في ليلة غاب قمرها وتلفعت برداء من الغيوم الداكنة، تسلل كيان بخطوات خفيفة كـالنسمة نحو مستودع قديم مهجور عند أطراف القرية، يحيطه شجر الصفصاف الكثيف الذي يحجب الرؤية تماماً. كان قد أرسل في طلب أصدقائه الثلاثة بـطريقة سرية للغاية؛ وما إن دخل وأغلق الباب الخشبي الثقيل، حتى وجد سارة، ويوسف، ومروان يجلسون حول شعلة قنديل باهت، والوجوم والقلق باديان على وجوههم من هذه الدعوة الغامضة في هذا الوقت المتأخر.

كسر كيان حاجز الصمت، وتقدم نحوهم بنظرات حادة ومليئة بـالجدية، وقال بصوت خفيض مسموع: "لقد جمعتكم اليوم هنا لأنني اتخذت قراراً مصيرياً.. سأساعدكم في إيقاظ وتطوير قوتكم السحرية، وسأجعل منكم مستيقظين حقيقيين يمتلكون طاقة المانا."

ساد صمت قصير، ثم التفت يوسف نحو مروان وانفجرا بـضحكة خافتة مكتومة، وقال يوسف وهو يهز رأسه ساخراً: "ماذا دهاك يا كيان؟ هل أثرت عليك أجواء الغابة المحرمة؟ إيقاظ قوتنا؟ نحن أبناء مزارعين وصيادين فقراء، والاستيقاظ يحتاج إلى جواهر مانا أسطورية أو تدريب في معاهد المدن المركزية العظمى! كفى مزاحاً يا صديقي، لقد أخفتنا بـهذا الاجتماع السري."

أومأ مروان موافقاً بـابتسامة عريضة: "نعم يا رجل، ظننت أن حراس قرية الصخور قد عادوا! إيقاظ القوة ليس مجرد لعبة نتسلى بها في المساء."

أما سارة، فقد ظلت صامتة تراقب ملامح كيان؛ فهي تعيش معه في نفس الكوخ، وتعلم أن الصبي الذي أمامها لم يعد هو نفسه منذ أشهر.

لم ينطق كيان بـكلمة واحدة رداً على سخريتهم، بل أخذ نفساً عميقاً وتقدم خطوة واحدة إلى الأمام. وفجأة، ضخ طاقة المانا المحرمة الكثيفة في عروقه بـقوة، لتنبثق من جسده النحيل هالة قتالية مرعبة وشفافة، أحدثت ضغطاً هوائياً مفاجئاً جعل لهب القنديل يترنح ويكاد ينطفئ، وانتشرت برودة لاذعة وصدمة طاقة خضت أركان المستودع المهجور.

تلاشت الضحكات فوراً عن وجوه يوسف ومروان، واتسعت أعينهما بـذهول عارم وشلل تام؛ فالضغط الذي يخرج من جسد كيان لم يكن ضغط صبي عادي، بل كان هالة قتالية قوية تقترب بـعنف من المستوى المتوسط!

قال كيان بنبرة باردة قطعت الشك باليقين: "أنا لا أمزح تَمَاماً.. أنظرا إلي جيداً، هل تظنان أن صبياً في مثل عمري يمكنه مرافقة فرقة العم صابر وإسقاط الوحوش، بل وجمع ثلاثين نحاسية في شهر واحد بـمفرده لو كان عادياً؟"

ابتلع يوسف ريقه بـصعوبة وقال بـصوت مرتجف: "هذا.. هذا مستحيل! قوتك زادت وتهجنت بـشكل مرعب عن ماضيك.. وكل هذا التغيير العظيم حدث في خلال ثلاثة أشهر فقط! إنها فترة قصيرة جِدًّا لا تكفي حتى لـفهم أساسيات المانا في المعاهد، فكيف وصلت إلى هذه المرحلة بـمفردك؟!"

أردف مروان بـصدمة وعيناه شاخصتان نحو هالة كيان المتلاشية: "أنت محق.. لقد كنت معنا قبل ثلاثة أشهر بالكاد تقوى على حمل **قوسك الخشبي**، والآن أنت تقف أمامنا كـمستيقظ حقيقي.. هذا يعني أنك تملك سراً عظيماً!"

أعاد كيان هدوءه وجلس معهم في الحلقة، وقال بـحسم شديد: "نعم، أمتلك **الوصفة السحرية** التي يمكنها تفعيل هذا التغيير في أجسادكم أيضاً وزيادة قوة قريتنا.. لكن قبل أن أشارككم قطرة واحدة منها، هناك شرط واحد لا تراجع عنه وهو **السرية المطلقة والتامة** بيننا.. إن خروج هذا السر خارج جدران هذا المستودع، أو زلة لسان واحدة أمام عائلاتكم، لن تعني موتكم فقط، بل ستجلب حرب إبادة من القرى المجاورة ومدن الطغاة لـانتزاع هذا السر، وسينتهي وجود قرية الصفصاف تَمَاماً."

نظرت سارة في عينيه وقالت بـثبات: "أنا معك يا كيان.. لقد رأيت الطغاة يسحقون أهلنا، ولن أسمح بأن نعيش ضعفاء.. أقسم بـدمي على السرية."

