الفصل 58: صدى في الفراغ.. ووهم مؤلم

/

​ساد صمت خانق داخل الغرفة الخشبية، لم يقطعه سوى صوت البخار المتصاعد من كؤوس الشاي الخزفية، ورنين خفيف لقطرات المطر التي بدأت تداعب سقف الكوخ.

كان الهواء ثقيلاً، مشبعاً برائحة خشب الأرز القديم والبخور الذي يفوح منه عبق "الوطن"؛ تلك الرائحة التي ظننت أنني فقدتها للأبد في دهاليز هذا العالم القاسي.

​"أيها البطل الشاب.. لولا تدخلك في الوقت المناسب، لكانت دماء أهل هذه القرية قد روت الأرض اليوم. شكرنا لن يوفيك حقك مهما فعلنا، لقد أعدت لنا الأمل بعد أن أوشكنا على الفناء."

​رفعت الكأس إلى شفتي بحركة آلية تخلو من أي حياة.

ثم أجبت بصوت مبحوح خرج من حنجرتي كحفيف أوراق جافة تذروها الرياح:

"لا داعي لكل هذا الثناء.. قمت بما كان يجب فعله ، أي شخص في مكاني كان سيفعل ذات الشيء."

​لكني كنت أكذب.

لم أكن "أي شخص"، ولم يكن هذا الفعل مجرد "واجب".

أمام طاولة الطعام، كان يجلس جينغ يوان. رئيس القرية، سيد غو من الرتبة الثالثة الأولية.. والنسخة الحية -أو هكذا خُيل لي- من والدي الحقيقي.

نفس التجاعيد المحفورة حول العينين حين يبتسم، نفس النبرة التي تمزج بين وقار القادة ولين الآباء، حتى الطريقة التي يمسك بها كأس الشاي كانت تثير قشعريرة في عمودي الفقري.

​كان "الحجر" اللعين قد برع في محاكاة أعمق ذكرياتي، لدرجة أنني شعرت وكأنني أجلس أمام شبح بُعث من الماضي ليحاكمني بنظراته.

​نظرت إلى المائدة؛ كانت عامرة بما لذ وطاب من خيرات القرية.

أطباق مزينة بالأعشاب البرية واللحوم المشوية التي كانت لتسيل لعاب أي مسافر منهك في هذه البراري.

لكن بالنسبة لي، بدت الأطباق كأنها مصنوعة من الشمع أو البلاستيك.

كانت عيناي خاويتين، كعيون أسماك ميتة لا تبصر سوى الفراغ الذي يبتلع روحي.

​لم أستطع تذوق شيء، رغم يقيني أن هذا الطعام أفضل بمراحل من حساء الأعشاب المرة ولحم الوحوش القاسي الذي كنت أتقاسمه مع "الشعر الذهبي" في الأيام الماضية.

كانت غصة في حلقي تمنعني من الابتلاع، وشعور بالغثيان يسري في جسدي مع كل حركة تصدر من الرجل أمامي.

​(كيف يمكنني أن آكل بسلام وأنا أعرف أن هذا الرجل، وهذا الكرسي، وهذا الطعام، ليسوا سوى بيانات برمجها "الحجر" بدقة ليلعب بأوتار قلبي؟ إنها مجرد مسرحية، وأنا الممثل الوحيد الذي يعرف الحقيقة.)

​"هاهاهاها!"

​انفجرت ضحكة جينغ يوان المجلجلة لتقطع حبل أفكاري السوداء وتجبرني على العودة للحاضر الزائف.

هز رأسه بإعجاب وهو يراقب برودي الذي ظنه تواضعاً: "أيها البطل الشاب، فلسفتك فريدة حقاً.. 'البشر متساوون ولا حاجة للانحناء'. في عالم يحكمه القوي بقبضة من حديد ويُسحق فيه الضعيف تحت الأقدام، كلماتك هذه تبدو كأنها قادمة من عالم آخر.. عالم مثالي لا نعرفه هنا."

​"أوه.. نعم، ربما،" رددت بفتور، محاولاً تجنب النظر في عينيه مباشرة حتى لا أفقد صوابي.

لقد منعتهم من الانحناء لا سمواً في الأخلاق، بل لأنني لم أكن لأحتمل رؤية ملامح والدي وهي تذل أمامي.

​لكن الكلمات التي حبستها في صدري بدأت تضغط على جدران حلقي، مرارة الحقيقة كانت أقوى من أن تُكتم:

"في الواقع.. أنت تشبه والدي إلى حد مرعب. ملامحك، نبرتك.. حتى ضحكتك. لهذا السبب وحده.. لم أحتمل رؤيتك تنحني لي."

