خيمت أجواء من الكآبة الثقيلة على "قرية الصفصاف" في الصباح الذي تلا الكارثة؛ حيث امتزجت رائحة الطين الرطب برائحة الأخشاب المتفحمة التي ما زالت تنفث خيوطاً ضئيلة من الدخان الأسود. اجتمع أهالي القرية وجوههم شاحبة يلفها الذهول الحزين، حاملين على أكتافهم جثامين أبطالهم الذين قضوا في الخطوط الأمامية لصد هدير المد الأسود. كان المشهد مهيباً وممزقاً للقلوب؛ حيث صُفت القبور الطينية في المقبرة الجماعية الواقعة عند التلة المشرفة على القرية بجوار جبال المانا البيضاء.
وقف كيان بثبات بجانب والدته ياسمين وسارة التي كانت تبدو كجسد بلا روح، وعيناها المنتفختين من البكاء تبتلعان تراب القبر الذي ووري فيه جسد والدها العم عاصم. كان الصمت ثقيلاً لا يقطعه إلا تمتمات الصلوات ونحيب النساء المكتوم. وفي تلك اللحظات بالذات، وبينما كان التراب يغطي آخر ملامح الصياد الشجاع، شعر كيان بمسؤولية جديدة وجسيمة تنبت في صدره؛ فلم يعد مسؤولاً عن أمه فقط، بل أصبحت سارة أمانة في عنقه وعنق بيته، والفقر والجوع لن ينتظرا انتهاء أيام الحداد.
بعد انتهاء مراسم الدفن وعودة الأهالي بقلوب مكسورة لإصلاح الأكواخ المهدمة، عادت ياسمين بسارة إلى الكوخ لتهيئ لها مكاناً مريحاً وتحاول تخفيف وعثاء الصدمة عنها. أما كيان، فقد علم يقيناً أن مخزون الطعام الشحيح في منزلهم لن يكفي لثلاثة أفراد، وأن عليه التحرك فوراً لتأمين عشاء الليلة دون الاعتماد على أحد.
أمسك كيان بسلته الخشبية المعتادة، وارتدى معطفه المرقع، ثم انطلق بخطوات سريعة وخفيفة نحو أطراف الغابة المحرمة. لم يكن خروج اليوم كالأيام السابقة؛ فدماء المستيقظ الجديد كانت تجري في عروقه حارة وقوية، ومسارات المانا التي انفتحت قسراً بالوصفة المحرمة أصبحت تمنحه حواساً حادة تفوق البشر العاديين بمراحل. أصبح بإمكانه سماع حفيف الأوراق البعيدة بوضوح، ورؤية المسارات المخفية بين الشجيرات بدقة بالغة.
بدأ كيان بجمع بعض الجذور البرية والنباتات الطازجة الصالحة للطهي، لكن عينه العسلية الحادة التقطت فجأة حركة سريعة وغير طبيعية خلف جذع شجرة بلوط عتيقة. تجمد في مكانه وحبس أنفاسه، مركزاً طاقة المانا الشفافة في عينيه ليرى بوضوح كائناً صغيراً يختبئ بين الشقوق؛ إنه "الأرنب الفضي".
يُعد الأرنب الفضي واحداً من أضعف وحوش المانا التي تقطن أطراف الغابة، ورغم أنه لا يمتلك أي مانا هجومية أو قدرة على القتال، إلا أنه يشتهر بسرعته الفائقة وحواسه الحذرة التي تجعل صيده بالوسائل التقليدية أمراً شبه مستحيل على سكان القرية، فضلاً عن أن لحمه يُعد من أشهى الأطعمة المغذية المشبعة بجرعة ضئيلة ونقية من طاقة الطبيعة.
ابتسم كيان ابتسامة صامتة تحمل ثقة المستيقظ؛ كانت هذه فرصة مثالية لاختبار قوته الجديدة وجسده الذي أعيد صهره. خفض قامته القصيرة وضبط أنفاسه، ثم دفع بجرعة صغيرة من المانا نحو عضلات ساقيه النحيلتين. وفي جزء من الثانية، وثب الأرنب الفضي مذعوراً محاولاً الهرب كخط فضي بارق بين الأعشاب.
