سار وفد "قرية الصخور" بخطوات ثقيلة ومستفزة عبر الأزقة الترابية لقرية الصفصاف، حتى وصلوا إلى قاعة الاجتماعات الكبرى؛ وهي مبنى صخري قديم يتوسط القرية ويجتمع فيه شيوخ القرية والزعيم لإدارة الأزمات. دخل رجال الوفد دون استئذان، يتقدمهم قائدهم ضخم الجثة ذو النظرات الحادة التي تفيض بالاحتقار، وكان في استقبالهم زعيم قرية الصفصاف—ذي الهالة العجوز من المستوى الثالث المتوسط—يحيط به شيوخ القرية بوجوه يملؤها الوجوم والترقب.
لم يضيع قائد الوفد ثانية واحدة في المجاملات، بل ضرب بقاعدة رمحه الثقيل على الأرض الصخرية للقاعة ليرن صداها في الأرجاء، وقال بصوت جهوري يحمل نبرة الآمر الناهي: "أيها الزعيم، أيها الشيوخ.. لقد جئناكم اليوم بأمر مباشر من زعيم قرية الصخور العظيم. وبسبب الاضطرابات الأخيرة في المنطقة وزيادة نشاط الوحوش، تقرر تعديل قيمة ضريبة الحماية السنوية المفروضة عليكم."
صمت لبرهة ليتأمل ملامح القلق على وجوه الحاضرين، ثم تابع بابتسامة خبيثة: "المطلوب منكم الآن هو تسليم عشر عملات نحاسية كاملة عن كل شخص يعيش في قرية الصفصاف، دون استثناء صبي أو عجوز أو امرأة. وبناءً على سجلاتنا، فإن تعداد قريتكم المنسية يبلغ أربعين ألف شخص تَمَامًا.. هذا يعني أن القيمة الإجمالية هي أربعمائة ألف قطعة نحاسية!"
رفع الزعيم حاجبيه بصدمة، لكن قائد الوفد قاطعه بإشارة حادة من يده مكملاً شروطه التعسفية: "ولأننا لن نقوم بحمل أطنان من النحاس الثقيل على عرباتنا، فإن زعيمنا يشترط لتسهيل جمع الأموال ونقلها أن يتم تسليم المبلغ بالكامل على شكل عملات فضية أو ذهبية تَمَامًا! المطلوب منكم هو تسليم أربعة آلاف قطعة فضية في غضون شهر واحد!"
وقعت الكلمات كالصاعقة على رؤوس الحاضرين. اتسعت أعين الشيوخ بذهول عارم؛ فأن يطالبهم الوفد بتحويل ثرواتهم الشحيحة إلى فضة وذهب يعني ضغطًا خانقًا على اقتصاد القرية البائس.
تنحنح الزعيم محاولاً كبح غضبه وقال بصوت متهدج: "عشر نحاسيات عن كل رأس؟ وتسليمها بالفضة؟ هذا جنون محض! لقد كانت الضريبة خمس نحاسيات فقط في العام الماضي، وقريتنا لم تكد تفيق من دماء مد الوحوش الذي ضربنا بالأمس وفقدنا فيه خيرة صيادينا.. كيف نتدبر هذا المبلغ ونحوله لعملات ثمينة في هذا الوقت العصيب؟"
رد قائد الوفد ببرود جاف وهو يستدير نحو الباب: "هذه هي الأوامر، ولسنا هنا للتفاوض. سننتظر بالخارج لنصف ساعة، وعليكم أن تخرجوا لنا بالقرار النهائي.. وإلا فالخيارات الأخرى لن تعجبكم أبداً."
خرج رجال الوفد الخمسة من القاعة ليتركوا خلفهم عاصفة من التوتر. سارع الزعيم بإشارة من يده، ليتوجه مع الشيوخ إلى غرفة جانبية مغلقة، بعيداً عن أعين الوفد وآذانهم، لبدء مناقشة مصيرية طارئة.
اندلع النقاش بين الشيوخ والزعيم فور إغلاق الباب؛ حيث انقسمت الآراء واشتعلت الأجواء بالصراخ المكتوم. وقف أحد الشيوخ يرتجف غضباً وقال: "أيها الزعيم! يجب أن نرفض هذا الظلم! هذا المبلغ كبير جِدًّا، بل هو تعجيزي وفوق طاقة الاحتمال! أربعمائة ألف قطعة نحاسية تجمع على هيئة فضة؟ إنهم يطلبون منا تسليم قوت يومنا ودماء أطفالنا لطغاة لا يشبعون!"
