​استيقظ كيان في الصباح التالي والآلام تنهش أنسجة جسده الصغير جراء الشظايا الصخرية الحادة التي خلفها هجوم الوحش الحجري، لكن عينيه العسليتين الواسعتين كانتا تشتعلان ببريق حاد لا يعرف الانكسار أو التراجع. لم يكد يمر وقت قصير على شروق الشمس الباهت، حتى سمع طرقاً خفيفاً، حذراً ومتفقاً عليه على الباب الخشبي الخلفي للكوخ العتيق. تحامل الصبي على جراحه العميقة وفتح الباب ببطء، ليجد الصياد "بشار" واقفاً في عتمة الضباب الصباحي الكثيف، وهو يحمل في يده صرة قماشية داكنة تفوح منها رائحة الدماء الطازجة والمانا البرية العنيفة.

​بدون أن ينطق بكلمة واحدة قد تثير انتباه الجيران، مد بشار يده بالصرة الثقيلة، والتقط في المقابل كيس العملات النحاسية العشر الكامله التي جمعها كيان بشق الأنفس طوال الأيام العشرة الماضية من بيع النباتات الفائضة لتاجر السوق. تفحص بشار العملات اللامعة بابتسامة طامعة ونظرة جشعة، ثم انصرف متسللاً بين الأزقة الضيقة دون أن يسأل الصبي عن سبب طلب هذه الأشياء؛ فالمال والنحاس قد أعميا عينيه عن أي فضول أو تساؤل.

​أغلق كيان الباب بإحكام، وتأكد من نوم والدته ياسمين، ثم توجه فوراً إلى مخبئه السرّي تحت ألواح الأرضية الخشبية المتربة. أخرج الوعاء الفخاري القديم والأعشاب الستة المتبقية لديه، وبدأ يخلط المكونات بعناية فائقة وحذر شديد يفوق المرة الأولى بكثير خوفاً من ضياع أي قطرة. سحق فطر الظل المكتمل، وجذور العشب الفضي، وأوراق شجيرة البرد، وزهرة الفجر، وطحالب الصخور، ولباب البلوط العتيق، ثم سكب فوق المسحوق الناعم دماء ذئاب الغابة المخثرة والقلب النابض بالطاقة الوحشية المتبقية، واستخدم الناب الأيمن الحاد لتحريك المزيج بحركات دائرية متناسقة لا تنقطع.

​لكن هذه المرة، وبسبب قلة كمية دماء الوحوش وأجزائها التي أحضرها بشار مقارنة بجثث الوحوش الكاملة والضخمة التي أحضرها العم عاصم سابقاً، لاحظ كيان أن المزيج الأرجواني المشع لم يكن وفيراً كما تمنى. قام بتقسيم المادة اللزجة الكثيفة بدقة متناهية، ليكتشف بأسف أنها تكفي لثلاث جرعات فقط، أي ما يغطيه لمدة ثلاثة أيام فقط من التدريب المكثف لتعزيز مساراته الطاقية واختراق المستوى الأول المنخفض نحو المستوى المتوسط.

​لم يضع ثانية واحدة من وقته؛ خلع قميصه ودهن الجرعة الأولى على جسده النحيل وضمد فوقها جراحه الصخرية النازفة. فوراً، اشتعل الجحيم المألوف والنار الحارقة في عروقه، وبدأت المادة الأرجوانية اللزجة تمتص المانا الشحيحة من أجواء جبال المانا البيضاء، وتدفعها قسراً وعنفاً داخل مساراته المصابة والممزقة، لتصهر الألم القديم وتضخ قوة عضلية وحركية جديدة في عضلاته الضعيفة وقامته القصيرة.

​مر اليوم الأول واليوم الثاني وكيان مستغرق بالكامل في هذا الانصهار المؤلم وتجميع المانا الأسطوري بثلاثة أضعاف القوة المعتادة، حتى شارف على إنهاء جرعته الثالثة والأخيرة في أواخر اليوم الثالث. ومع اقتراب غروب شمس ذلك اليوم، وبينما كان يمسح ما تبقى من القشور السوداء المتفحمة عن جلده الجديد النقي، انقطع حفيف الرياح فجأة، وحل سكون مرعب، ثقيل ومريب على أطراف القرية بأكملها.