​توقفت حركة جينغ يوان المفاجئة، ووضع كأسه ببطء مدروس على الطاولة.

ساد صمت ثقيل، صمت يمكنك فيه سماع دقات قلبي المتسارعة، قبل أن يسأل بنبرة يملؤها الحذر والتعاطف:

"تشبه والدك؟ اعذر تطفلي يا بني، ولكن هل حدث شيء لوالدك؟ هل هو.. بخير؟"

​حاولت رسم ابتسامة باهتة، لكنها خرجت كأخدود عميق في وجهي المجهد:

"أنا أسأل نفسي هذا السؤال في كل لحظة تغمض فيها عيناي.. وأتمنى لو أملك الجواب الشافي. لقد مر زمن طويل منذ افترقت عن عائلتي في ظروف لم أخترها. وكل ما أفعله الآن، كل خطوة أخطوها في هذا الجحيم، هي لدفع نفسي للأمام حتى أستطيع العودة لهم وحمايتهم من أي خطر قد يتربص بهم."

​تنهد جينغ يوان بصوت وقور، وبدت ملامحه وكأنها تتقمص حزن السنين في لحظة واحدة:

"أنا أفهم هذا الوجع جيداً.. اسمع تشينغ فانغ، لي ابن في مثل عمرك تقريباً، يشبهك في عنادك ونبل عينيك. غادر القرية منذ سنوات طويلة بحثاً عن 'القوة' والمجد. قال وهو يرحل إنه سيعود ليكون الدرع الذي يحمي أمه وأخته والقرية بأكملها.. لكنه لم يعد حتى يومنا هذا."

​لمعت في عينيه تقلبات عاطفية معقدة؛ فخر مكسور، وحنين مرير، وخوف دفين أخرجه للعلن:

"لقد كان فتى أحمق، لم أوافق يوماً على ذهابه، لكنه فعلها على أي حال. إنه ابن عاق.. لكنه ابني في النهاية. وأنا ممتن لك لأنك أنقذت هذه القرية؛ فعلى الأقل، إذا قرر ذلك الأحمق العودة يوماً، سيجد بيتاً ينتظره.. وسأحصل على الفرصة الأخيرة لتأنيبه على رحيله بحماقة، ثم احتضانه."

​"نعم.. سيفعل."

​رددت باختصار، لكن داخلي كان ينهار كقلعة رملية أمام الأمواج.

(هل سيكون هناك شخص يشبهني لحماية عائلتي في فترة غيابي؟ ماذا لو عدت ووجدت أن كل ما تعذبت لأجله، كل التضحيات والدماء، قد تبخرت في مهب الريح؟ ماذا لو لم يتبقَّ لي بيت أعود إليه؟)

​بدأت الأفكار تتسارع في رأسي كإعصار مدمر

(لا.. توقف! هذه محض خدعة سيكولوجية من النظام لكسر إرادتي. عليّ السيطرة على مشاعري فوراً. لقد شرح علماء اللؤلؤة الأمر لي بالفعل؛ الزمن هنا أسرع بعشرات أو مئات المرات من الأرض. ما يمر عليّ هنا كأعوام هو مجرد أيام هناك. هم بخير.. عائلتي تحت حماية منظمة النهضة، ومن المستحيل أن يصيبهم شيء في ظل وجود تلك الإمكانيات!)

​رغم محاولاتي اليائسة لإقناع نفسي، كان نبض قلبي يقرع في أذني كطبول الحرب، وعرق بارد بدأ يتصبب من جبيني.

ضغطت بقوة على أسناني حتى شعرت أنها ستتحطم، ثم قبضت على يدي تحت الطاولة حتى ابيضت مفاصلي وغرزت أظافري في لحمي، وصرخت في أعماقي بوعيد يزلزل كياني: "الآن يمكنني فقط الاستمرار بدفع نفسي للأمام، سأصبح أقوى من أي وقت مضى. سأتجاوز الفانين ثم اسياد الغو الخالدين و بعدها الموقرين ثم النظام ذاته ولكن، إذا حدث شيء لعائلتي، إذا اكتشفت أن أحدهم قد مس شعرة منهم.. فسأسحق هذا الحجر اللعين، وسأبيد منظمة النهضة عن بكرة أبيها، ولن يوقفني أحد!"

​"أيها البطل.. أيها البطل الشاب؟"

​اخترق صوت جينغ يوان الضباب الكثيف الذي لف عقلي، ليعيدني فجأة إلى الواقع المرير داخل تلك المحاكاة، حيث رائحة الشاي الوهمي تملأ المكان.

2026/04/15 · 18 مشاهدة · 946 كلمة
بلاكي
نادي الروايات - 2026