صاح شيخ آخر مؤيداً: "نعم! قريتنا تنزف، ومخازن الطعام شحيحة. الدفع يعني مجاعة محققة لأهالي قرية الصفصاف طوال الشتاء القادم! لنقاتلهم إذاً, فالموت في المعركة بشرف أفضل من الموت جوعاً تحت أقدامهم!"
لكن في المقابل، وقف شيخ عجوز طحنته السنون والتجارب، وقال بنبرة يائسة يملؤها الحزن: "وتقاتلهم بماذا يا هذا؟ هل نسيتم الفارق المرعب بيننا وبينهم؟ قرية الصخور تمتلك جيشاً من المستيقظين، وزعيمهم يتربع على قمة المستوى الثالث المرتفع ويقترب من المستوى الرابع! إذا رفضنا الدفع، سيزحفون إلينا بجيوشهم ويمسحون قرية الصفصاف عن الخريطة.. ستكون حرباً غير متكافئة، حرباً لسنا كفؤاً لها بأي حال من الأحوال، خاصة بعد خسارتنا للعم عاصم بالأمس."
ساد صمت ثقيل ومخيف في الغرفة، والتفتت عيون الجميع نحو الزعيم الذي كان يجلس مطأطأ الرأس. أخذ الزعيم نفساً عميقاً، وبدت عليه علامات الانكسار والعجز وهو يتخذ القرار الأصعب؛ نظر إلى شيوخه وقال بصوت مخنوق: "الشيخ العجوز على حق.. نحن مجبرون على الموافقة على الدفع. نعم، هو ظلم صُراح، ونعم، سيعاني أهلنا، لكن الدمار الشامل هو البديل الوحيد للرفض. سنجمع النحاس ونستبدله بالفضة ونقدمه لهم لنتجنب حرباً ستحرق الأخضر واليابس."
بعد انتهاء المناقشة والخضوع لطلب الوفد، انصرف رجال قرية الصخور بضحكات ساخرة بعد أن تلقوا الموافقة الرسمية. وفور مغادرتهم، أرسل الزعيم حراس القرية لإبلاغ جميع السكان بالتجمع فوراً في الساحة المركزية للقرية لأمر جلل خطير.
تجمع آلاف السكان في الساحة، وكان من بينهم كيان الذي وقف بجانب والدته ياسمين وصديقته سارة التي غطت وجهها بوشاح أسود. صعد الزعيم برفقة الشيوخ إلى المنصة الخشبية، وتنحنح وأعلن بصوت حزين تردد صداه في الأرجاء: "يا أهل قرية الصفصاف الأوفياء.. لقد جاءنا اليوم وفد قرية الصخور، وفرضوا علينا ضريبة حماية تعسفية جديدة. المطلوب من كل فرد في هذه القرية—صغيراً كان أم كبيراً—أن يجهز عشر قطع نحاسية كاملة، ويتم تسليمها للحرس خلال شهر واحد فقط، على أن يتم تحويل المجاميع إلى عملات فضية أو ذهبية لتسليمها للقرية المجاورة وتجنب غزو عسكري لا طاقة لنا به."
فور انتهاء جملة الزعيم، انفجرت الساحة بصيحات الرعب، والبكاء، والاعتراض الشديد. كانت الصدمة مروعة وفوق قدرة الاستيعاب؛ فقرية الصفصاف ليست قرية غنية، ومعظم أسرها تعيش على الكفاف.
إن مبلغ عشر قطع نحاسية عن الفرد الواحد يعني أن أسرة صغيرة مكونة من ثلاثة أفراد—مثل أسرة كيان وسارة وياسمين—مطالبة بدفع ثلاثين قطعة نحاسية. وهذا المبلغ الضخم، رغماً عن بساطته في المدن الكبرى، إلا أنه في قريتهم المنسية يكفي ليعيش عليه بيت صغير بكامل احتياجاته من دقيق، وزيت، وحطب لمدة شهر كامل تَمَامًا! الدفع يعني حرفياً التخلي عن طعام شهر كامل وتقديمه للطغاة، فضلاً عن صعوبة العثور على الفضة للاستبدال.
