خلف غبار الخيول الراحلة بـالألف مواطن الذين سُلبوا حريتهم، خيّم على "قرية الصفصاف" صمت مأتمي خانق. انقشعت غيوم الأزمة مؤقتاً، لكن الرعب من القوة الغاشمة لـ "مدينة أسياد النار" ترك جرحاً غائراً في نفوس الجميع. بالنسبة لكيان، لم يكن هذا الانكسار سوى وقود صبّ الزيت على نيران طموحه الكامن؛ فـالعشر عملات نحاسية المتبقية في جيبه لم تكن للادخار، بل كانت وسيلته لشراء القوة.
أدرك كيان أن تسريع وتيرة تدريبه واختراق مستويات المانا يتطلبان إعادة تحضير "الوصفة المحرمة"، وهو أمر مستحيل بـمفرده دون إثارة الشكوك؛ فدخول المناطق الأعمق في الغابة للبحث عن المكونات الطبية النادرة وأجزاء الوحوش الخاصة سيكشف سر قوته المفاجئة أمام فرقة الصيد. لذا، كان عليه العثور على شريك يشتري صمته بالمال.
وقع اختيار كيان على صياد مخضرم ومنعزل في القرية يُدعى "بشار". كان بشار رجلاً برياً، غريب الأطوار، لا يهتم بـسياسات القرى ولا يكترث بـأحد، وكل ما يهمه هو جمع المال لشراء احتياجاته. توجه كيان إليه في المساء بعيداً عن الأعين، وعرض عليه صفقة سرية؛ مد يده وأخرج العملات النحاسية العشر المتبقية ووضعها في قبضة بشار الخشنة.
نظر بشار إلى الثروة الصغيرة بـتعجب، ليوضح له كيان مطلبه بـهدوء ونبرة حازمة: "العم بشار، هذه العشر نحاسيات لك، مقابل أمر واحد.. أثناء رحلاتك المنفردة في أعماق الغابة، أريدك أن تجمع لي مكونات محددة من الوحوش والنباتات الطبية البرية دون أن تسأل عن السبب، وألا يعلم أحد بـهذه الصفقة."
لمع الطمع في عيني بشار، وهز رأسه موافقاً بـابتسامة خبيثة؛ فالمال كان كافياً لتأمين احتياجاته، والمهمة لم تكن تمثل خطراً كبيراً على صياد بـخبرته. وبـهذا، ضمن كيان تدفقاً سرياً ومستمراً لـمكونات وصفته الخاصة.
واستمر الحال على هذا المنوال لـمدة شهر آخر كامل. تحولت حياة كيان إلى آلة بشرية لا تتوقف عن الحركة؛ فكان يخرج بـانتظام مع فرقة العم صابر في حملات صيد يومية، مستكشفاً للطرق ومشاركاً بـشجاعة متزايدة في إسقاط الوحوش، وهو ما أتاح له مراقبة أساليب القتال الحقيقية واكتساب خبرة ميدانية هائلة، فضلاً عن تأمين قوت يوم عائلته ونفاد الشكوك من حوله.
أما في أوقات الفراغ القليلة وأيام الراحة، فكانت الباحة الخلفية للكوخ تشهد تدريباته القاسية بـالقوس والسيف الخشبي المخصص للتدريب، حيث أصبحت ضرباته أسرع، وحركاته أشد فتكاً ومرونة.
ومع حلول الليل، وعندما ينام الجميع، كان كيان يختلي بنفسه ويقوم بـتحضير التركيبة السائلة من المكونات التي يشتريها بشار خفية، ثم يبدأ بـدهن السائل بعناية على كامل جلده؛ لتتولى مسام جسده امتصاص المادة المركزة مباشرة، مما كان يشعل حرارة لاذعة تندفع إلى داخله لتطهير عروقه وتقوية عظامه. بعد ذلك، يستغرق في تأمل عميق لجمع المانا الصافية.
