مرت أيام ذلك الشهر العصيب على "قرية الصفصاف" ثقيلة ورتيبة، كأنها ظلال جبلية ممتدة لا نهاية لها. وتحت وطأة التهديد الجاثم لـ "قرية الصخور" بدفع الإتاوة المجحفة، تحولت حياة الصبي كيان إلى ملحمة صامتة من الكفاح اليومي المنظم والصراع المستميت ضد الزمن؛ فلم يعد في جعبته متسع للراحة أو التراخي.
استمر كيان في ممارسة حياته بجدية ونضج يفوقان سنوات عمره الصغيرة. انقسمت حياته طوال الأسابيع الأربعة إلى إيقاع دقيق ومحكم؛ فكان يذهب بانتظام في رحلات الصيد المتتالية مع فرقة العم صابر، مستعرضاً مهاراته الفريدة كمستكشف طرق لا يخطئ في تتبع الأثار، ومشاركاً بـشجاعة وخفة في اصطياد وحوش المانا الضعيفة والمتوسطة على أطراف المنطقة المحرمة، وهو ما ضمن له احتراماً ثابتاً وتاماً بين رجال الفرقة الأشداء الذين باتوا يرون فيه تميمة حظهم ومستقبل الصيد في القرية.
أما في أيام الراحة—التي تفصل بين كل رحلة صيد وأخرى—فلم يكن كيان يعرف الكسل أبداً. كان يستيقظ مع تباشير الفجر الأولى، ويتوجه بخطوات خفيفة إلى الباحة الخلفية المستورة للكوخ، حيث يمارس تدريباته البدنية والقتالية الصارمة. أمضى ساعات طويلة في التدرب على استعمال قوسه الخشبي، مصوباً سهامه بدقة متناهية نحو أهداف وهمية حتى أصبحت يده لا ترتجف وعينه لا تخطئ الهدف. كما صنع لنفسه سيفاً خشبياً مخصصاً للتدريب الشاق، وأخذ يلوح به في الهواء محاكياً حركات القتال والدفاع، ضابطاً توازنه ومرونة جسده النحيل ومقوياً عضلات ساعديه التي بدأت تشتد وتبرز.
ولم يكن التدريب الجسدي سوى واجهة لتدريبه الأهم؛ ففي أوقات الراحة الليلية، وعندما ينام الجميع ويخيم السكون المطبق على الكوخ، كان كيان يتربع في فراشه الصغير ويستغرق في جمع المانا الشحيحة والنقية المتطايرة في أجواء جبال المانا البيضاء. وبمساعدة الوصفة المحرمة التي استهلك جرعاتها بعناية، كانت مسارات الطاقة في عروقه تتسع بـاطراد، وتصهر الشوائب في جسده، مما منحه قوة عضلية وحركية مذهلة وقدرة استيعاب أكبر للطبيعة من حوله.
كانت والدته ياسمين تراقبه بـفخر ممزوج بـالقلق وهي تراه يتحول من صبي صغير إلى رجل يعتمد عليه البيت، بينما كانت سارة ترافقه في تفاصيل الكوخ، وتساعد في طهي الطعام وتجفيف جلود الصيد، داعية له بـالسلامة في كل خروج.
ومع انقضاء الأيام وتوالي الرحلات الناجحة، كانت القطع النحاسية الصغيرة تتراكم قطعة فوق قطعة في الكيس المخفي تحت ألواح الأرضية. وبنهاية الشهر، ومع اقتراب موعد قدوم وفد قرية الصخور لاستلام أموال الحماية، جلس كيان في ليلة مقمرة وأخرج كيس الغنائم وسكب ما فيه فوق الطاولة الخشبية تحت أنظار أمه وسارة الشاخصتين.
رنت العملات بـرنين عذب ملأ أرجاء الغرفة بالدفء، وبدأ كيان يعدها بـثقة وعينين تلمعان بالأمل.. لقد نجح طوال الشهر في جمع **أربعين عملة نحاسية كاملة** بـجهده وعرقه!
نظرت ياسمين إلى الثروة الصغيرة ويدها ترتجف من شدة الفرح: "أربعون نحاسية يا بني؟! هذا أكثر مما كنا نحتاجه لتأمين الضريبة البالغة ثلاثين قطعة! لقد أنقذت بيتنا وسارة من الهلاك." بينما ابتسمت سارة بـدموع الارتياح، وشعرت لأول مرة منذ موت والدها أن هناك حامياً حقيقياً يحمي ظهرها.
ومع إشراق شمس اليوم التالي لانقضاء المهلة، حل اليوم الموعود الذي استيقظت فيه "قرية الصفصاف" على وجوم تام وهدوء يسبق العاصفة. لم يكد ينتصف النهار حتى ظهر عند مدخل القرية وفد "قرية الصخور" مجدداً، لكنهم لم يكونوا خمسة رجال هذه المرة؛ بل جاؤوا في حماية فصيل كامل من الجنود المسلحين الأشداء يمتطون جياداً ضخمة، يتقدمهم قائدهم ذو الملامح القاسية والهاله الباردة من المستوى الأول المرتفع.
احتشد أهالي القرية في الساحة المركزية بـقلوب ترتجف خوفاً، وتقدم زعيم قرية الصفصاف برفقة الشيوخ، حاملين الصناديق الخشبية التي جُمعت فيها الفضة والذهب من الأهالي طوال الشهر الماضي، وقدموها لقائد الوفد بـوجوه يملؤها الذل والانكسار.
بدأ جنود الوفد في فرز الأموال وعدّها بدقة متناهية تحت أشعة الشمس الحارقة، بينما كان كيان يقف وسط الحشود يراقب المشهد بـأعين عسلية حادة كالصقر، ويده تلمس خلسة خنجر والده القديم تحت عباءته.
