مع بزوغ فجر اليوم التالي، انبعثت خيوط الشمس الشاحبة لتداعب جدران الكوخ الخشبي العتيق. لم يكن هذا اليوم يوماً عادياً لكيان؛ فرغم أن فرقة الصيد بقيادة العم صابر تأخذ يوماً كاملاً من الراحة بين كل رحلة وأخرى لإراحة عضلات الرجال وصيانة المعدات المتضررة، إلا أن جسد المستيقظ داخل الصبي الصغير لم يكن يعرف معنى الراحة السلبية.

استغل كيان هذا الهدوء، وجلس في زاوية غرفته الصغيرة متربعاً على الأرض الخشبية، وأغلق عينيه العسليتين بتركيز شديد. بدأ يستجمع طاقة المانا الشحيحة والنقية المتطايرة من جبال المانا البيضاء القريبة، ويدفعها برفق داخل مسارات عروقه التي انفتحت بفضل الترياق المحرم. شعر بتيار دافئ وسلس يتدفق صعوداً وهبوطاً، يغذي خلاياه النحيلة ويصلح التعب الطفيف الذي أصابه في رحلة الدب الجليدي. كان التدريب والجمع اليومي هما سلاحه السري، وكل دقيقة يقضيها في التأمل كانت تقربه خطوة نحو المستوى المتوسط الذي يطمح إليه.

بعد إنهاء تدريبه الصباحي، عاد كيان لممارسة أعماله اليومية المعتادة في قرية الصفصاف لئلا يثير الشكوك حوله؛ فساعد والدته ياسمين في جلب الماء العذب من البئر المركزي، وقطع بعض جذوع الحطب لتدفئة الكوخ، وتبادل أحاديث قصيرة ودافئة مع سارة التي بدأت تتأقلم تدريجياً مع حياتها الجديدة، محاولاً بث الطمأنينة في قلبها المكسور.

ومع إشراق شمس اليوم التالي، انتهت مدة الراحة، وتجدد الموعد. توجه كيان بخطى سريعة ونشيطة نحو نقطة التجمع عند النزل الشمالي، حيث كان العم صابر وبقية الرجال بانتظاره، وقد بدت عليهم الحماسة والجدية بعد نجاح صيدهم السابق. استقبلوا كيان بترحاب حار وتقدير مكتسب، وانطلقت الفرقة مجدداً مخترقة الضباب الكثيف للغابة المحرمة، متوغلين هذه المرة نحو التلال الصخرية الوعرة التي تمتد عند قاع الجبال.

كان الهدف هذه المرة وحشاً ذكياً ومراوغاً جِدًّا يُعرف باسم "الغزال الصخري" .

يُعد الغزال الصخري من وحوش المانا الفريدة التي تنجذب بالكامل للقوة الأرضية وعنصر التراب؛ فهو ليس غزالاً عادياً لطيفاً، بل كائن صلب يتميز بحوافر حجرية سوداء شديدة الكثافة، وقرون مدببة كأنها صخور صوانية حادة. يمتلك هذا الوحش قدرة مرعبة على ضخ المانا الأرضية في قوائمه لإحداث هزات أرضية خفيفه ومفاجئة تتسبب في إخلال توازن الصيادين، كما أنه قادر على تحطيم الصخور الكبيرة بكل سهولة بنطحة واحدة من قرونه الفولاذية.

تحركت الفرقة بحذر شديد مستعينين بـإرشادات كيان وتتبعه البارع للأثر، حتى تمركزوا في موقع استراتيجي مرتفع، مشرف على وادٍ ضيق تتناثر فيه الصخور؛ وهناك كان الغزال الصخري يقف بخيلاء، يضرب الأرض بحوافره ممتصاً طاقة الأرض.

أشار العم صابر لرجاله بالاستعداد، وهمس بنبرة خفيضة: "الرجال المستعدون بالقسي، اشرعوا السهام الحديدية.. هذا الوحش سريع جِدًّا وجلده صلب، النبال العادية لن تخترقه. أطلقوا معاً عند إشارتي ل نثخن جراحه قبل أن يتحرك."

حبس الجميع أنفاسهم، ووجه ثلاثة من الصيادين الأشداء قسيهم الثقيلة نحو الغزال المسترخي. وما إن رفع صابر يده وهبط بها، حتى انطلقت السهام الحديدية الثقيلة في الهواء محدثة حفيفاً حاداً.

ستتت!

أصابت السهام جسد الغزال الصخري بدقة؛ فاخترق سهمان كتفه وفخذه الأيسر، ليطلق الوحش صيحة ألم حادة تشبه تحطم الحجارة. التفت الغزال بعيون تشتعل غضباً، وضرب الأرض بقائمته اليمنى بقوة هائلة، فضخت مانا الأرض موجة ارتدادية أحدثت هزة أرضية خفيفة في أرجاء الوادي، تسببت في تدحرج بعض الحصى واهتزاز أقدام الصيادين.

أدرك الغزال الصخري بذكائه الفطري أنه وقع في كمين مميت وأن مواجهة خمسة صيادين مسلحين وهو مصاب أمر خاسر؛ فالتف بسرعة مذهلة رغماً عن جراحه، وبدأ في الهرب والركض بسرعة البرق متعرجاً بين الصخور الضخمة محاولاً الاختفاء في أعماق الشجيرات الكثيفة.

"إنه يهرب! لا تتركونه يفلت، دمائه تساوي ثروة!" صاح صابر وهو يقفز من فوق الصخرة منطلقاً خلفه، وتبعه بقية رجال الفرقة ومعهم كيان الذي اندفع كالسهم، مستغلاً خفته وقوة المانا في ساقيه لملاحقة الأثر السريع للوحش الهارب وسط الغبار المتصاعد.