شعر كيان بـأن تيار المانا في عروقه أصبح كثيفاً ودافئاً كـالحمم اللاهبة، وأن عظام جسده صُهرت وأُعيد بناؤها بـصلابة الصخر نتيجة هذا الدهان السحري المستمر. ومع نهاية هذا الشهر من الطحن والتدريب، وقف كيان في ليلة مظلمة وهو يشعر بـأن مسارات الطاقة في جسده قد امتلأت عن آخرها، وأن جدار المستوى المبتدئ بات واهياً جِدًّا أمام ضربات طاقته؛ لقد أصبح على بعد خطوة واحدة فقط من اختراق حدوده والوصول إلى المستوى المتوسط، لـيبدأ خطوته الأولى نحو مجابهة الطغاة.
شعر كيان بـأن تيار المانا في عروقه أصبح كثيفاً ودافئاً كـالحمم اللاهبة، وأن عظام جسده صُهرت وأُعيد بناؤها بـصلابة الصخر نتيجة استخدام **الوصفة السحرية** المستمر. ومع نهاية هذا الشهر من الطحن والتدريب، وقف كيان في ليلة مظلمة يتأمل هذا الفيضان من الطاقة الكامنة في دمه، لكن تفكيره تجاوز حدود جسده النحيل لـينظر إلى الصورة الأكبر بـعمق ونضج خطيرين.
تذكر كيان مشهد الألف مواطن وهم يُساقون بـالحبال كـالماشية، وتذكر تهديد قائد الوفد بـإبادة القرية ومسحها عن الوجود بـأمر من "مدينة أسياد النار". أدرك الصبي يقيناً أن زيادة قوته منفرداً—مهما بلغت سرعة اختراقه للمستويات—لن تكون كافية أبداً لـحماية عائلته، وخاصة لـزيادة قوة قريته بأكملها؛ فـالرجل الواحد لا يمكنه الوقوف في وجه جيوش جرارة من المستيقظين، ويجب بالضرورة زيادة عدد القوى والمستيقظين من أعضاء القرية لـرفع قوتها الدفاعية وصنع نواة لـجيش حقيقي قادر على المجابهة.
لكن هذه الفكرة كانت تقف أمام جدار من المخاطر المميتة؛ فـالوصفة التي يمتلكها سحرية ومحرمة، وإذا تسرب خبر وجود تركيبة تمنح البشر القدرة على الاستيقاظ السريع وتقوية مسارات المانا بـهذه الكفاءة، فـإنها ستتسبب بـحرب طاحنة على قرية الصفصاف من القرى المجاورة بل ومن المدن المركزية نفسها لـانتزاع هذا السر الصادم، وحينها ستُباد القرية قبل أن تقوى عودها. كان الوضع صعباً جِدًّا ومعقداً كـالسير فوق حافة سيف حاد.
وفي وسط هذا التفكير المعتم، أتت إلى عقله فكرة صغيرة وذكية توازن بين الأمان وبناء القوة؛ وهي بدء تطبيق الخطة بـاستعمال الأصدقاء الموثوق منهم فقط، أولئك الذين يضمن ولاءهم وصمتهم بـحياته. تذكر سارة التي تعيش في كنفه وتشاركه ألم الفقد، وتذكر صديقيه المقربين في القرية: "يوسف" و"مروان"؛ وهما شابان من جيله يشهد لهما بـالنقاء والشجاعة، ويعانيان مثل الجميع من ذل الإتاوات.
قرر كيان أن يجمع هؤلاء الثلاثة في مكان سري بعيداً عن الأعين، لـيمنحهم فرصة العمر بـاستخدام **الوصفة السحرية**، مع التشديد المطلق والصارم على أهمية السرية التامة بينهم، وأن أي زلة لسان من أحدهم لن تعني موت صاحبه فحسب، بل ستكون بمثابة حكم بـالإعدام على عائلاتهم وقريتهم بأكملها. وبـهذا العهد السري الجديد، وضع كيان حجر الأساس لـعصبة خفية ستغير موازين القوى في جبال المانا البيضاء، بينما وقف هو على أعتاب اختراقه الأكبر نحو المستوى المتوسط.