لكن حركة كيان كانت أسرع!
اندفع الصبي كالسهم الخاطف، متجاوزاً سرعتة السابقة بأضعاف كثيرة بفضل تعزيز المانا الحركي في عروقه. لم يستغرق الأمر سوى قفزة مرنة واحدة وهجوم دقيق بيده الصغيرة، حتى أطبق قبضته القوية والمحكمة على عنق الأرنب الفضي قبل أن يقطع متراً واحداً من ممره. أطلق الوحش الصغير لاهثته الأخيرة، ليسقط قتيلاً بين يدي كيان الذي شعر بنشوة الانتصار الأول؛ لقد كان هذا أول صيد حقيقي يحققه بيده وبقوته الذاتية دون مساعدة من أحد.
وضع كيان الأرنب الفضي بعناية داخل سلته الخشبية فوق الأعشاب والنباتات، والتفت عائداً نحو القرية بخطوات يملؤها الفخر والعزم. وعندما دخل الكوخ، استقبلته والدته ياسمين بنظرة قلقة سرعان ما تحولت إلى ذهول عارم وهي ترى صيده الثمين؛ فالأرنب الفضي لا يحضره عادة إلا الصيادون المحترفون. التفت كيان نحو الزاوية حيث كانت تجلس سارة بوجوم، ووضع السلة أرضاً وقال بنبرة دافئة وصوت يحمل نضجاً كبيراً: "أمي.. سارة.. لقد أحضرت عشاءنا الليلة. لن يجوع أحد في هذا البيت بعد الآن، وما دمت حياً، سنكون بخير دائماً."
لمعت عينا ياسمين بدموع الفرح والفخر بابنها، بينما رفعت سارة رأسها ببطء، ولأول مرة سرى وميض ضئيل من الأمل والطمأنينة في عينيها الحزينتين وهي تنظر إلى الصبي الذي أقسم على حمايتها، وتناولوا جميعاً وجبة مشبعة من اللحم اللذيذ.
وفي الصباح التالي، وقبل أن تستيقظ سارة أو والدته، جلس كيان في زاوية الموقد المطفأ، وأخرج خنجراً صغيراً بائداً كان يخص والده الراحل. بحذر شديد وحركات خبيرة تعلمها من مراقبة الصيادين، بدأ يشق رأس الأرنب الفضي بحثاً عن كنز الوحوش الحقيقي؛ "جوهرة المانا".
ففِي هذا العالم، يمتلك كل وحش مانا—مهما صغر حجمه أو ضعف شأنه—جوهرة طاقة صغيرة في جسده تغذي قوته وتمنحه قدراته الخاصة. وتختلف قيمة هذه الجواهر وقوتها باختلاف رتبة الحيوان وقوته الكامنة؛ فجوهره الأرنب تُعد من أضعف الجواهر وأقلها طاقة في القاع، ولا تساوي في أسواق المقايضة سوى قطعتين نحاسيتين فقط.
بالنسبة لصبي فقير يعيل أسرة أصبحت تضم ثلاثة أفراد، كانت القطعتان النحاسيتان ثروة صغيرة تكفي لشراء دقيق يكفيهم لعدة أيام. استخرج كيان الجوهرة البيضاء الشفافة التي كانت بحجم حبة البازلاء الصغير، ومسح عنها الدماء بعناية، ثم خبأها في جيبه وانطلق بخطى سريعة نحو سوق "قرية الصفصاف" المركزي لبيعها.
كان السوق يعج بالحركة والضجيج المعتاد، وتوجه كيان مباشرة نحو دكان العجوز "مرشد"، وهو تاجر خردوات ومثمن جواهر قديم في القرية. وضع كيان الجوهرة الشفافة على الطاولة الخشبية، ليرفع العجوز نظارته بذهول قائلاً: "أرنب فضي؟ خذ يا بني، هذا حقك." ومد يده بقطعتين نحاسيتين ليتناولهما كيان بفرح خفي.
