95 - حطام الأسياد.. وظلال الماضي المنبعثة

الفصل 95: حطام الأسياد.. وظلال الماضي المنبعثة

/

​استيقظتُ والعالم من حولي ليس سوى دوامة من الألوان الباهتة والضجيج الصامت.

فتحتُ عينيّ بصعوبة بالغة، وكأن جفوني قد خيطت بأسلاك من الرصاص.

الصداع لم يكن مجرد ألم؛ كان أشبه بآلة حفر صدئة تمزق نسيج دماغي من الداخل، بينما جسدي.. جسدي كان يئن تحت وطأة وهنٍ مرعب، وكأن كل خلية فيه قد أُحرقت حتى التفحم.

​لم يكن الأمر غريبًا.

"الكارثة"، تلك الحركة القاتلة التي أطلقتها، لم تكن مجرد تقنية غو عادية. لقد كانت استنزافًا وحشيًا، رفع قسريًا لقوة الطاغية بما يتجاوز إحتمال بنيتي الجسدية الفانية. تفعيلها لفترة طويلة كان بمثابة محاولة لرفع جبل شاهق فوق ظهر بشري؛ كان ثمن تلك القوة المطلقة هو تحطيم الحاوية التي تحملها.

​الألم الحارق كان يسري في عروقي بدلًا من الدم، ومع كل نبضة قلب، كنت أشعر برأسي يكاد ينقسم إلى نصفين.

​(ماذا حدث؟.. أين أنا؟)

​بدأت شظايا الذاكرة المتناثرة تعود كشفرات حادة تطعن وعيي. المعركة.. الفوضى.. والموت الذي كان يتربص خلف كل زاوية.

فجأة، اهتز عقلي بعنف مع استعادة مشهد واحد: دان كو.

​لقد انضم ذلك الرجل إلى المعركة بين النمر المجنون و سيف الظل الوهمي . لكنه لم يكن وحشًا هائجًا مثل النمر المجنون، بل كان خبيرًا في مسار الصقل والحكمة، رجلًا يقاتل بعقله قبل يديه.

​(لقد كان قابلاً لإتمام صقل غو الفتحة الثانية.. موهبته ليست مجرد عبقرية. لا يمكنني السماح لمثل هذا العبقري المهم بأن يضيع من بين يدي).

​تصارعت الأفكار في ذهني بينما كنت أقاوم الرغبة في التقيؤ من شدة الدوار.

استجمعت قواي وناديت بصوت مبحوح مزقته الدماء الجافة في حلقي:

"باي غوي!.. بسرعة، أين هو دان كو؟"

​انبثق طيف السلحفاة الضخمة، روح الأرض، من العدم. لم تنطق بكلمة، بل اكتفت بإيماءة بطيئة برأسها الهائل نحو الخلف: "إنه هناك".

​استدرتُ بسرعة، فتسبب الحراك المفاجئ في طعنة ألم حادة في عمودي الفقري.

لكن ما رأيته جعل الحيرة تشل تفكيري للحظة.

​كان دان كو يجلس هناك بوقار غريب، يرتشف الشاي بهدوء مستفز . وبجانبه، كان جسدا النمر المجنون وسيف الظل الوهمي ملقيين كالجثث الهامدة، فاقدي الوعي تمامًا.

لم تكن هناك جروح مميتة عليهما، بل كانا يغطان في سبات عميق قسري؛ يبدو أن أسلوبًا مرعبًا من مسار الحكمة قد استُخدم لختم وعيهما وإخضاعهما بالكامل.

​(هل فعل هذا بمفرده؟) اتسعت عيناي وأنا أنظر إلى المشهد بعدم تصديق.

لقد ارتكبت خطأً فادحًا في تقديري لدان كو.

بينما كان النمر المجنون يملأ الدنيا ضجيجًا بغطرسته وقتاله المستمر لينشر اسمه كإعصار مدمر، كان دان كو يدفن قوته في أعماق سحيقة، لا يظهر منها إلا القليل عند الضرورة القصوى. إنه الأفعى التي تلدغ بصمت بينما الأسد يزأر بلا طائل.

​شعر دان كو بنظراتي، فرفع رأسه وارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة لا تتناسب مع مشهد . قال بنبرة رصينة:

"لقد تمكنت من التدخل لإنقاذه قبل أن يجهز عليه النمر المجنون."

​ثبتُّ نظراتي عليه، محاولًا سبر أغوار تلك الابتسامة: "إذن، جازفت بنفسك لإنقاذ سيف الظل الوهمي؟"

​أومأ دان كو بهدوء وهو يضع كوب الشاي جانبًا: "إنه يمتلك موهبة فذة. سيكون من التبذير تركه لقمة سائغة للموت، بينما يمكنك استغلاله كنسخة افتراضية ."

