الفصل 77: هيمنة الطاغية

/

​ساد صمت ثقيل أعقب اتهام شيخ العشيرة لي.

كانت نظرات الحقد المنبعثة من حاشية "فانغ تشينغ" والازدراء البارد في عيني الشيخ تنصبّ عليّ بالكامل، كسهام مسمومة تنتظر إشارة الانطلاق.

وقفتُ مكاني بملامح لا مبالية، كأنني مشاهدٌ غريب يراقب مسرحية مملة لا تعنيه، رغم أنني كنت المخرج الفعلي لكل خيط في هذا المشهد.

​بينما كان الجميع ينتظر رؤية علامات الذعر على وجهي بصفتي "بشرياً فانياً"، خطى "فانغ يوان" خطوة إلى الأمام.

​رغم جسده المنهك ووجهه الشاحب، إلا أن عينيه السوداوين كبئر سحيقة كانتا تلمعان بذكاء حاد.

لقد حلل فانغ يوان الموقف في رمشة عين؛ الاعتماد عليّ أنا، الغريب المجهول، هو مقامرة خطرة، لكنه أدرك أن تركي للسقوط يعني ربطه مباشرة بتهمة الخيانة، فمصيره الآن معلق بمصيري.

​تنحنح فانغ يوان، ووجه نظره نحو شيخ العشيرة باحترام مصطنع لا يخلو من دهاء، وقال بصوت جهوري:

"أيها الشيخ المحترم، أقدر حرصك البالغ على أمن العشيرة. لكن، أليس من العجلة اتهام شخص بالتجسس دون أدنى دليل مادي؟"

​توقف لحظة، ثم تابع مستغلاً ثغرات قوانين العشيرة :

"وفقاً لقانون عشيرة غو يوي: لا يجوز اعتقال أي فرد داخل حدود القرية دون جرم مشهود. هذا الرجل دخل قبل مدة من مد الذئاب بصفة تاجر وقدم لي المساعدة. اعتقاله بناءً على مجرد شكوك قد يرسل رسالة خاطئة للقوافل التجارية بأن قرية غو يوي لم تعد ملاذاً آمناً."

​كان دفاعه بارعاً؛ لقد جعل من قوانين العشيرة درعاً، وحول القضية من "شك شخصي" إلى "تهديد لمصلحة العشيرة الاقتصادية". والأهم من ذلك، أنه برر اقترابي منه بطريقة تتيح له التنصل مني بسهولة إذا ساءت الأمور.

​(فانغ يوان، حتى في حياتك الأولى، مكرك لا يستهان به).. فكرتُ في نفسي بابتسامة مخفية.

​تجمدت الابتسامة على وجه "فانغ تشينغ"، لكن شيخ العشيرة لم يكن من النوع الذي يقتنع بمنطق يأتي من "تلميذ فاشل".

نظر إلى فانغ يوان بازدراء شديد، فبالنسبة له، رتبته الثالثة هي القانون الوحيد الذي يعترف به.

​"فانغ يوان، أيها الجاهل الصغير،" قال الشيخ بنبرة جليدية، "هل تجرؤ على استخدام القوانين لتعلمني واجبي؟"

​لم ينتظر رداً. رفع يده، وأطلق موجة عاتية من جوهره البدائي الأخضر الداكن.

لم تكن هجمة قاتلة، بل ضغطاً خالصاً لهالة سيد غو من المرتبة الثالثة، تهدف لإذلال فانغ يوان وإجباره على الركوع.

​رأيتُ فانغ يوان يتراجع، جسده يرتجف تحت الثقل الخانق.

"أغخ!.." خرجت منه صرخة مكتومة، لكنه قاوم مستخدماً كل ذرة إرادة في روحه لكي لا ينهار تماماً. لقد تم قمع ذكائه بقوة غاشمة لا ترحم.

​واصل الشيخ تقدمه نحوي، متجاوزاً فانغ يوان كأنه حشرة لا تستحق الالتفات. مد يده ليقبض على عنقي وهو يقول: "والآن، أيها الجرذ، سنرى من أرسلك..."

​في تلك اللحظة، قررتُ أن العرض الحقيقي قد بدأ. لم أتراجع خطوة، ولم يشعر قلبي بذرة خوف. بل على العكس، ارتسمت على شفتي ابتسامة ساخرة جعلت الشيخ يتردد لبرهة.