وبعد ساعة من العد الجاف، تغيرت ملامح قائد الوفد وجحظت عيناه بغضب عارم، وبضربة قوية من يده أطاح بأحد الصناديق لتتناثر العملات الفضية على الأرض الطينية، وصاح بزئير هز أركان الساحة: "أيها الزعيم العجوز البائس! ما هذا الذي قدمته لنا؟! الأموال غير كاملة! هناك نقص واضح في الحسبة الإجمالية!"
شحب وجه زعيم قرية الصفصاف، وتقدم بـخطوات مرتعشة قائلاً بنبرة استعطاف: "أرجوك أيها القائد.. اسمعني. لقد بذلنا كل ما في وسعنا، لكن هناك ألف مواطن من أهالي قريتنا، معظمهم من العجائز، والأرامل، والأطفال الضعفاء الذين عجزوا تماماً عن جمع المبلغ المطلوب لـضعفهم وقلة حيلتهم، خاصة بعد مد الوحوش الذي ضربنا.. أرجوكم أمهلونا شهراً آخر!"
انفجر قائد الوفد بـضحكة ساخرة وقاسية رنت في أرجاء الساحة، ثم اعتلى صهوة جواده وقال بـبرود مميت: "إمهال؟ لا وجود لهذه الكلمة في قاموسنا. وبما أن ألفاً من رعاياكم عجزوا عن دفع قيمتهم نقدًا، فإن قانون الغابة يفرض البديل فوراً.. نحن نطالب بـتسليم هؤلاء الألف مواطن العاجزين عن الدفع ليصبحوا عبيداً مملوكين لقرية الصخور لمدة عامين كاملين! سيعملون في مناجمنا وحقولنا بالسخرة لتعويض هذا النقص."
وقعت الكلمات كـالصاعقة، وانفجرت الساحة بصراخ النساء وعويل الأطفال. واشتدت الأمور وبلغت ذروتها من الغليان بين الوفد وشيوخ قرية الصفصاف الذين تقدموا بـأجسادهم رافضين هذا الهوان؛ فصاح أحد الشيوخ بغضب: "تسليم ألف من أهلنا لـيصبحوا عبيداً؟! هذا موت رحيم مقارنة بما تطلبونه! لن نسلم أبناءنا وبناتنا للعبودية أبداً!"
وفوراً، استل جنود قرية الصخور رماحهم وسيوفهم الحديدية، وضخ القائد هالة طاقته المرعبة ليشل حركة الشيوخ، وقال مهدداً لـأهالي القرية بصوت يقطر سماً: "إياكم والامتناع أو التفكير في التمرد! إذا رفضتم التسليم، فـالأمر بسيط.. سيتحرك جيشنا غداً لتدمير قرية الصفصاف بالكامل ومسحها عن الوجود، وسنأخذ الجميع عبيداً دون استثناء!"
ساد رعب شل الأطراف، لكن القائد لم يكتفِ بذلك، بل أراد تحطيم أي أمل في قلوبهم بالاستنجاد أو الرفض، فأردف بنبرة جافة تحمل حقيقة مرعبة: "أيها المغفلون.. هل تظنون أننا نحن أصحاب قرار جمع هذه الضريبة؟ هل تعتقدون أن قرية الصخور تفعل هذا رغبة منها فقط؟ أنتم واهمون! هذه الضريبة تذهب بنسبة سبعين بالمائة تَمَاماً إلى **مدينة أسياد النار**! نعم.. هي مدينة مركزية عظمى تتبع لها العديد من القرى المحيطة بها وبعض المدن الصغيرة، ونحن مجرد جباة لـأوامرهم. لا أحد في هذه البراري يستطيع أو يجرؤ على رفض أوامرهم؛ فـشتان بين قوة القرى البائسة وقوة المدن المركزية العظمى التي تحكم المصائر بقبضة من نار."
قبل أن يبدأ الجنود في عزل الألف مواطن العاجزين، تقدم كيان بخطوات ثابتة ونظرات هادئة وسط الحشود نحو طاولات الحرس. أخرج من جيبه الكيس القماشي، ووضع **ثلاثين عملة نحاسية** كاملة—قيمة ضريبته وضريبة والدته ياسمين وسارة—أمام المسؤول عن السجلات. نظر الحارس بذهول إلى الصبي الفقير الذي استطاع تدبير هذا المبلغ بالكامل دون نقص، وسجل اسم عائلته في دفتر الناجين من العبودية.
عاد كيان إلى الوراء والعملات العشر المتبقية تنقبض في جيبه، لكنه لم يعد يشعر بأي فرحة بهذا النجاة الفردية؛ فـاليوم علم يقيناً أن كوخهم لن يكون امنًا أبدًا ما دام العالم محكوماً بهذا الطغيان.
نظر كيان حوله بـقلب يعتصره الغضب، ورأى الألف عاجز يُساقون بـالحبال كـالماشية وسط بكاء عائلاتهم، ورأى كيف خضع الزعيم والشيوخ مجبرين ومنكسرين أمام تهديد مدينة أسياد النار وقرية الصخور. ثبّت عينه العسلية نحو الأفق البعيد حيث تقع مدينة أسياد النار، واشتعلت مسارات المانا في جسده بـحرارة عنيفة؛ لقد ولد في روحه في تلك اللحظة طموح أسود وحاد.. لن يتوقف عند المستوى المتوسط، بل سيصعد إلى قمة هذا العالم لـيدك حصون المدن المركزية، ويحطم أنياب الطغاة الذين يستعبدون البشر بـاسم المانا والقوة.