​وضع كيان العملات النحاسية العشر في كيس قماشي صغير وخبأه بعناية داخل معطفه. كانت خطته تسير بمثالية؛ والآن حان الوقت لخطوة استئجار صياد محترف من القرية ليؤمن له مكونات الوحوش بشكل مستمر، دون أن يضطر لتضييع وقته أو المخاطرة بحياته، مما يتيح له التركيز على جمع الأعشاب وتدريب المانا الأسطوري.

​ولكن قبل أن يتوجه إلى ساحة الصيادين للبحث عن الرجل المناسب، كان عليه أولًا تأمين حصته اليومية من العناصر النباتية الستة لضمان عدم توقف تدريبه. انطلق كيان بخطوات خفيفة وسريعة نحو أطراف الغابة، مسنوداً بقوته في المستوى الأول المنخفض وحواسه الحادة التي أصبحت ترشده لأماكن نمو الأعشاب الطبية بسهولة.

​توغل الصبي في منطقة أعمق قليلاً من المعتاد بحثاً عن فطر الظل المكتمل وزهور الفجر الجبلية ذات الجودة العالية. كان الجو هادئاً، وحفيف أوراق الشجر يبعث على الطمأنينة، حتى وصل إلى تجويف صخري رطب قرب سفح جبل المانا البيضاء.

​فجأة، اهتزت الأرض تحت قدميه بعنف، وتصاعد صوت تكسر الصخور الثقيلة بشكل مرعب. انقبض قلب كيان، وتراجعت يده عن قطف إحدى الزهور؛ فبينما كان يظن أنه يقف بجوار كومة من الصخور الرمادية الضخمة، بدأت تلك الصخور تتحرك وتتشكل لتكشف عن جسد وحش عملاق!

​لقد كان "الوحش الحجري"، أحد وحوش الأرض الشرسة التي تندمج وتتنكر في بيئة الجبال. كان جسده مكوناً بالكامل من كتل صخرية صلبة مشبعة بمانا أرضية ثقيلة، ولمعت عيناه الشبيهتان بالجمر المشعل وهو يثبت نظراته القاتلة على الصبي الصغير الذي اقتحم أراضيه.

​لم يمنح الوحش الحجري كيان أي فرصة للتفكير؛ إذ رفع ذراعه الصخرية الضخمة وهوى بها نحو الأرض بسرعة لا تتناسب مع حجمه العملاق.

​غريزة البقاء وحواس الوحوش الشرسة داخل عروق كيان جعلته يقفز للخلف في جزء من الثانية. لكن الضغط الناتج عن الضربة كان هائلاً؛ تحطمت الأرض الخشبية والصخرية تحت ضربة الوحش، وتطايرت شظايا حجرية حادة كالشفرات في كل اتجاه. اخترقت إحدى الشظايا الضخمة كتف كيان، بينما أصابت شظية أخرى ساقه المسرعة، ليتدفق الدم القاني بغزارة ممزقاً ملابسه.

​أطلق كيان صرخة ألم مكتومة، وشعر بثقل مرعب يضغط على صدره بسبب المانا الأرضية المحيطة بالوحش. كان يعلم يقيناً أن مستواه الأول المنخفض لن يصمد لثانية واحدة في مواجهة هذا الهيكل الخرساني القاتل.

​مستجمعاً كل ذرة طاقة في مساراته، ومستغلاً خفته، التفت كيان وبدأ يركض هرباً بنوايا النجاة الوجودية. كان يجر ساقه المصابة والألم ينهش جسده، بينما كان يسمع خلفه خطوات الوحش الحجري الثقيلة التي تزلزل الأرض. لحسن حظه، كان جسده الضئيل وقامته القصيرة ميزة سمحت له بالمرور عبر الشجيرات الكثيفة والشقوق الضيقة التي استعصت على حجم الوحش الضخم، مما جعله يبتعد تدريجياً حتى ملَّ الوحش من مطاردته وعاد لعرينه.

​واصل كيان الركض والأنفاس تسيل دماً من شفتيه، حتى خرج من خط الأشجار ووصل إلى أطراف القرية يتهاوى بترنح، والدماء تغطي كتفه وساقه. سقط الصبي قرب أول كوخ خشبي، وعيناه العسليتان تغشاها الحمرة، بينما هرع بعض أهل القرية نحوه بذهول وصراخ؛ فقد أدرك سليل الوحوش الصغير، بأقسى طريقة ممكنة، أن الغابة لا تزال تخبئ أهوالاً تفوق حساباته بكثير.