​فعلتُ حركتي القاتلة: [الطاغية].

​بـوووووووووووووم!!!

​انفجرت هالة مرعبة من جسدي، لم تكن مجرد طاقة، بل ثقلاً وجودياً غلف المكان.

فجأة، أظلمت السماء فوقنا، وظهر خلفي شبح ضخم لمسار القوة، بارتفاع عشرات الأمتار، كيان عملاق بحجم جبل صغير يطغى على المنازل ويحجب الضوء عن العيون.

​لم يدم ظهور الشبح طويلاً، فبلمحة عين، انكمش واندمج بالكامل داخل جسدي.

​في تلك اللحظة، تدفقت قوة لا حدود لها في عروقي. لم أعد أبدو فريسة، بل أصبحتُ المفترس الأعلى في هذا الجبل.

تراجع الجميع في ذعر، وسقط العديد منهم أرضاً من هول الصدمة. حتى فانغ يوان، رغم ثباته، نظر إليّ بذهول لم يسبق له مثيل.

​"هـ-هذه الهالة..." تجمّد شيخ العشيرة، وتحول وجهه المتغطرس إلى شحوب الموت. همس برعب: "سـ-سيد غو من الرتبة الخامسة؟! مستحيل!"

​لقد ابتلع الطعم بالكامل.

باستخدام [غو اختفاء القوة] لإخفاء مستواي الحقيقي، ودمج [غو تشي الأم الصفراء والسوداء] مع [غو هالة القوة] ضمن الحركة القاتلة، خلقتُ هذا الضغط الوهمي المرعب.

لم أكن بحاجة لرتبة خامسة حقيقية؛ فجماليّات القوة الخام كانت كافية لتضليله وتحطيم معنوياته.

​قبل أن يجد القوة للدفاع، أطبقتُ عليه بـ غو "هالة القوة" و "تشي الأم".

​شعر الشيخ بجسده يتجمد، وكأن يداً خفية وعملاقة انتزعته من فوق الأرض. بدأ يطوف في الجو، معلقاً بلا حول ولا قوة، مقيداً كطائر صيد وقع في فخ فولاذي لا فكاك منه.

حاول تفعيل غو الدفاع الخاص به، لكن جوهره البدائي ظل راكداً، مشلولاً تحت وطأة ضغطي.

​بينما كنتُ على وشك إنهاء هذه المسرحية، انطلقت ثلاثة شخصيات سريعة من اتجاه قاعة العشيرة.

​هبط رئيس عشيرة غو يوي واثنان من الشيوخ أمامي مباشرة.

اعتلت وجوههم صدمة وحذر شديد وهم ينظرون إليّ، ثم إلى الشيخ المعلق في الجو كدمية مكسورة.

​"هذه أراضي عشيرة غو يوي، أي ضيف عليه التصرف باحترام!" أطلق رئيس العشيرة، غو يوي بو، هالته من الرتبة الرابعة كمد جارف.

لكنني قابلتُ ذلك بابتسامة وسرتُ نحوه بلامبالاة، وكأن ضغطه مجرد نسيم عابر.

​كانت هذه طريقتي الصامتة في إعلان القوة: ضغطك لا يعني لي شيئاً.

​لم تعد ملامح الزعيم توحي بالهيبة، بل غطاها وجوم وحذر. فرؤية "شبح مسار قوة بحجم الجبل" في قرية صغيرة هو أمر يكسر كل منطق يعرفه.

فعل غو الدفاع الخاص به لكنه لم يهاجم؛ فإخضاع شيخ من الرتبة الثالثة بهذه السهولة جعلهم يدركون أن الحل السلمي هو الخيار الوحيد لتجنب كارثة.

​وضعتُ الشيخ على الأرض بجانب رئيس العشيرة، وقلت بصوت جهوري هز الأركان: "لقد قامت عشيرة غو يوي باتهامي ومهاجمتي دون دليل.. وأنا أطالب بالتعويض!"

​اتسعت عيون الشيوخ والشباب؛ هل يقوم هذا الخبير المتخفي بابتزازهم في عقر دارهم؟ بينما لمح غو يوي بو في هذا المطلب مخرجاً؛ فإذا كان الأمر يتعلق بالتعويض، فيمكن حله بالمال والموارد بدلاً من الدماء، خاصة مع اقتراب مد الذئاب من بلوغ ذروته قريبا.