نظر يوسف ومروان إلى بعضهما البعض، وتبددت كل شكوكهما وحلت محلها عاصفة من الحماسة والمسؤولية الكبرى؛ فـالفرصة التي أمامهم هي فرصة لـتغيير مصيرهم البائس. وضعا يديهما فوق يد كيان، وقالا بـصوت واحد ملؤه الجدية: "نقسم لك بـحياتنا ودماء عائلاتنا.. سر الوصفة السحرية سيموت معنا في قبورنا، ولن ينطق به لساننا أبداً."

ابتسم كيان في خفاء وسط الظلام؛ فـالعصبة الخفية قد وُلدت أخيراً، لتكون النواة الأولى التي ستصنع فجر قرية الصفصاف وتحطم عروش الطغاة المستبدين.

ساد الهدوء أرجاء المستودع القديم بعد أن قطع الأصدقاء الثلاثة قسم الدم المغلظ. نظر كيان إلى وجوههم الشاخصة بـانتظار الخطوة التالية، ومد يده بـبطء إلى حقيبته الجلدية المخفية بعناية بين الألواح الخشبية؛ حيث أخرج قارورة زجاجية داكنة تحتوي على سائل كثيف غامض ينبثق منه بريق طاقة خفي، يميل إلى اللون الأرجواني الداكن.

بفضل تعامله السري مع الصياد بشار طوال الشهر الماضي، كان كيان يملك خليط الوصفة الكافي لـبدء هذه الخطوة التاريخية دون أي نقص. وضع القارورة على الطاولة الخشبية، ثم أحضر ثلاث قوارير صغيرة فارغة وقام بـتوزيع السائل بـدقة متناهية بينها، ممرراً لكل واحد منهم حصته الثمينة من الطاقة الكامنة.

أمسك كل من يوسف ومروان وسارة بقارورته بـأيدي ترتجف من شدة الرهبة والحماسة، لـيوجههم كيان بـنبرة حازمة ومعلمة: "هذا السائل هو مفتاح عهدكم الجديد. استخدموا **الوصفة السحرية** بـكاملها؛ ضعوها على أجسادكم لـتمتصها المسام مباشرة. سـتشعرون بـألم حاد يحرق مساراتكم وعظامكم لـتطهيرها، لكن إياكم والاستسلام أو الصراخ لكي لا ينكشف أمرنا."

لم تضع سارة وقتاً في التردد؛ كانت الرغبة في حماية عائلتها الجديدة والتخلص من ضعفها أقوى من أي خوف. أمسكت قارورتها وتراجعت إلى الخلف، حيث اعتزلت عنهم في زاوية معتمة ومستورة بـأكياس القش السميكة داخل المستودع، وبدأت تستخدم الوصفة السحرية بـكامل جوارحها بـصمت وثبات. وفي الوقت نفسه، انزوى يوسف ومروان في زاويتين منفصلتين وبدأوا في تطبيق التركيبة بـحذر وجدية تامة.

ولم تمر سوى دقائق معدودة حتى خيم على المكان جو ثقيل ومشحون بـالمانا الكثيفة. بدأت ملامح الأصدقاء الثلاثة تتغير، واعتصر الألم أجسادهم؛ فـحرارة الوصفة السحرية كانت تدك الحواجز الطبيعية المغلقة في عروقهم بـعنف، وتصهر الشوائب المتراكمة بـقسوة. كانت سارة تضغط على أسنانها بـقوة حتى كادت تدمي شفتيها لـتمنع خروج أي أنين، بينما استلقى يوسف ومروان على الأرض والـعرق يتصبب منهما كـالمطر، مجاهدين بـكل ما أوتوا من قوة إرادة لـتحمل الصدمة الارتدادية لـطاقة الأرض والطبيعة المحيطة.

كان كيان يقف في المنتصف بـعينين عسليتين مراقبتين ووقورتين، يتابع تدفق الهالات المضطربة حول أجسادهم بـارتياح.

وفي خلال عدة ساعات من المعركة الضارية ضد الألم وتطهير الجسد، بدأ الاضطراب يزول تدريجياً ليحل محله سكون طاقة نقي وعميق. انبعث تيار مانا أزرق باهت وخفيف لـيدور حول جسد سارة، وتبعه تياران بني ورمادي حول جسدي يوسف ومروان؛ لـيفتح الثلاثة أعينهم بـنظرات مغايرة تماماً، تشتعل بـبريق القوة والمعرفة الفطرية لـعناصر الطبيعة.

لقد نجح الأمر تَمَاماً؛ وبـفضل إرادتهم الصلبة وكفاءة التركيبة المحرمة، شق الأصدقاء الثلاثة طريقهم بـنجاح لـيصبحوا مستيقظين رسمياً من المستوى المبتدئ في ليلة واحدة! وقف يوسف ينظر إلى كفيه بـذهول وهو يشعر بـالمانا تتدفق في دمه، بينما انحنت سارة لـكيان بـامتنان صامت وعميق؛ فـالآن، لم تعد قرية الصفصاف بائسة كما كانت، وأصبح لكيان ذراعان وقوة حقيقية تدعمه في الظلال لـتحطيم عروش المستبدين.

2026/06/14 · 5 مشاهدة · 1007 كلمة
نادي الروايات - 2026