الفصل 75: غو العنكبوت حفار الأرض

//

​داخل غرفة النزل الهادئة، جلستُ على كرسي خشبي قبالة طاولة صغيرة.

​أمامي، جلس فانغ يوان.

كان يرتشف الشاي بلامبالاة تامة، ولا يبدو عليه أي استعجال، قبل أن يكسر الصمت:"إذن... أنت صديق قديم لوالدي؟"

​"نعم." أجبت بخفة، ووضعت كوبي.

في الحقيقة كان والدا فانغ يوان شخصيتين جانبيتين لم تذكر اسمائهما حتى لكنني خلال تجولي في القرية استخدمة مسار الحكمة للحصول على معلومات كافية عنهما.

​رمقني فانغ يوان بنظرة عميقة، باردة، وتخترق العظام. من الواضح أنه لم يصدق كلمة واحدة مما قلته. لكنه، كعادته، لم يعترض.

​لقد توقعت هذا. هذه هي طبيعة فانغ يوان. حتى لو كان هذا المسار الزمني هو ما قبل صقل "زيز ربيع الخريف"، وحتى بدون ذكريات الخمسمائة عام، كان ذكاؤه حاداً وإدراكه مرعباً.

​إنه لا يتحرك بتهور أبداً. يدرس الوضع ببطء كأستاذ شطرنج متمرس. هو لا ينظر للرقعة الحالية، بل يقرأ عشرين خطوة للأمام؛ هل هذه مؤامرة؟ من يقف خلفها؟ وما هو الهدف؟ هل المواجهة المباشرة ستجلب خطراً أكبر، أم أن التظاهر بالغباء ومسايرة الخصم هو الحل الأمثل؟

​نظرتُ إليه، محاولاً تحليل تيار أفكاره مستعيناً بمعرفتي المسبقة بالرواية وتحصيلي كسيد في مسار الحكمة.

​كلما تعمقت، ارتفع تقديري له. فهمتُ الآن لماذا حاك عمه وزوجة عمه كل تلك المؤامرات المعقدة لقمعه حتى بعد أن سقط إلى القاع بتصنيف موهبته الضعيفة.

ذلك لأنه كان ذكياً منذ البداية، وهذا تحديداً ما جعله خطراً يهدد وجودهم.

​بدأ فانغ يوان يرمي شباكه، يطرح أسئلة متعددة ومبطنة حول والديه في عالم الغو، محاولاً استدراجي لأي زلة لسان.

​لم أقع في الفخ. لم أجب عن الكثير، بل اكتفيت بشرح علاقتي بوالده على أنها دين قديم؛ حياة مقابل حياة.

​لم يعترض، لكنه مال برأسه قليلاً وسأل: "وهل تعتبر تلك العلاقة... صداقة؟"

​ابتسمت بهدوء: "لست متأكداً إن كان والدك سيوافقني، لكن من منظوري... نعم."

​ظهر شبح ابتسامة ساخرة على شفتيه: "أنت تعلم أن البشر العاديين بالنسبة لأسياد الغو ليسوا سوى حشرات، كائنات من منزلة أدنى."

​رفعتُ كوب الشاي، ونظرت في عينيه مباشرة: "وأنت سيد غو... أليس كذلك؟"

​للحظة، التمعت عينا فانغ يوان. لقد كان يجلس ويشرب الشاي مع إنسان فانٍ، لكن ذكرياته من الأرض منحته مناعة ضد التحيز الأعمى الذي يعمي أسياد الغو في هذا العالم.

ومع ذلك، كان يتساءل في قرارة نفسه: لماذا لا يملك هذا الشخص الفاني أمامي ذرة من الخوف والرهبة الطبيعية المطبوعة في دماء البشر تجاه أسياد الغو؟

​مرت الدقائق ونحن نتجاذب أطراف الحديث.

​حين رأيت نظرته الحالية للعالم، شعرت بنوع من الارتياح.