​نظر رئيس العشيرة نحوي بعمق وسأل ببرود: "ما نوع التعويض الذي تطالب به؟"

​في تلك اللحظة، شعرتُ وكأن آلاف الحشرات تحيط بجسدي.

كان غو يوي بو يستخدم مجموعة غو الرصد الخاصة به، محاولاً اختراق ستاري.

شعرتُ بإرادته تلتف حول جسدي، لكن مع "الحركة القاتلة الطاغية"، كان نجاحه مستحيلاً، رغم أن الضغط سرع من استهلاكي للجواهر البدائية.

​بدون تردد، مددتُ يدي وأمسكتُ بإرادة غو يوي بو المحيطة بي.

​تراجع غو يوي بو بذهول، واتسعت عيناه.

لم يعد يهمه مستواي الحقيقي بقدر ما همه أنني "كيان لا يمكن لعشيرة غو يوي العبث معه"، أو احتمال انني مدعوم من قوة خفية مرعبة.

​"رئيس عشيرة غو يوي.. أطالب الأشخاص الذين أهانوني بالاعتذار،" قلتُ بهدوء.

​"أهذا كل شيء؟" سأل أحد الشباب بعدم تصديق.

​حتى غو يوي بو والشيوخ رفة جفونهم. كان الاعتذار إهانة صغيرة لكرامة العشيرة، لكنه أهون بكثير من خسارة موارد ضخمة كتعويض .

​"نعم، أريد اعتذاراً لي ولصديقي فانغ يوان الذي تعرض للقمع والإهانة،" أضفتُ بلهجة حازمة.

​ضيق غو يوي بو عينيه. لم يكن يهتم للشيخ، لكن "فانغ تشينغ" هو أمل العشيرة، وإرغامه على الاعتذار قد يكسر كبرياءه للأبد.

​أخيراً سأل: "قبل ذلك، أيها البطل الشاب، لا أظن أنك عرفت بنفسك."

​نظرتُ إليه ببرود. كنت أعلم أن هذا الثعلب لن يستسلم بسهولة. أخرجتُ من طيات ملابسي شعاراً كُتب عليه اسم "تي شوي لينغ" بأحرف بارزة.

​اهتزت عيون كبار العشيرة؛ المحقق العظيم من عشيرة تي! رغم أن الشعار لم يكن رسمياً تماماً، إلا أنه كان كافياً لبث الرعب في قلوب حذرة مثل قلوبهم.

​"هل أنت من عشيرة تي؟" سأل رئيس العشيرة بصوت متهدج.

​"لا،" أجبتُ بوضوح، "اسمي تشينغ فانغ، سيد غو متجول. كنت في عزلة مع معلمي الذي سمح لي بالخروج لرد دين قديم لفرد من عشيرة غو يوي. وفي طريقي، شهدتُ تعرض عشيرة جينغ لهجوم شيطاني، فوقفتُ لحمايتهم، وصادف ذلك مرور المحقق تي شوي وابنته، ومن هنا بدأت صداقتنا."

​شرحتُ الأمر باختصار، ملمحاً لوجود "معلم" مجهول كدعم خلفي، ومظهراً عمق علاقتي بعشيرة تي.

​نظر غو يوي بو إليّ بعمق، ولم يجد بداً من التصديق أو على الأقل الحذر من التكذيب.

اتخذ قراره بسرعة، وأشار لشيخ العشيرة ولـ "فانغ تشينغ" ومجموعته بالاعتذار.

​ساد الذهول. تقدم الشيخ، الذي كان أكثر حكمة، واعتذر بهدوء مصطنع.

أما فانغ تشينغ والشباب، فقد خفضوا رؤوسهم بوجوه قبيحة غطاها البؤس والغضب المكبوت.

​بالنسبة لفانغ تشينغ، كانت هذه اللحظة هي لحظة الانهيار؛ العبقري الذي ظن أنه تجاوز شقيقه، يجد نفسه اليوم ينحني بعجز معتذراً له. كان حلمه الجميل يتحطم على صخرة الواقع.

​أما فانغ يوان، فقد وقف هناك ببرود الموتى، لم يلتفت لاعتذاراتهم، بل كانت عيناه ترصدانني بدقة، كأنه يحاول فك شفرة الكيان الذي يقف أمامه.

2026/04/23 · 21 مشاهدة · 1278 كلمة
بلاكي
نادي الروايات - 2026