمة
بلاكي
نادي الروايات - 2026