التفتت ياسمين نحو كيان بوجه أصفر من شدة الهلع، وهسيت بصوت مرتجف: "ثلاثون نحاسية يا بني؟! من أين لنا بهذا المبلغ ونحن لا نملك الآن سوى النحاستين اللتين أحضرتهما اليوم من بيع جوهرة الأرنب؟ إنهم يقتلونا ببطء!"
بينما انهمرت دموع سارة مجدداً وهي تشعر بالعبء الكبير الذي أصبحت تمثله على هذه العائلة بعد موت والدها المعيل.
أما كيان، فقد ظل واقفاً كالصخرة وسط الحشود الثائرة، ولم ينطق بكلمة واحدة. نظر إلى العملتين النحاسيتين في جيبه، ثم إلى سارة وأمه، وعلم أن الشهر القادم سيكون صراعاً حقيقياً ضد الزمن. يجب أن يدخل الغابة مجدداً، ويصطاد وحوشاً أقوى، ويستخرج جواهر أكثر قيمة ليبيعها بالفضة مباشرة في السوق، فاختراق مستويات المانا لم يعد مجرد حلم بالتميز، بل أصبح السبيل الوحيد للبقاء على قيد الحياة وحماية من يحب من ذل الجوع وأنياب الطغيان
تابعت الحشود تفرقها من الساحة المركزية وجوههم واجمة يعلوها البؤس واليأس، بينما عاد كيان مع والدته وسارة إلى كوخهم الصغير والصمت يلف خطوتهم. كانت نسمات المساء الباردة تتسلل عبر شقوق الجدران الطينية، تزيد من برودة قلوبهم القلقة.
بمجرد أن أغلق كيان الباب الخشبي، توجهت ياسمين بخطوات متهالكة نحو زاوية الغرفة، ورفعت لوحاً خشبياً مخفياً تحت الفراش، لتخرج منه كبساً قماشياً قديماً. فتحت الكيس بملامح يملؤها الأسى، وسكبت ما فيه على الطاولة الخشبية الصغيرة؛ رنت العملات برنين معدني باهت، وبدأ كيان يعدها بـعينه العسلية الحادة.. لقد كانت عشر قطع نحاسية تَمَاماً.
نظرت ياسمين إلى القطع النحاسية وقالت بصوت مخنوق: "هذا كل ما استطعت ادخاره طوال الأشهر الماضية يا بني.. كنت أعلم أن موعد الضريبة السنوية قد اقترب، وجمعت عشر نحاسيات على أمل أن تكفي لدفع ضريبتك وضريبتي كما فعلنا العام الماضي، ولم أكن أعلم أن الموت سيخطف العم عاصم وتصبح سارة أمانة بيننا، ولا أن الطغاة سيضاعفون المبلغ ويطالبون بعشر نحاسيات عن كل رأس!"
أمسكت سارة بطرف ثوب ياسمين وعيناها مغرورقتان بالدموع: "خالتي ياسمين.. أنا السبب في هذه المصيبة، لو لم أكن معكم لكانت العشر نحاسيات كافية لكِ ولكيان.. وجودي سيهلككم."
قاطعها كيان بنبرة حازمة ولكن دافئة، واضعاً يده الصغير والقوية على كتفها: "كفي عن هذا يا سارة، أنتِ فرد من هذه العائلة الآن، ومكانكِ هنا. لدينا الآن اثنتا عشرة قطعة نحاسية مع القطعتين اللتين أحضرتهما من بيع الجوهرة صباحاً، والمتبقي هو ثماني عشرة قطعة نحاسية.. هذا المبلغ ليس مستحيلاً، وسأتدبر أمره."
التفت كيان نحو والدته وقال بثبات: "أمي، غداً صباحاً سينطلق الصيادون المحترفون إلى أطراف الغابة لجمع اللحوم والجواهر لتسديد ديونهم.. لقد قررت الانضمام إلى إحدى فرق الصيد."
شهقت ياسمين بذعر: "الصيد؟! يا بني، أنت ما زلت صبياً صغيراً، والغابة أصبحت أشد خطورة بعد هجوم المد الأسود! الصيادون الكبار بالكاد ينجون هناك!"