الشاب الجالس أمامي الآن لم يكن بعد "شيطان المسار الشيطاني" العظيم. بل كان مجرد شاب بارد، شديد الحذر، يحاول النجاة بكل السبل.

إنه من ذلك النوع الذي يردُّ الجميل بمثله، والصاع صاعين؛ فهو لا يقتل لمجرد القتل، ولا يسعى خلف المنفعة المجردة، على عكس نسخة فانغ يوان من الرواية.

​للحظة، راودتني فكرة مجنونة. فانغ يوان هو نصف شيطان من عالم آخر، شخص يحمل تياراً من الحظ سيقوده لعشرات الفرص العظيمة. هل هناك حليف أقوى منه؟ هل يمكنني ضمه لجانبي؟

​لكن... بينما تشعب حديثنا ولامس طبيعة عالم الغو، حدث شيء جعل دمي يبرد.

​تغيرت عيناه.

​البحيرة العميقة الهادئة التي كانت في مقلتيه اختفت، وحلت محلها هاوية سحيقة، مظلمة ولا حدود لها.

في قاع تلك الهاوية، رأيت المستقبل بوضوح؛ رأيت الشيطان الذي سيغرق العالم بأنهار من الدم.

​كان ينظرُ إليّ، وهو يبتسمُ ببرود.

​لقد أغفلت الحقيقة المطلقة. قدر هذا الرجل محتوم. عالم الغو لم يحول فانغ يوان إلى شيطان، بل قشر الطبقات السطحية ليحرر الشيطان الذي كان يغفو في أعماقه منذ البداية!

​خمسمائة عام من التجارب القاسية لم تغير جوهره، بل جعلته يتقبله.

حين تخلى عن قيم عالمه الأصلي وإيمانه الزائف بالبشرية، كسر الشيطان أغلاله.

​أغمضت عيني للحظة. وحين فتحتهما، كان هدوئي قد عاد.

​أخذت رشفة من الشاي لأبرد حرارة أفكاري. لا يهم متى سيحدث التحول الأخير، لكن فانغ يوان سيصبح شيطاناً، وهذه حقيقة لا تقبل الجدل.

​عدلت خطتي في أجزاء من الثانية. تخليت عن أي وهم بتجنيده. كل ما أحتاجه الآن هو الحفاظ على هذا الخيط الرفيع بيننا، طريقة تضمن لي مراقبته عن كثب في المستقبل، دون أن أقف في طريقه.

​بعد دقائق إضافية من الحديث الموزون، افترقنا. ​وبمجرد أن خرجت، كانت خطتي الجديدة قد اكتملت. بالطبع، الأمر يحتاج إلى وقت وصبر لرفع مستوى ثقته بي، ولو قليلاً.

​ابتعدتُ عن أعين عشيرة "غو يوي" المتطفلة نحو منطقة مهجورة.

​بتلويحة من يدي، نشطتُ غو "إخفاء القوة" من الرتبة الثالثة، لتتلاشى هالتي تماماً. ثم استدعيت غو "أجنحة القوة" من الرتبة الرابعة. شققت الهواء نحو هدفي الثانوي ميراث زهرة راهب الخمر.

​مع تحصيلي العالي في مساري القوة والحكمة، لم يستغرق الأمر سوى بضع ساعات لتفكيك آليات الميراث وتجاوز قيوده.

​لقد نهبت المكان بالكامل. سحقت قردة عيون اليشم، جمعت كميات هائلة من حجر اليشم، وصادرت حتى بعض ديدان الغو البرية التي لم تُذكر قط في أحداث الرواية الأصلية. وفي النهاية، جلست أنتظر دودة الخمور حتى ظهرت، وأمسكت بها دون عناء.

​لكن كل تلك الغنائم لم تكن تعني لي شيئاً. عيناي كانت مركزة على كنز واحد فقط.

​غو العنكبوت حفار الأرض... الرتبة الخامسة!

