اخترقت المجموعة الضباب الفضي الكثيف الذي يلف تخوم الغابة المحرمة، حيث بدت جذوع الأشجار العتيقة كأنها حراس من زمن سحيق. كانت الأجواء شديدة البرودة على غير العادة، فكلما توغلوا أكثر نحو الشمال باتجاه سفوح جبال المانا البيضاء، انخفضت درجات الحرارة وتجمدت حواف الأوراق البرية.
سار صيادو الفرقة الأربعة خلف زعيمهم "صابر" ب حذر شديد، عاقدين حواجبهم وعيونهم تترقب كل حركة برية. أما كيان، فقد كان يسير في المقدمة بخطوات خفيفة تكاد لا تترك أثراً على الطين البارد؛ كانت هذه أول مهمة رسمية له، والهدف الذي حدده صابر لم يكن هيناً تَمَاماً، بل كانوا في طريقهم لصيد **"الدب الجليدي"**.
يُعد الدب الجليدي واحداً من وحوش المانا الشرسة التي تقطن المناطق القريبة من الجبال؛ فهو كائن ضخم يمتلك جلداً سميكاً مرصعاً بطبقات من الكريستال الجليدي الصلب الذي يعمل كدرع طبيعي يرتد عنه النبال والرماح العادية، وهو وحش منجذب للقوة الجليدية والبرودة الشديدة، ويساوي جسده وجوهرته ثروة صغيرة تكفي لتأمين ضرائب عدة عائلات إذا تم اصطياده بنجاح.
تحرك كيان كمستكشف طرق بارع للفرقة. وعلى الرغم من أن الصيادين كانوا ينظرون إليه في البداية بريبة، إلا أن مهارته وسرعته في رصد العلامات الخفية جعلتهم يلتزمون الصمت بذهول؛ فبفضل حواسه المعززة بطاقة المانا المحرمة الكامنة في جسده، كان كيان قادراً على شم رائحة الصقيع المنبعثة من الوحش من مسافات بعيدة، ورؤية الغصون المكسورة حديثاً بفعل جسد الدب الضخم.
توقف كيان فجأة ورفع يده الصغيرة لتهدئة الحافة. انخفض بجسده نحو الأرض، ومسح طبقة رقيقة من الثلج المتراكم فوق التربة، ليجد أثراً عميقاً لمخالب ضخمة غُرست في الطين المتجمد. التفت نحو صابر وقال بنبرة خفيضة حاسمة: "العم صابر.. الوحش مر من هنا قبل وقت قصير، إنه يتجه نحو الوادي الصخري الصغير في الأمام، هناك حيث تشتد البرودة."
أومأ صابر برأسه معجباً بدقة الصبي، وهمس لرجاله: "أحسنتم.. لقد حددنا مكانه. الآن، تراجعوا قليلاً لنصب الفخ، فلا يمكننا مواجهة هذا الوحش وجهاً لوجه في معركة مفتوحة، لأن مخالبه الكريستالية قادرة على شق دروعنا الجلدية كأنها ورق."
توزع الرجال بسرعة وخبرة تحت إشراف صابر؛ واختاروا مَمراً ضيقاً يُجبر الوحش على المرور منه، وبدأوا في حفر حفرة عميقة وجسمية في الأرض الطينية. استغرق العمل الشاق قرابة الساعتين باستخدام الفؤوس والمعاول، حتى أصبحت الحفرة بعمق ثلاثة قامات كاملة.
لم يكتفوا بذلك، بل أحضر الصيادون جذوع أشجار قوية وقاموا بنحت أطرافها لتصبح مدببة وحادة كالأوتاد الفولاذية، ثم غرسوها بقوة في قاع الحفرة، بحيث تتجه رؤوسها الحادة نحو الأعلى لتمزق جسد الوحش وتقتله فور سقوطه. وبحذر شديد، قام كيان ومعه بقية الصيادين بتغطية فوهة الحفرة بأغصان الأشجار المرنة، ونثروا فوقها أوراق الشجر الجافة والتراب حتى اختفت معالم الحفرة تَمَاماً، وبدت كأنها جزء طبيعي من أرض الغابة.
تراجع الجميع واختبأوا خلف الصخور الجبلية والأشجار الكثيفة محتفظين بأنفاسهم. التفت صابر نحو أحد صياديه الأشداء، وهو رجل سريع الحركة يُدعى "عامر"، وقال له بصوت حازم: "عامر.. دورك الآن. اذهب واجذب الوحش نحو هذا الممر، تذكر ألا تقترب منه جِدًّا، فقط اثعره واجعله يلاحقك."