​وفجأة، تمزق الصمت المطبق بعويل جماعي مرعب ومفاجئ هز أركان الكوخ الخشبي العتيق وزلزل الأرض تحت الأقدام! إنه الهدوء الذي يسبق العاصفة.. لقد بدأ "مد الوحوش" الأسود والضاري يجتاح المكان.

​انطلق صوت أجراس التحذير النحاسية الكبرى في وسط القرية تضرب بعنف وجنون متواصل. خرج كيان مسرعاً إلى الباحة الخارجية، لتتسع عيناه العسليتان برعب غير مسبوق وصدمة شلت أطرافه؛ فمن خط الأشجار العريض والقريب للغابة المحرمة، كانت تتدفق مئات ومئات من ظلال الذئاب الشرسة ذات العيون الحمراء المشعة بمانا الدم والقتل. لم يكن ذئباً واحداً أو اثنين، بل كان مداً أسود هائجاً يجتاح الأكواخ الخارجية المتطرفة، ويمزق كل ما يقف في طريقه بصوت زئير مرعب يزلزل القلوب ويخلع النفوس.

​"كيان! اخرج فوراً يا بني! الغابة تنفث موتها علينا!" صرخت والدته ياسمين وهي تندفع نحوه من داخل الكوخ بوجه شاحب كالموت، والهلع الكامل يتملص من عينيها وهي تتذكر الليلة المشؤومة التي فقدت فيها زوجها ومعيلها في اجتياح مماثل قبل ست سنوات.

​أمسك كيان بيد والدته بقوة وعزم، ورغم الرعب الكامن في صدره الصغير، إلا أن المانا المتدفقة في عروقه من الوصفة المحرمة منحت عقله ثباتاً غريباً وقدرة على التفكير تحت الضغط. نظر حوله، ووجد أن أهل الأطراف يعيشون حالة من الفوضى العارمة والضياع؛ العجائز يتهاوون على الأرض الطينية من الخوف، والأطفال يصرخون بهلع عارم وهم يركضون بلا هدى أمام أنياب ومخالب الذئاب المتقدمة كالسيل.

​"أمي، امسكي بيدي بقوة ولا تتوقفي عن الركض نحو وسط القرية الحصين!" صاح كيان وهو يوجهها بسرعة نحو الحصن الخشبي الداخلي حيث يتحصن السكان عادة. لكنه لم يكتفِ بالهرب السلبي لحماية نفسه؛ فبفضل حواسه المعززة بالوصفة وخفته الكبيرة التي اكتسبها، وجد نفسه يقوم بدور بطولي لم يخطط له أبداً وسط هذا الجحيم المشتعل.

​كان كيان يتحرك كالسهم البارق وسط الغبار والفوضى، مستغلاً قامته القصيرة وجسده الضئيل ليمر بحركية مذهلة بين مخالب الذئاب المتقدمة التي تحاول نهشه. اندفع فجأة نحو شيخ عاجز من جيرانه سقط أرضاً تحت الأقدام وكاد ذئب ضخم ينهش رأسه، وسحبه بقوة مانا هائلة ودفع قوية فاجأت الشيخ نفسه، موجهاً إياه نحو الممر الآمن بين البيوت. ثم قفز بمرونة ليمسك بطفلين صغيرين تائهين يبكيان وسط النيران والغبار، وحملهما معاً بذراعيه النحيفتين اللتين أصبحت فيهما قوة عضلية ومرونة مذهلة بفضل الترياق، وركض بهما بأقصى سرعته نحو الأسوار الداخلية الحصينة بينما كانت أنفاس الذئاب الحارقة المرعبة تلافح ظهره المكشوف.

​في هذه الأثناء، كان خط الدفاع الأول والحديدي قد تشكل بالكامل في وسط القرية. تقدم صيادو القرية الأشداء يتقدمهم المقاتلون، وعلى رأسهم شيوخ القرية من المستوى الثاني المرتفع، وزعيم القرية الأسطوري بهالته المرعبة والضاغطة من المستوى الثالث المتوسط. اندلعت معركة دموية طاحنة وطاحنة عند المداخل الحجرية؛ كانت السيوف تلمع وتقطع اللحوم، وسهام المانا المضيئة تخترق أجساد الوحوش وتفجرها، والزعيم يطلق ضربات طاقة ساحقة من يديه تصهر عظام الذئاب وتعيد المد الأسود إلى الوراء بقوة السلاح.

