كانت النوافذ الخشبية للكوخ العتيق تهتز بعنف بفعل الرياح الشمالية الباردة القادمة من جهة الغابة المحرمة، محدثة صريراً مستمراً يكسر صمت المكان. في الداخل، لم يكن الحال بأفضل من الخارج؛ فالبرود يتسلل عبر الشقوق غير المنتظمة في الجدران الطينية المتداعية. وسط العتمة التي بدأت تفرض سيطرتها مع اقتراب غروب الشمس، كان هناك ضوء خافت ضئيل ينبعث من موقد حجري صغير في زاوية الغرفة. كان الموقد شحيح الحطب، يضم بضع جذوع جافة تتآكل ببطء، وتطلق ومضات برتقالية متراقصة تسقط على وجه الصبي الصغير الجالس أمامه.

​كان "كيان" في الثانية عشرة من عمره، وهو العمر الذي يبدأ فيه أطفال المدن الكبرى وجبال المانا الصفراء بتلقي تدريباتهم الأولى وتناول ترياقات الطاقة الفاخرة. لكن قصر قامته الملحوظ وبنيته الضئيلة النحيفة كانا يمنحانه مظهرًا أصغر من سنه بكثير؛ لم تكن تلك سوى ضريبة قاسية وضعت وزرها عليه جراء سنوات طويلة من الجوع والفقر والتقشف الذي عانت منه عائلته الصغيرة، بعد أن حُرمت فجأة من معيلها الوحيد. تحت خصلات شعره الأسود الفوضوي الكثيف الذي ينسدل بغير ترتيب، كانت تلمع عينان عسليتان واسعتان وحادتان، تحملان في أعماقهما نظرة أعمق بكثير وأكثر نضجاً مما ينبغي لطفل في مثل عمره أن يحملها؛ نظرة صلبة صقرتها مرارة الفقد والحرمان مبكراً، وجعلته يرى العالم بعين واقعية تخلو من براءة الأطفال.

​التفت كيان ببطء نحو والدته "ياسمين" التي كانت تجلس على مقعد خشبي متهالك قرب الموقد، محاولة غزل بضع قطع من الصوف البالي بيدين مرتعشتين. كان وجهها شاحباً نحيلاً، وقد خطت عليه الهموم والمسؤولية الثقيلة ملامح التعب والشيخوخة المبكرة. منذ ست سنوات كاملة، وتحديدًا عندما كان كيان في السادسة من عمره، انهار عالمه الصغير المستقر تماماً؛ حدث ذلك في تلك الليلة المشؤومة عندما هجم "مد الوحوش" الأسود والضاري على أطراف القرية بجوار جبال المانا البيضاء، وكان والده أحد المقاتلين الأشداء الذين وقفوا في الخطوط الأمامية مستخدمين أسلحتهم البسيطة لحماية النساء والأطفال.. خرج والده في تلك الليلة بابتسامة شجاعة، ولم يعد منها يوماً، ولم يترك خلفه سوى غيابه الثقيل وكتاب قديم مغلق.

​منذ ذلك اليوم المحفور في ذاكرته، ارتبطت كلمة "الوحوش" في عقل كيان بالرعب والموت المباغت، ولكن تولدت مع هذا الرعب رغبة عارمة، بل هوس حقيقي بامتلاك القوة. وفي هذا العالم القاسي والمبني على تراتبية طبقية صارمة، القوة والنجاة والكرامة تعني شيئاً واحداً فقط: المانا. لكن الفقراء وسكان القرى المنسية أمثالهم لا يملكون ثمن "أحجار الإيقاظ" السحرية باهظة الثمن، والتي تحتكرها العائلات النبيلة في المدن الكبرى لفتح مسارات الطاقة في أجساد أبنائهم. لذا، كان كيان مجرد طفل عادي تماماً، بلا مانا، بلا مسارات مفتوحة، يعيش على هامش هامش عالم مليء بالمستيقظين والمقاتلين والسحرة الذين يحركون الجبال بإشارة من أصابعهم.

​نفض كيان الأفكار الرمادية عن رأسه، وقف ببطء ومسح على ثيابه المرقعة، ثم أمسك بسلته الخشبية الصغيرة المتهالكة المعلقة قرب الباب. التفت إلى أمه وقال بصوت هادئ، محاولاً فيه تصنع النبرة الطبيعية لتبديد قلقها المزمن: "أمي، سأذهب الآن إلى أطراف الغابة القريبة. الموسم الحالي بارد ورطب، وهو وقت ممتاز لنمو فطر (الظل) الثمين، وربما يحالفني الحظ وأجد بعض النباتات البرية الصالحة للطهي لنسد بها رمقنا الليلة بدلاً من تناول الحساء الخفيف مجدداً."

​توقفت ياسمين عن الغزل فوراً، ونظرت إليه بعينين عسليتين تفيضان بالخوف الشديد والهلع. وضعت يدها على صدرها وقالت بصوت متهدج مرتجف: "لا تتوغل داخل الغابة يا كيان، أرجوك! الصيادون عادوا صباحاً وقالوا إن تدفق المانا في الأجواء مضطرب للغاية هذه الأيام، والطاقة الشرسة تجعل كائنات الغابة هائجة، والوحوش قد تقترب من الخطوط والأطراف في أي لحظة.. لا يمكنني تحمل خسارتك أنت أيضاً."