بمساعدة بعض أهل القرية الذين ذهلوا من نجاة صبي صغبر من مخالب الغابة، نُقل كيان إلى كوخه الخشبي العتيق. بمجرد أن رأته والدته ياسمين والدماء تغطي كتفه وساقه، انخلع قلبها وأطلقت صرخة رعب مكتومة، واندفعت نحوه وعيناها تفيضان بالدموع.

​استجمع كيان ما تبقى من قوته وحاول تهدئتها بصوت واهن: "أنا بخير يا أمي.. مجرد شظايا صخرية من أطراف الغابة، لقد نجوت."

​أجلسته ياسمين قرب الموقد، وبيدين مرتعشتين بدأت تطهر جروحه العميقة وتضمدها بالأعشاب المهدئة. كان الألم ينهش جسد كيان الصغير، لكن عقله كان في مكان آخر تماماً؛ لقد أثبتت له هذه الحادثة أن القوة في هذا العالم ليست رفاهية، بل هي الحد الفاصل بين الحياة والموت، وأن بقاءه في المستوى الأول المنخفض يجعله فريسة سهلة لأي وحش عابر.

​تذكرت عيناه العسليتان الكيس القماشي المخبأ في معطفه.. العملات النحاسية العشر لا تزال آمنة. "يجب ألا يتوقف تدريبي ليوم واحد،" حدّث نفسه بتصميم فولاذي.

​بمجرد أن انتهت والدته من تضمد جراحه وخلدت لنوم مضطرب من شدة الإرهاق النفسي، تحامل كيان على آلامه. وقف ببطء مستنداً إلى الجدار، وشعر بفضل طاقة المانا داخله أن جسده بدأ يتعافى أسرع قليلاً من البشر العاديين. ارتدى معطفه فوق الضمادات، وتسلل خارج الكوخ متوجهاً مباشرة صوب ساحة الصيادين في القرية.

​هناك، حيث يجتمع الرجال الأشداء الذين يحملون السهام والرماح، بدأ كيان يبحث عن صياد مناسب لا تثير طلباته شكوكه. تذكر صياداً يُدعى "بشار"، وهو مقاتل من المستوى الأول المرتفع، معروف بحبه للمال وبراعته في اقتناص وحوش الأطراف، لكنه لا يمتلك طموحاً كبيراً يجعله يتساءل عن الأسباب.

​تقدم كيان بخطوات متثاقلة لكنها ثابتة نحو بشار الذي كان يجلس ينظف سهامه، وأخرج الكيس القماشي ليصدر منه رنين العملات الجذاب.

​نظرت عينا الصياد الحادتان نحو الصبي المصاب، ثم نحو الكيس، ليتحدث كيان بنبرة واثقة سبقت سنوات عمره الاثنتي عشرة: "أيها العم بشار، معي 10 عملات نحاسية.. وأريد استئجارك لمهمة محددة ومستمرة."

​رفع بشار حاجبيه باهتمام، ووضع سهمه جانباً: "10 عملات؟ هذا مبلغ محترم لجرو صغير مثلك.. ما هي المهمة؟"

​أجاب كيان بذكاء وهدوء: "أريدك أن تصطاد لي ذئاب الغابة ووشاق الليل، وأحتاج منك مكونات محددة من جثثها بشكل دوري: الدماء، الأنياب، القلوب، والمخالب. هل تقبل الصفقة؟"

​تأمل بشار العملات النحاسية، ولم يهتم كثيراً بوعاء أو سبب طلب هذه المكونات ما دام الذهب والنحاس في جيبه، فقال بابتسامة طامعة: "ذئب الغابة ووشق الليل؟ وحوش شرسة على قريتك، لكنها صيد ممتع ومقدور عليه بالنسبة لي. قبلت الصفقة يا صغيري.. جهز نفسك لاستلام أولى دفعاتك قريباً."

​انصرف كيان عائداً إلى كوخه، والابتسامة تعلو وجهه الشاحب رغم جراحه؛ لقد أمن الآن تدفّق المكونات اليومية لوصفته المحرمة، وأصبحت معجزة تجميع المانا بثلاثة أضعاف القوة بين يديه مجدداً، لتبدأ رحلة انتقامه الصامت من الوحش الحجري وكل من يقف في طريقه.

2026/06/13 · 1 مشاهدة · 882 كلمة
نادي الروايات - 2026