​بفضل استبسال الصيادين وقوة الزعيم المنيعة التي لا تقهر، نجحوا أخيراً ومع هبوط الليل المظلم في صد الهجوم الغاشم وإجبار بقية الذئاب الجريحة على التراجع نحو أعماق الغابة المحرمة، تاركين الساحة مغطاة بالكامل بجثث الوحوش والدماء القانية المتدفقة التي صبغت الطين باللون الأحمر.

​انتهت المعركة الحامية، لكن صرخات النصر لم تنطلق في الأجواء؛ بل حل محلها بكاء عانق السماء وعويل يمزق النياط والقلوب. لقد كان ثمن الصد والدفاع غالياً جداً وفوق الاحتمال، وسقطت خسائر فادحة في الأرواح بين صفوف المدافعين الأشداء الذين تلقوا الصدمة الأولى والقاتلة للمد الأسود.

​بدأت "قرية الصفصاف"—وهو الاسم الذي لطالما حملته هذه البقعة المنسية بجوار جبال المانا البيضاء—في لم جراحها العميقة. انتشر السكان الباقون في أرجاء الساحة لجمع الجثث الممزقة، ودفن الأموات الذين سقطوا في خطوط الدفاع، والبدء في إصلاح الأضرار الجسيمة والأكواخ المحطمة والمحترقة بفعل طاقة الوحوش.

​سار كيان وسط الحشود المتجمهرة الباكية وهو يسند والدته ياسمين، ليرى مشهداً جمد الدماء في عروقه الممتلئة بالمانا. على الأرض الطينية الباردة، كانت تقبع جثة ممزقة الصدر مغطاة بعباءة صيد بالية ومألوفة جِدًّا لديه.. لقد كان العم عاصم، الصياد المحترف من المستوى الثاني المتوسط، وصديق والده الراحل الذي حمى القرية الليلة بجسده، وهو نفسه الرجل الذي أحضر له جثث الوحوش قبل أيام وصنع له مجده الأول.

​وبجوار الجثة مباشرة، كانت تجثو صديقته المقربة "سارة"، وهي تصرخ بحرقة وتمزق ثيابها وتنهال بالدموع الساخنة فوق جسد والدها البارد، بينما وقف صديقاهما مروان ويوسف خلفها بوجوه مظلمة كالحبر، يلفها الذهول العارم والصمت الثقيل العاجز عن تقديم أي مواساة تذكر.

​تقدمت ياسمين والدة كيان والدموع تنهمر من عينيها حزناً على صديق زوجها القديم، واقتربت من سارة الباكية وضمتها إلى صدرها بحنان أمومي دافئ يحاول انتشالها من قاع الصدمة. التفتت ياسمين نحو ابنها كيان ونظرت إليه بنظرة حازمة لا تقبل الجدال، ثم وجهت كلامها إلى سارة بصوت مخنوق بالبكاء لكنه يحمل إصراراً كبيراً: "سارة.. يا ابنتي الغالية، لم يعد لكِ أحد هنا في هذا الكوخ البارد. والدكِ الشجاع ذهب إلى جوار والدي كيان، وأمكِ متوفاة منذ سنوات طويلة كما تعلمين.. دونكِ المعيل الوحيد والحامي بعد الله، لن تبقي وحدكِ ليلة واحدة في هذا المكان. من الآن فصاعداً، ستنتقلين للعيش معنا في كوخنا، ستكونين ابنتي وأخت كيان، ونتقاسم معاً كسرة الخبز والأمان الشحيح."

​حاولت سارة الاعتراض من شدة الذهول، لكن ياسمين أحكمت قبضتها عليها وأوقفتها مسندة إياها بمساعدة كيان الذي تقدم بوجوم.

​انقبض قلب كيان بخلطة من الحزن العميق على موت عاصم والغضب العارم من هذا العالم وطبقته القاسية. نظر إلى يديه الملطختين بتراب المعركة، وثبت نظراته الحادة نحو خط الغابة المحرمة الداكن في الأفق؛ لقد علم الآن، وبأقسى طريقة ممكنة، أن القوة الشخصية هي الحصن الوحيد الحقيقي، وأن عجز الصيادين من المستوى الثاني يعني أنه يجب أن يتجاوزهم جميعاً ويصل إلى القمة لحماية أمه وسارة وبيته الجديد من فك الموت القادم.

2026/06/13 · 0 مشاهدة · 1304 كلمة
نادي الروايات - 2026