​ابتسم كيان ابتسامة دافئة ومطمئنة، وحاول إظهار ثقة أكبر مما يشعر به في داخله: "لا تقلقي يا أمي العزيزة، أنا أعرف هذه المنطقة مثل كف يدي. لن أتعدى خط الأشجار الأول أبداً، سأبقى تحت الضوء وحيث يمكنني رؤية بيوت القرية. سأعود سريعاً قبل أن يشتد الظلام." فتح الباب الخشبي ليخرج سريعاً، مستقبلاً الرياح القارسة التي لفحت وجهه الأسمر.

​خارج الكوخ، كانت الأجواء ضبابية ومشبعة بتلك الطاقة السحرية غير المرئية؛ المانا. كان بإمكان الجميع الشعور بوجودها كنسيم ثقيل يضغط على الصدور، لكن لا يمكن لأي شخص عادي استخدامها أو سحبها دون مسارات مفتوحة. مشى كيان بخطوات سريعة وخفيفة نحو أطراف الغابة المحرمة، متجنباً البرك المائية الصغيرة الناتجة عن الندى، وعيناه العسليتان الواسعتان تمسحان الأرض العشبية بدقة بالغة بحثاً عن أي علامة خضراء أو فطر صالح للأكل.

​بدأ جولته بجمع بعض جذور الأعشاب البرية المرة التي تستخدمها أمه لتنكيه الطعام، ثم توجه نحو الجذوع الرطبة الضخمة للأشجار الكبيرة التي تشكل السور الطبيعي للغابة حيث ينمو الفطر في الظلال. انحنى بظهره الصغير، وجلس على ركبتيه يبحث بين الطحالب، وبدأ يقتلع حبات فطر الظل الرمادية بعناية فائقة ويضعها واحدة تلو الأخرى في سلته، عاداً إياها بفرح صامت؛ فهذه الحبات قد تضمن لهما عشاءً مشبعاً الليلة. وبينما كان غارقاً في بحثه وتركيزه، انقطع حفيف الرياح فجأة، وسمع صوت تكسر غصن جاف بوضوح خلفه.

​تجمد كيان في مكانه تماماً. حبس أنفاسه، وشعر ببرودة مفاجئة تسري في عموده الفقري لا علاقة لها بطقس الشتاء. التفت ببطء شديد، لتتسع عيناه العسليتان برعب عارم صبغ ملامحه بالذهول.

​على بعد خمس خطوات فقط، خلف شجيرة منخفضة، كان يقف كائن لم يره كيان إلا في الرسومات التحذيرية للقرية؛ إنه "ثعلب ناري صغير". ورغم أن كلمة "صغير" قد توحي بعدم الخطورة مقارنة بالوحوش العملاقة الكاسرة التي تقطن الأعماق، إلا أن هذا الكائن كان وحش مانا حقيقي. كان الفراء البرتقالي الكثيف المحيط بعنقه يتوهج بلهب حقيقي مستعر يصدر صوتاً خافتاً كالنار الحية، وعيناه الحمراوان المشعتان بالدماء تشتعلان بشراسة وحشية غير عاقلة، مدفوعة بطاقة المانا المضطربة التي ملأت الأجواء. أصدر الثعلب هسيساً حاداً ومرعباً، وظهرت أنيابه الدقيقة القاتلة، ثم تقدم خطوة بطيئة للأمام، خافضاً رأسه ومستعداً للانقضاض وتمزيق فريسته البشرية الصغيرة.

​تراجع كيان خطوة للوراء ببطء، وقلبه ينبض بعنف كطبل حرب داخل صدره. تلفت يمنة ويسرة بلمحات سريعة لتقييم الموقف؛ كانت طريق العودة إلى السهل المفتوح والقرية مكشوفة تماماً، وإذا اتخذ قرار الركض في تلك المساحة الخالية، فسيقوم الثعلب الناري السريع، والمعزز بطاقة المانا الحركية، باصطياده وتفحيمه في ثوانٍ معدودة قبل أن يقطع نصف المسافة. لم يكن أمامه أي مفر، ولا يوجد أي صياد قريب لنجدته، وخيار النجاة الوحيد المتبقي كان خياراً مجنوناً يتنافى مع كل تحذيرات والدته.

​دون تفكير ثانٍ، وفي اللحظة التي وثب فيها الثعلب الناري في الهواء متقدماً نحوه ككتلة من اللهب المستعر، ألقى كيان سلته الخشبية بما فيها من فطر في وجه الوحش ليعيق رؤيته، واستدار بكامل قوته راكضاً بأقصى سرعة تمتلكها ساقاه الصغيرتان نحو الاتجاه المعاكس.. نحو عمق الغابة المحرمة!

​توغل الصبي بين الأشجار الكثيفة المتشابكة، ضارباً بكل القواعد والتحذيرات عرض الحائط، مقتحماً الظلال الكثيفة وضباب الغابة، بينما كان الثعلب الناري الشرس يلاحقه من الخلف كشرارة قاطعة مشتعلة تمزق عتمة الأشجار، تاركاً خلفه آثار حريق طفيفة على أوراق الشجر الجافة، لتبدأ رحلة كيان التي ستغير حياته وحياة جبال المانا بأكملها.

2026/06/13 · 4 مشاهدة · 1052 كلمة
نادي الروايات - 2026