​"فهمت.."

تمتمتُ بذلك وأنا أتفقد مخزون جوهري البدائي. وقفتُ ببطء، ترنحتُ للحظة وكأن الأرض تهتز بي، لكنني استعدت توازني بصرامة حديدية.

أخذتُ نفسًا عميقًا، محاولًا كبت الصداع الذي يضرب جدران جمجمتي، وسرتُ بخطوات ثقيلة نحو جسد سيف الظل الوهمي الملقى على الأرض.

​"هذا اللعين.. حاول ذبحي."

قلتُ ببرود قاطع كشفرة مقصلة. وبدون سابق إنذار، رفعتُ قدمي وهويتُ بها بكل ما تبقى لي من قوة على يد سيف الظل الوهمي.

​ سحق!

​تحولت عظام يده إلى مسحوق، وانفجر اللحم تحت حذائي ليصبح كتلة مشوهة من الدماء والأنقاض البشرية.

لم يصرخ، فقد كان وعيه محطمًا تحت ختم دان كو، لكن جسده انتفض غريزيًا.

​تجمدت ملامح دان كو بصدمة، وقبل أن ينطق بكلمة، وجهتُ إصبعي نحو قدم النمر المجنون.

تكثفت هالة قوة مرعبة، شعاع من الطاقة المركزة تجمعت في رأس إصبعي كإبرة من نور الموت، ثم انطلقت لتخترق اللحم والعظم، قاطعةً قدم النمر المجنون بفصل جراحي نظيف.

​في حالته الطبيعية، لم يكن لهذا الهجوم أن يخدش جلده بمجرد تفعيل دفاعه، لكنه الآن كان مجرد قطعة لحم على لوح التقطيع، مجردًا من كل دفاعاته.

​"أرجوك، تمهل!" صرخ دان كو محاولًا استعادة زمام الأمور، وتابع بحزم مشوب بالقلق: "أعلم أنهما وحشان كاسران ويصعب ترويضهما، لكن قتلهما الآن خسارة فادحة. أنت بحاجة لخبراء بهذا المستوى ليدعموا صعودك!"

​توقفتُ تمامًا. التفتُّ نحو دان كو، وكانت نظراتي خالية من أي مشاعر بشرية، باردة كقبر مهجور. رددتُ اسمه بصوت منخفض تقشعر له الأبدان:

"دان كو.. أنت، والنمر المجنون، وسيف الظل الوهمي، وحكيم الغابة المورقة.. أربع شخصيات لم يذكرها سطر واحد في الرواية الأصلية. أربعة كيانات تمتلك مواهب مرعبة، قدرة على سحق من هم أعلى منكم مرتبة، و مواريث عظيمة لايتخيلها العقل، والأدهى من ذلك.. لم يبدُ على أي منكم ذرة مفاجأة عند لقاء الآخر. بل كنتم تنتظرون هذا اللقاء، وكأنكم قطع في مسرحية مكتوبة مسبقًا."

​اقتربت منه خطوة، وضغطت على كلماتي:

"والأهم .. معرفتكم بـ 'النظام'. هذا ليس شيئًا يدركه المرء بالذكاء أو الحظ. لا أحد يعرف خبايا هذا الكيان إلا إذا تعامل معه مباشرة. أتريدني حقًا أن أبتلع كذبة المصادفة؟ تكلم.. ما هي الحقيقة ؟"

​ساد صمت ثقيل، غلفت فيه رائحة الدماء المكان. تنهد دان كو تنهيدة طويلة، بدا وكأنه يحمل فيها ثقل قرون من الخيبات. نظر إليّ بعيون محطمة وقال بصوت خافت:

"أنت تعرف الإجابة بالفعل، أليس كذلك؟"

​صمت للحظة ثم واصل:

"لقد سألت نفسك بالتأكيد عندما اختارك 'الحجر'.. هل أنا الوحيد؟ هل أنا الاستثناء؟ الجواب المر هو: لا. نحن جميعًا تم اختيارنا من قِبل الحجر قبلك. لقد كنا 'الأبطال' في زمننا وفي عوالمنا ، لقد نجحنا في كل الاختبارات القاتلة، وتجاوزنا كل الصعاب.."

​خفت صوت دان كو ليصبح كفحيح الريح:

"لكننا في النهاية.. فشلنا في النجاة من الواقع. نحن لسنا مجرد شخصيات إضافية ... نحن الحطام المتبقي من الأسياد السابقين للنظام."

2026/05/02 · 28 مشاهدة · 914 كلمة
بلاكي
نادي الروايات - 2026