الفصل 59: عهد في جوف الوهم
/
"أيها البطل الشاب؟ هل أنت بخير؟ لقد شردت بعيداً.."
اخترق صوت جينغ يوان الضباب الذي لفّ عقلي.
نظرت إليه، وكان قلبي لا يزال يقرع في صدري بعنف.
ملامحه القلقة، الطريقة التي يميل بها برأسه، حتى تلك الرعشة الطفيفة في يده وهو يضع كأس الشاي.. كل شيء كان يبدو حقيقياً لدرجة مؤلمة.
تنحنح جينغ يوان، وظهرت على وجهه علامات التردد، وكأنه يبتلع غصة مرة قبل أن يكمل بصوت خفيض: "أعتذر لقطع حبل أفكارك، أعلم أنك منهك.. لكن، رغم امتناني العميق لما فعلته، إلا أن قلبي لا يعرف الطمأنينة. هؤلاء الذين هزمتهم عند البوابة.. ليسوا مجرد قطاع طرق عابرين كما ظننا."
ساد صمت ثقيل، غيّم على الغرفة الخشبية الدافئة. تابع جينغ يوان، وعيناه تلاحقان البخار المتصاعد:
"إنهم جزء من عصابة 'الرياح السوداء'، يقودها ثلاثة أسياد غو شيطانيين من الرتبة الثالثة. ذاك الذي أرديته قتيلًا.. كان يُلقب بالذئب الثالث، وهو أضعفهم. لا شك أن الاثنين الباقيين سيصلهم الخبر قريباً. وحينها.."
توقف صوته للحظة، وبدا وكأن جسده قد انحنى تحت ثقل الهم، ثم أكمل بمرارة:"لن يأتوا للنهب هذه المرة، بل سيأتون للإبادة، انتقاماً لأخيهم. القرية في خطر أعظم مما كانت عليه قبل وصولك."
نظرت إلى كأسي، وشعرت ببرودة تسري في أطرافي. أجبت بصوت خافت، حاولت أن أجعله ثابتاً رغم الاضطراب الذي يعصر أحشائي:"إذًا.. فعلتي اليوم لم تكن إنقاذاً كاملاً. لقد أخرت الموت فقط، بل وربما جلبتُ كابوساً أكبر على رؤوسكم بمجرد أن سفكتُ دم قائدهم."
ساد صمت مطبق.
رأيت ملامح الحرج ترتسم بوضوح على وجه جينغ يوان، وبدا وكأن كلماتي قد أصابته في مقتل.
انكمش في جلسته، وظهرت على وجهه علامات الندم وكأنه يشعر بالذنب لأنه حملني مسؤولية مصيرهم.
"أنا.. لم أقصد إلقاء اللوم عليك،" تمتم جينغ يوان وهو يطأطئ رأسه، وعيناه تعكسان انكساراً لا يوصف، "أنت ضيفنا ومُنقذنا، ولم يكن يجدر بي أن أفسد طعم طعامك بمخاوفنا. لقد قمتَ بما يفوق طاقتك بالفعل، ونحن مدينون لك بحياتنا حتى هذه اللحظة."
كان منظره وهو منكس الرأس، بنفس الملامح والهالة التي يمتلكها والدي، يمزق شيئاً ما بداخلي.
شعرت بطعنة في كبريائي؛ كيف يمكنني أن أدع هذا الرجل -حتى وإن كان وهماً- يشعر بهذا القدر من الهوان أمامي؟
(إنه ليس والدي..) حدثت نفسي بصمت، محاولاً استجماع شتات عقلي.
(هذا المكان ليس حقيقياً، إنه مجرد عالم وهمي خلقه الحجر، فخ سيكولوجي صممه النظام ليختبر نقاط ضعفي ويحطم إرادتي عبر تجسيد أغلى ما أملك. والدي الحقيقي لا يزال هناك، في العالم الحقيقي، ينتظر عودتي.)
لكن، رغم هذا اليقين المنطقي، كانت يدي ترتجف أسفل الطاولة.
هل يهم حقاً إن كان وهماً إذا كان الألم الذي أشعر به الآن حقيقياً؟ كيف يمكنني أن أشاهد هذا الوجه يُذبح أو يُهان؟
نظرت إلى الرجل مجدداً، وبالرغم من الصدمة التي لا تزال تزلزل كياني، شعرت بموجة من المسؤولية تجاه هذه النسخة.
"جينغ يوان.."
نطقت الاسم ببطء، متذوقاً كل حرف فيه.
شعرت بغرابة الاسم على لساني، لكنني استخدمته كدرع لأذكر نفسي بأن هذا ليس والدي. ومع ذلك، لم أستطع كبح نبرة الاحترام التي تسللت إلى صوتي.
"لا تدع الحرج يسيطر عليك يا رئيس العشيرة جينغ يوان،" قلتُ بصوت هادئ، محاولاً تخفيف وطأة كلماتي السابقة، "لقد بدأتُ هذا الطريق، ولن أتركه في منتصفه. لن أسمح لهؤلاء الشياطين أن يلمسوا شبراً من هذه الأرض، ولا أن يروعوا سكاناً آمنين."
اتسعت عينا جينغ يوان بذهول ممزوج بالأمل، فتابعتُ بجدية حازمة: "سأقوم بحمايتك وحماية عائلتك، مهما كان الثمن، ومهما كانت قوة هؤلاء الأسياد الشيطانيين. اعتبر هذا عهداً مني.. لن تضيع تضحية من ماتو اليوم سدى."
في تلك اللحظة، داخل ذلك العالم الوهمي الذي خلقه الحجر، لم أكن أقسم لجينغ يوان فقط.
كنت أقسم لذاك الأب القابع في ذاكرتي، وكأنني أعلن لتحديات هذا النظام اللعين: حتى في أوهامكم، لن أسمح لوالدي أن يُسحق.
"أيها البطل الشاب.. أنا لا أعرف ماذا أقول.." تمتم جينغ يوان وعيناه تلمعان بتأثر حقيقي.
لكني اكتفيت بهز رأسي، وضغطت على قبضتي بقوة. المعركة القادمة ليست مجرد قتال ضد أسياد غو، بل كانت معركة لحماية ما تبقى من إنسانيتي داخل هذا الوهم الكبير.