أجابها كيان بابتسامة ثقة أخفى وراءها سر استيقاظه: "لا تقلقي يا أمي، الغابة ملجئي منذ سنوات، وأنا أعرف ممراتها أكثر من أي شخص آخر.. خروجي مع فرقة صيد رسمية هو الخيار الآمن والأسرع لجمع باق العملات."
في الصباح التالي، توجه كيان نحو النزل الشمالي للقرية، حيث تتجمع فرق الصيد قبل الانطلاق. كانت الأجواء مشحونة، والرجال يراجعون نبالهم ورماحهم بوجوه غاضبة. تقدم كيان نحو فرقة صيد معروفة يقودها صياد مخضرم يُدعى "صابر"؛ وهو رجل أربعيني قاسي الملامح لكنه معروف بعدالته، يحيط به أربعة من أشد رجال القرية.
وقف كيان أمامهم وقال بنبرة واضحة: "العم صابر، أريد الانضمام لفرقتكم في رحلة اليوم."
التفت أعضاء الفرقة نحو الصوت، وبمجرد أن وقعت أعينهم على جسد كيان النحيل وقامته القصيرة، انفجر اثنان منهم بالضحك، بينما قال أحدهم بسخرية: "ماذا تقول يا صغير؟ أهذه نزهة؟ اذهب لوالدتك وساعدها في غزل الصوف، الغابة ليست مكاناً للأطفال الذين لم تنبت لحاهم بعد، لن تكون قادراً على الصيد معنا بل ستصبح عبئاً نضطر لحمايته!"
وقال صياد آخر بحواجب معقودة: "الوحوش بالداخل أصبحت هائجة، وقوسك الخشبي الصغير لن يخدش جلد أصغر وحش مانا.. اخرج من هنا قبل أن تؤذي نفسك."
ظل كيان واقفاً في مكانه بثبات صخرة، ولم يرمش له جفن أمام سخريتهم، بل ثبت نظراته الحادة مباشرة في عيني زعيم الفرقة "صابر".
تأمل صابر الصبي الصغير لبرهة؛ فرغم صغر سنه، إلا أن نظرات كيان لم تكن نظرات طفل خائف، بل كانت تحمل هدوءاً غريباً وعمقاً لم يره إلا لدى الصيادين الكبار. تذكر صابر أن هذا الصبي هو ابن الصياد الراحل الذي طالما جاب الغابة، وأن كيان نفسه كان يدخل أطرافها يومياً لجمع الأعشاب ويعود سالماً دائماً.
رفع صابر يده ليصمت رجاله، ثم قال بصوت عميق: "كفى ضجيجاً أيها الرجال.. كيان سينضم معنا في رحلة اليوم."
احتج الصيادون فوراً: "ولكن يا رئيس! إنه صغير جِدًّا وسيعيق حركتنا!"
نظر صابر إلى رجاله وقال بحكمة: "أنتم مخطئون.. كيان صحيح صغير السن، لكنه يمتلك خبرة في هذه الغابة لا يمتلكها بعضكم؛ فهو يعرف طرق الغابة المحرمة مَمراً مَمراً، ويعلم أين تختبئ الوحوش الضعيفة وأي المسارات أأمن لتجنب المفاجآت، خاصة بعد التغيرات الأخيرة التي طرأت على طبيعة الغابة.. في هذا الوقت العصيب، نحتاج إلى عقل يعرف الأرض أكثر من حاجتنا لعضلات عمياء. وجوده معنا سيكون ميزة لنا."
التفت صابر نحو كيان وأردف بنبرة تحذيرية: "ستلتزم بأوامري تَمَاماً يا كيان، وسيكون نصيبك من الصيد متوافقاً مع مجهودك، هل تفهم؟"
أومأ كيان برأسه والموجات الدافئة من المانا تتحرك في عروقه ببطء: "موافق يا عم صابر.. لن تندم على هذا القرار."
ومع شروق الشمس، تحركت الفرقة بخطى حذرة نحو الضباب الكثيف الذي يلف أشجار الغابة المحرمة، يتقدمهم الصبي الصغير الذي كان يبتسم في خفاء؛ فـهذه الفرقة لن تمنحه الأمان فقط، بل ستكون الغطاء المثالي ليختبر قدرات جسده المستيقظ دون أن يثير الشكوك حول قوته المفاجئة.