أومأ عامر برأسه، وسحب قوسه، ثم انطلق بخفة ونفذ نحو مكان الوادي الصخري. بعد دقائق من الانتظار الثقيل الذي حبس دقات قلوب الجميع، تردد في أرجاء الغابة زئير مرعب اهتزت له أوراق الأشجار؛ زئير يحمل صدى تحطم الجليد.
ظهر عامر فجأة عند منعطف الممر وهو يركض بأقصى سرعته، ووجهه يقطر عرقاً رغماً عن الصقيع. وخلفه مباشرة، كان يندفع بغضب عارم **"الدب الجليدي"**!
كان منظره مهيباً ومخيفاً؛ إذ كان بحجم ثور ضخم، يكسو ظهره وجانبيه فرو أبيض كثيف تتداخل معه بلورات كريستالية جليدية تلمع بضوء أزرق باهت تحت أشعة الشمس الشحيحة، وكانت عيناه تشعان ببريق وحشي أحمر. ضرب الدب الأرض بقوائمه الضخمة، مطلقاً أنفاساً متجمدة تكاد تجميد الهواء من حوله، ملاحقاً عامر الذي نجح في إثارة جنونه بعد أن أطلق سهماً أصاب عينه قسراً.
تعثر عامر فجأة بجذر شجرة بارز، وانزلق على الأرض لثوانٍ، ليقترب منه الوحش بسرعة مرعبة ويرفع مخلبه الكريستالي الضخم ليهبط به على رأسه في خطوة كادت تنهي حياته! حبس كيان أنفاسه وكاد يندفع من مخبأه لإنقاذه، لكن عامر—بخبرة السنين—تدحرج على الأرض بسرعة البرق، ليتفادى الضربة القاتلة التي حطمت الصخرة التي كانت خلفه إلى شظايا متناثرة.
استجمع عامر قوته ونهض بسرعة، مكملاً ركضه الـيائس نحو الفخ والموت يلاحقه على بعد خطوتين فقط. اندفع عامر بقفزة مرنة وطويلة متجاوزاً منطقة الفخ المغطاة، ليهبط بسلام على الجانب الآخر. أما الدب الجليدي، الذي كان أعمى بسبب الغضب الدامي ولم يدرك الخدعة، فقد وضع قوائمه الضخمة والثقيلة مباشرة فوق الأغصان الواهية.
تكسرت الجذوع الرفيعة فوراً تحت وطأة وزن الوحش الهائل، وهوى الدب الجليدي بصرخة مدوية وجسيمة إلى قاع الحفرة المظلمة، لترتطم جثته الضخمة بالأشجار المدببة في الأسفل.
تردد صدى ارتطام جسد الدب الجليدي في قاع الحفرة، متبوعاً بزئير ألم حاد ومكتوم خض أرجاء المكان. اندفع صابر وبقية الصيادين فوراً من مخابئهم، وتقدموا بـحذر شديد نحو حافة الحفرة والرماح مشرعة في أيديهم. في الأسفل، كان الدب الضخم يتلوى بعد أن انغرست الأوتاد الخشبية المدببة في بطنه وجسده الثقيل، محاولاً النهوض دون جدوى؛ إذ كانت جراحه مميتة والدماء القاتمة تسيل بغزارة فوق الأوراق الجافة.
ولم تمر دقائق معدودة حتى خمدت حركة الوحش تَمَاماً، وانطفأ البريق الأحمر في عينيه الوحشيتين، ليعلن موته رسمياً.
تنفَس عامر الصعداء وجلس على الأرض يمسح عرقه، بينما قال صابر بنبرة ارتياح: "عمل ممتاز يا رجال.. عامر، لقد خاطرت بحياتك ونلت منه. كيان، لولا دقة تتبعك للأثر لما وجدناه بهذه السرعة.. والآن، ليس لدينا وقت لنضيعه، يجب أن نخرجه ونبدأ العمل قبل أن تجذب رائحة الدماء وحوشاً أخرى."
باستخدام الحبال الغليظة وبجهد جماعي مضنٍ، تمكن الصيادون من سحب جثة الدب الجليدي الضخمة إلى السطح. ولأن نقل وحش بهذا الحجم الثقيل عبر مسارات الغابة الوعرة يُعد أمراً مستحيلاً وسيخفّض من سرعتهم، استل الرجال سكاكين الصيد الحادة وبدأوا في تقطيع الجسد بـمهارة؛ فقاموا بسلخ الجلد الكريستالي السميك بحرص شديد لعدم إتلاف البلورات الجليدية الثمينة، وقطعوا اللحم الأحمر الغني بالطاقة المانا إلى أجزاء متساوية يسهل حملها في الحقائب الجلدية.