اندفع رجال الفرقة وراء الوحش الهارب كالعاصفة، وكان الغزال الصخري يقفز بـمرونة فائقة بين المنحدرات، مستغلاً طبيعته الأرضية ليجعل الصخور المتناثرة حامية له من ملاحقيهم. لكن صيادي قرية الصفصاف كانوا مصممين على نيل صيدهم؛ فالضريبة التعسفية لقرية الصخور كانت سوطاً يجلد ظهورهم ويدفعهم لتجاوز حدود طاقتهم البشرية.

"عامر! تقدم من جهة اليمين! يوسف، أحكم الحصار من اليسار!" صاح العم صابر وهو يركض بأقصى سرعته مستغلاً هالته القتالية لتثبيت خطواته فوق الأرض المهتزة.

كان كيان يركض في خط مستقيم خلف الغزال مباشرة، وكانت عيناه العسليتان ترصدان بـدقة قطرات الدماء القاتمة التي بدأت تسيل من كتف الوحش وفخذه. بفضل تدريبه الصباحي وتدفق المانا السلس في مساراته، شعر كيان بخفة غير طبيعية في جسده، فكان يثب فوق الشقوق الصخرية بـمرونة مذهلة أثارت دهشة الصيادين المحيطين به.

أثناء الجري السريع والمطاردة الحامية، استل الصيادون قسيهم مجدداً بـمهارة عالية. ومع كل فرصة تلوح في الممرات الضيقة، كانت السهام الحديدية تنطلق بكثافة نحو الهدف المتحرك.

ستتت! ختش!

نجح الصيادون في إصابة الغزال الصخري بعدة سهام أخرى استقرت في جنبيه وظهره أثناء ركضه الـيائس. ومع تزايد الطعنات، بدأ النزيف الحاد يستنزف القوة الأرضية الكامنة في جسد الوحش، وراحت ضربات حوافره تضعف وتفقد بريقها الصخري، حتى اختل توازنه واصطدم بجذع شجرة عتيقة، لتخور قواه ويسقط على الأرض الطينية لاهثاً، عاجزاً عن إحداث أي هزات أرضية أخرى.

اندفعت الفرقة فوراً وأحاطت بالوحش الساقط، وبضربة حاسمة وخبرة من العم صابر، انتهت المقاومة الأخيرة للغزال الصخري، وحل السكون في أرجاء الوادي.

"هذا هو الفوز الحقيقي!" تنفس أحد الصيادين الصعداء وهو يستند إلى رمحه.

لم يضيع الرجال دقيقة واحدة؛ أخرجوا السكاكين الحادة وبدأوا في تقطيع جسد الغزال الصخري، وسلخوا جلده الصلب الذي يشبه الصوان، واستخرجوا جوهرته الأرضية البنية المتوهجة، ثم وزعوا اللحم الوفير داخل الحقائب الجلدية لتسهيل نقله، وتوجهوا بـسرعة ونشاط نحو قرية الصفصاف قبل غياب الشمس.

في سوق القرية، حظيت غنائم الغزال الصخري بـإقبال كبير من التجار نظراً لجودة اللحم المليء بالطاقة وعنصر الأرض الصلب في جلده وجوهرته. وبعد مساومات سريعة وعادلة، تم بيع الصيد بالكامل بـثمن باهر بلغ ثماني عشرة قطعة نحاسية .

اجتمعت الفرقة مجدداً في نزل الصيادين لتوزيع الأرباح. وضع صابر العملات اللامعة على الطاولة، وبعد خصم تكاليف السهام الحديدية والمعدات، نظر إلى كيان بـابتسامة فخر واضحة وقال: "رحلة اليوم كانت ممتازة، وتوزيع اليوم سيسعدك يا صغيري."

عد صابر العملات، ووضع أمام كيان ثلاث قطع نحاسية كاملة دفعة واحدة!

لاحظ صابر نظرات التساؤل الخفيفة من بقية الصيادين، فرفع صوته قائلاً بـعدالة: "نصيب كيان اليوم هو ثلاث نحاسيات، ليس فقط لأنه استكشف الطريق وتتبع الأثر بـبراعة، بل لأنه شارك بـشكل فعلي في الهجوم والمطاردة؛ فسرعته وثباته أثناء الجري ساعدا في توجيه الغزال نحو الممر الضيق الذي أثخنا فيه جراحه بالسهام. لقد استحقها بجدارة."

أومأ الصيادون بـرؤوسهم موافقين، وصافحوا كيان بـاحترام متزايد؛ فلم يعد لديهم أدنى شك في أن هذا الصبي الصغير يحمل دماء صياد عظيم في عروقه.

أمسك كيان بالقطع النحاسية الثلاث، وشعر بـحرارة الانتصار تملأ صدره. ودع الفرقة وانطلق بـخطى واسعة نحو منزله، والدفء يغمر قلبه. وبدخوله الكوخ، استقبلته والدته ياسمين وسارة بـلهفة، فوضع النحاسيات الثلاث فوق حصيلة الأمس لتصبح الحصيلة الإجمالية للبيت سبع عشرة قطعة نحاسية !

بدأ الأمل الحقيقي يلوح في أفق الكوخ الصغير، واقتربوا خطوة إضافية من تأمين ضريبة الطغاة البالغة ثلاثين نحاسية. تناول كيان عشاءه وسط ضحكات أمه ودعوات سارة، ثم توجه إلى غرفته الصغيرة واستلقى على فراشه، مغلقاً عينيه وعقله يتأمل مسارات المانا في جسده، مستعداً بـكامل قوته ليوم جديد ورحلة صيد أكثر خطورة وإثارة.

2026/06/14 · 9 مشاهدة · 1106 كلمة
نادي الروايات - 2026