57 - أيها النظام اللعين... سأحطمك!

​الفصل 57: أيها النظام اللعين... سأحطمك!

//

​تحركت بخطوات هادئة، رتيبة، تكاد لا تترك أثراً على تراب الطريق المؤدي إلى القرية.

كان المسار سالكاً بشكل مريب، والهدوء الذي يلف المكان جعلني أكثر حذرا.

​نحن في الحدود الجنوبية، أرض العشائر والنزاعات الدائمة.

في مثل هذه المناطق، تعج المسارات بدوريات أسياد الغو، لكنني لم ألمح طيفاً لأحدهم طوال أميال.

​استمررت في التقدم لعدة دقائق، حتى اخترق مسامعي ضجيج اشتباك معدني صاخب مع صيحات قتال عالية.

في تلك اللحظة، أدركت : العشيرة تحت الحصار، وكل القوى الدفاعية سُحبت إلى الداخل في محاولة يائسة للبقاء.

​"لا! اتركني! ابتعد عني!"

​فجأة، مزقت صرخة استغاثة أنثوية رقة الهواء.

قبل أن يصدر عقلي أمراً، كان جسدي قد استجاب بالفعل.

تحركت أطرافي بدافع غريزي غريب، وكأن حماية صاحبت هذه الصرخة مبرمجة في عمق حمضي النووي.

​انطلقت كالسهم بين الأشجار، محطماً الأغصان بسرعة جنونية، بينما بدأت كرة من الهالة تتكثف فوق كفي، تنبض بطاقة مدمرة.

​"تعالي إلى هنا أيتها العا—!" لم يمهله الموت لينهي شتيمته.

بينما كان قاطع الطريق يحاول سحب الفتاة بعنف، اخترقت كرة الهالة جمجمته، ليتفجر رأسه كبطيخة ناضجة، ناثراً مادة دماغه في الهواء كلوحة دموية مقززة.

​"من هناك؟!" زأر قائد قطاع الطرق، وهو سيد غو من الرتبة الثالثة.

فجر هالته دفعة واحدة، محاولاً فرض ضغط روحي على المكان، لكن ردي كان ثلاث سلاسل عظمية ضخمة انبثقت من العدم واندفعت نحوه كأفاعٍ من الجحيم.

​حاول الصد، لكن ضد القوة الغاشمة؛ ارتد جسده في الهواء كقذيفة مدفعية قبل أن يصطدم بجذع شجرة ضخمة.

​عندما استعاد توازنه بصعوبة، تجمدت الدماء في عروقه.

انعكست صورتي في عينيه المتسعتين برعب كونيّ.

​كنت أقف هناك، وعشرات كرات الهالة المظلمة تحوم حولي كأقمار مشؤومة، بينما تخرج السلاسل العظمية البيضاء من يدي كأنها وحوش أسطورية تستعد لابتلاع العالم.

كانت هالة الرتبة الثالثة مدعومة بـ جوهري البدائي الفائق، مما جعل الهواء من حولي يثقل ويتحطم، الضغطٌ المرعب سيجبر حتى ملوك الألف وحش على الانحناء رعباً.

​وجهي، الذي صبغه غضب لا حدود له، لم يعد وجهاً بشرياً؛ كان قناعاً لشيطان أفلت لتوّه من أعماق الجحيم.

​(علينا الهروب.. هذا الشيء ليس بشراً!)

قرأت أفكاره في عينيه، لكن "الهروب" لم يكن خياراً مطروحاً على طاولتي.

​قبل أن يرمش، اندفعت كرة هالة مظلمة نحوه بسرعة تتجاوز الإدراك.

شبك يديه في محاولة يائسة للمقاومة، لكن الثقل الهائل سحق دفاعاته وضغط على جسده حتى كادت عظامه تتفتت.

ربما ​ظن لوهلة أن الأسوأ قد مر، لكن الرعب الحقيقي بدأ عندما تغلغلت الأفكار الصلبة المخزنة داخل الهالة إلى وعيه.

نهشت تلك الأفكار دماغه كدودة جائعة.

رفع رأسه للسماء ليطلق صرخة أخيرة، لكن سلسلة عظمية ضخمة التفّت حول عنقه كالأنشوطة وسحبته نحوي بعنف.

​أمسكت برأسه، وبقبضة محملة بكل ثقلي، وجهت لكمة فجرت ما تبقى من كيانه، لتصبغ دماؤه الأرض تحت قدمي.

​التفتُّ ببرود نحو البقية.

أسياد غو من الرتبة الأولى والثانية.. حثالة لا تستحق عناء التفكير.

بكلمة واحدة من إرادتي، رقصت السلاسل العظمية واندفعت كرات الهالة، تحول المكان إلى مسلخ بشري.

صرخاتهم لم تدم طويلاً، وسرعان ما ساد الصمت مجدداً فوق الجثث المشوهة.

​سرت وسط الأشلاء نحو أفراد العشيرة المرتجفين.

لم ينظروا إليّ كمنقذ، بل ككابوس أسوأ من الذي سبقه.

​توقفت عيناي على ثلاثة أشخاص في المنتصف: رجل مصاب، وامرأتان.

​تحركت قدمي نحوهم دون إرادة مني.

تراجعت الفتاة الشابة للوراء واختبأت في أحضان والدتها، بينما زحف الأب بجسده المنهك ليقف حائلاً بيني وبين عائلته.

​"أيها المنقذ.. أنا وعشيرتي نشكرك.." صرخ بصوت حازم رغم ارتعاشه، وضم يديه بوضعية الاحترام، لكن عينيه كانتا تقدحان بشرر الاستعداد للموت دفاعاً عنهم.

​تلك الحركة جعلتني أضرب الأرض بعنف لأندفع نحوه بسرعة لم أعهدها في حياتي. أمسكتُ بكتفه وأوقفته وأنا أصرخ بصوت يرتجف:

"أرجوك.. أرجوك لا تفعل!"

​كان يحاول أن ينحني لي احتراماً، لكن ذلك الفعل هشم آخر خيوط الصواب في عقلي.

لأن هذا الرجل الذي يقف أمامي.. ملامحه، صوته، كبرياؤه.. كل شيء فيه كان يصرخ بهوية والدي.

​رؤيته ينظر إليّ بعداء وحذر كانت تعتصر قلبي، أما أن ينحني أمامي، فهذا ما لا يمكن لروحي تقبله.

خلفه، كانت أمي تحتضن أختي المرتجفة وتنظر إليّ بعيون يملؤها الذعر.

تخيلت هذا اللقاء آلاف المرات في أحلامي، لكن ليس بهذا البؤس.

ليس وأنا الغريب المرعب في أعينهم.

​أطبقتُ أسناني بقوة مفرطة حتى سمعتُ صوت تصدعها، وانساب طعم الدم المعدني المر في حلقي، بينما صرخت روحي بغضب جنوني مزق كياني من الداخل:

​(أيها النظام اللعين... سأحطمك!!!)

2026/04/14 · 16 مشاهدة · 672 كلمة
بلاكي
نادي الروايات - 2026