وفي النهاية، تقدم صابر ب سكين خاصة نحو رأس الدب، وبضربة خبيرة، استخرج **جوهرة المانا الجليدية**؛ وكانت بلورة زرقاء متوهجة ينبعث منها صقيع خفيف يداعب الأصابع. وضعها صابر في جيب قماشي دافئ لحمايتها، وأعطى إشارة العودة: "الرحلة نجحت، هيا بنا إلى القرية قبل غياب الشمس."
عاد الفريق إلى قرية الصفصاف بـخطى سريعة، وتوجهوا مباشرة نحو سوق الصيادين المركزي، حيث يجتمع التجار لشراء الغنائم. وبعد فحص دقيق من كبار التجار للجلد الكريستالي النادر، واللحم الوفير، وجوهرة المانا التي أثارت إعجاب الحاضرين، تم تثمين الدب الجليدي بالكامل بمبلغ **خمس عشرة قطعة نحاسية**، وهو مبلغ يُعد ممتازاً جِدًّا في ظل الظروف الاقتصادية الخانقة التي تمر بها القرية.
جلس أعضاء الفرقة مع صابر في نزل الصيادين لتوزيع الغنائم بحضور كيان. أخرج صابر العملات النحاسية الخمس عشرة ووضعها على الطاولة، وبدأ يتحدث بنبرة حازمة وعادلة: "أيها الرجال، كما تعلمون، نظام التوزيع لدينا صارم؛ أولاً نقوم بخصم وتعويض تكاليف الرحلة من حبال وأوتاد ومعدات تضررت. وما يتبقى يتم توزيعه بناءً على **المساهمة الفعلية والأقدمية** في الفرقة."
أخذ صابر قسماً بسيطاً لتعويض المعدات، ثم بدأ تقسيم الباقي؛ فنال عامر نصيباً كبيراً ومستحقاً بسبب مخاطرته بجذب الوحش وتعرضه للموت، تلاه بقية الصيادين الأقدمين الذين تولوا الحفر والتقطيع الشاق. ثم التفت صابر نحو كيان، وابتسم بـخفة واضعاً أمامه **عملتين نحاسيتين كاملتين**، وقال: "هذا نصيبك يا كيان. لولا أقدميتنا وخبرة الرجال في القتال والتقطيع لنلت أكثر، لكن دورك كمستكشف طرق كان حاسماً اليوم، وقد أثبت ل الجميع أنك لست طفلاً يعيق الحركة، بل صياد حقيقي يُعتمد عليه."
أمسك كيان بالنحاستين، وشعر بـبرودتهما في يده، ولم يكن في قلبه أي اعتراض؛ فهو يعلم قواعد القرية جيداً، كما أن كسب نحاستين في يوم واحد يُعد إنجازاً ضخماً لصبي في عمره. نظر إلى صابر وقال بـامتنان: "شكراً لك يا عم صابر، وشكراً ل الجميع.. لقد تعلمت منكم الكثير اليوم."
أومأ الصيادون لكيان بـاحترام هذه المرة، واعتذر منه عامر بـربتة خفيفة على كتفه لشكه في قدراته سابقاً.
ومع حلول الظلام، ودع كيان رجال الفرقة وتوجه بخطى ثابتة نحو كوخه الصغير. وبدخول المنزل، وجد والدته ياسمين وسارة في انتظاره والقلق يأكل قلوبهما، وبمجرد أن رأتاه سالماً تنفستا الصعداء. أخرج كيان النحاستين ووضعهما فوق العشر نحاسيات القديمة على الطاولة، لتصبح الحصيلة **أربع عشرة قطعة نحاسية**.
انهمرت دموع الارتياح من عيني ياسمين وهي ترى ولدها يكبر ويتحمل المسؤولية، بينما شعرت سارة ب أمل حقيقي يدب في صدرها. جلس كيان معهما لتناول وجبة عشاء بسيطة، دافئاً بـحب عائلته، لكن عقله لم يتوقف عن التفكير؛ فـالرقم المطلوب هو ثلاثون نحاسية، والشهر يمر بسرعة، وهو بحاجة لاختراق مستويات المانا وتطوير جسده ليدخل مناطق أعمق في الغابة المحرمة ويصطاد وحوشاً تدر ذهباً وفضة.
استأذن كيان ودخل غرفته الصغيرة، واستلقى على فراشه مغلقاً عينيه، وبدأ يستحضر طاقة المانا المحرمة لتدور في عروقه بـانتظام، مستعداً بكامل جسده وروحه ليوم جديد وصراع مستمر ضد الزمن.