ولكن، قبل أن يستدير ليغادر ساحة السوق، تلاشت أصوات الباعة فجأة، وحل سكون مضطرب ترافقه همسات خائفة بدأت تنتشر كالنار في الهشيم بين الأهالي. التفت كيان بعينين عسليتين حادتين نحو مدخل السوق الرئيسي، ليرى مشهداً جعل جسده يشتد بعنف؛ لقد كان هناك وفد رسمي راجل من "قرية الصخور" المجاورة.
كان الوفد يتكون من خمسة رجال أشداء، يرتدون دروعاً جلدية سميكة مشبعة بقطع حديدية، ويحملون رماحاً طويلة تلمع تحت أشعة الشمس الباهتة. كان يقودهم رجل ضخم الجثة ذو ملامح قاسية، ينبعث من جسده ضغط خفيف يدل على أنه مقاتل مانا مستيقظ من المستوى الأول المرتفع على أقل تقدير. كانوا يسيرون بخيلاء وتكبر، دافعين أهالي قرية الصفصاف من طريقهم باحتقار جلي.
انقبضت أسارير كيان؛ فظهور هؤلاء الرجال في هذا التوقيت بالذات هو أمر غير مبشر بالخير تَمَاماً، ويدعو للقلق الشديد. فـ "قرية الصخور" تُعد القرية الأقوى، الأكبر، والأكثر وحشية بين القرى المحيطة بجبال المانا البيضاء، ولطالما استغلت تفوقها العسكري وعدد مستيقظيها الكبير للتنمر على قرية الصفصاف الضعيفة، بل وفي أحيان كثيرة، كانت تجبر قريتهم على دفع ضرائب وإتاوات تعسفية من طعام ونباتات طبية بحجة "الحماية"، مستغلة حاجة قرية الصفصاف للسلام.
وقف كيان خلف عربة خشبية ليتوارى عن الأنظار، وأخذ يستمع بتركيز شديد إلى همسات الصيادين والباعة القريبين منه لمعرفة سبب الزيارة المباغتة.
"ما الذي جاء بهؤلاء الطغاة إلى هنا؟ قريتنا ما زالت تنزف وتدفن موتاها بعد مد الوحوش!" همس تاجر قماش بنبرة حانقة.
أجابه صياد عجوز وهو يلتفت حوله بذعر: "لا أحد يعلم السبب الحقيقي وراء قدومهم المفاجئ في هذا الوقت العصيب.. لكن هناك بعض التخمينات المقلقة التي تتردد بين أفراد الحرس؛ البعض يقول إنهم علموا بضعف دفاعاتنا وموت العم عاصم، وجاءوا ليرفعوا قيمة الضريبة السنوية ويفرضوا شروطاً أشد قسوة مستغلين انكسارنا."
وتابع صياد آخر بهمس أشد خفوتاً: "وهناك تخمين آخر أخطر.. يُقال إن زعيم قرية الصخور يبحث عن شيء ما سقط من أعماق الغابة، أو أنه يريد إجبار شبابنا على العمل كخدم ومستكشفي طليعة داخل المنطقة المحرمة في رحلته القادمة."
تلاقت كلمات الصيادين في عقل كيان لتشكل غيمة سوداء من الترقب. نظر إلى قبضتيه الصغيرتين النحيفتين، وشعر بتيار المانا المحرم يتدفق في عروقه بقوة دافئة؛ لقد أدرك في تلك اللحظة أن الخطر لا يأتي من وحوش الغابة فقط، بل إن البشر ووحوش الطبقية وطغيان القرى الأقوى هم أشد فتكاً وتدميراً. وإذا كانت قرية الصخور تنوي فرض غطرستها مجدداً، فعليه أن يستغل الجرعات القادمة لتسريع تدريبه، لأن العاصفة القادمة لن ترحم أحداً