​معظم ديدان الغو في حوزتي كانت من الرتبة الثالثة فما دون، باستثناء غو "قوة الذات"، "الجهد الشامل"، و"قوة المجموعة" من الرتبة الرابعة. و غو "تشي الأم الصفراء والسوداء" من الرتبة الخامسة، وكنت أدرك جيداً الرعب الذي يسببه استهلاك الرتبة الخامسة للجوهر البدائي، حتى مع جوهري الفائق الطافر.

​لكن هذا العنكبوت، كان يستحق كل قطرة طاقة.

​كان يقبع أمامي؛ غو ضخم، مهيب، ينتمي لمسار الأرض. جسده مغلف بوشاح من الدروع الصخرية القاتمة التي ترفض الكسر، وأرجله تشبه مثاقب فولاذية خُلقت لتمزيق أصلب أنواع التربة كأنها طين رخو.

​سرعته المرعبة في حفر الأنفاق تجعله أداة النجاة المطلقة للهروب تحت الأرض، متجاوزاً أي دفاع سطحي. وبإمكانه تحويل أي ساحة معركة إلى فخ مميت، ساحباً الخصوم لدفنهم أحياء في الظلام.

​ليس هذا فحسب، بل يعمل كرادار فائق الحساسية للاهتزازات، يكشف أي حركة فوق الأرض أو تحتها من مسافات شاسعة، ويفرز مادة صمغية لتقوية جدران الأنفاق ومنع انهيارها، مما يسمح بخلق قواعد سرية لا يمكن اختراقها.

​وفوق كل هذا، كونه من الرتبة الخامسة، فإن مجرد بيعه سيجلب ثروة قادرة على قلب الموازين.

​لو لم يكن الغو ضعيفاً، مصاباً، ومسمماً بسبب معاركه القديمة، لكان إخضاعه في مستواي الحالي ضرباً من المستحيل. وبما أن فانغ يوان غائب عن المشهد، لم أتردد ثانية واحدة في انتزاع الميراث.

​بدأت عملية المعالجة.

​كنت قد استعددت جيداً طوال الرحلة؛ جمعت ديدان غو علاجية، مواد صقل لتنقية السموم، والنوع الدقيق من الغذاء الذي يحتاجه هذا الوحش الصخري.

​بعد ساعات من التركيز المنهك، مسحت العرق عن جبهتي.

​توهج الدرع الصخري للعنكبوت مبشراً بتعافيه. عاد لذروته، رغم أن الطعام الذي وفرته كان بالكاد يسد رمقه، لكنه على الأقل لن يتضور جوعاً في الأشهر القادمة.

أتى الآن التحدي الأكبر؛ فقد كنت أضعُ عدداً كبيراً من ديدان الغو داخل الفتحة الأبدية، ومن بينها غو الأم الصفراء والسوداء من الرتبة الخامسة. ورغم أن جدران الفتحة الأبدية تتجاوز جدران فتحة أسياد الغو العاديين بما لا يُقاس، إلا أن لها حدوداً هي الأخرى.

وضع غو أخر من الرتبة الخامسة في الفتحة الأبدية من الرتبة الثالثة سيولد ضغطاً هائلاً يمزق جدران الفتحة ويسرع التدمير الذاتي.

​لكنني كنت مستعداً. لم أدخله إلى الفتحة الابدية.

​استدعيت الأسد المجنح. جسده الضخم وقوته الفطرية جعلاه الوعاء المثالي لحمل هذا الغو نيابة عني. استقر العنكبوت على ظهر الأسد، ليصبح رفيق سفر جاهزاً للتفعيل في أي لحظة.

​بالنسبة لي، لم يكن غو العنكبوت حفار الأرض مجرد أداة. لقد كان تذكرة عبور، المفتاح الذهبي الذي سيفتح لي أبواب الميراث القابع في جبل "باو فو".

2026/04/22 · 15 مشاهدة · 1171 كلمة
بلاكي
نادي الروايات - 2026