مع بزوغ فجر اليوم التالي لـعهد الظلال، لم يتغير إيقاع الحياة الظاهري في قرية الصفصاف، لكن في الخفاء، كانت هناك عجلة طاقة بدأت تدور ولن تتوقف أبداً. تحول المستودع المهجور إلى معسكر تدريب سري يضج بـالعزيمة؛ فاستمر الأصدقاء الثلاثة—سارة ويوسف ومروان—في ممارسة تدريباتهم بـشكل يومي ودون انقطاع، مستغلين الإرشاد الدقيق لكيان لـضبط هالاتهم المبتدئة وفهم مسارات المانا الجديدة في أجسادهم.
لم يكن كيان يكتفي بـدور المعلم، بل كان يفرغ كامل طاقته في حلبة الصراع اليومي. ظل يتابع رحلات الصيد بـانتظام مع فرقة العم صابر، مواجهاً وحوش المانا وجهاً لوجه لـيصقل مهاراته القتالية في المعارك الحقيقية، ثم يعود لـيمارس التدريب الجسدي الشاق بـالقوس والسيف الخشبي في وقت فراغه، مستعيناً بـالوصفة السحرية التي يدهنها على جلده ليلاً لـتذويب أي مجهود أو تعب.
ومع مرور شهر آخر من العمل الجاد، والطحن المتواصل، والتركيز الذي لا يلين، جاءت اللحظة الحاسمة في ليلة شديدة البرودة. كان كيان يتربع في فراشه عندما أحس بـانفجار هادئ وعميق داخل دمه؛ تحطم الجدار غير المرئي الذي كان يعترض مساراته، وتدفقت المانا بـكثافة ونقاء غير مسبوقين في أوردته، لـتعلن هاته الخضراء الشفافة عن ارتقائه رسميًّا.. لقد شق طريقه وأصبح مستيقظاً من **المستوى المتوسط**.
تنفّس كيان الصعداء وهدأت طاقته، لكن على عكس المتوقع، لم ترتسم على وجهه أي علامات فرح أو غبطة؛ بل انقبضت أساريره وساد وجهه وجوم حاد، وبات من الواضح أنه **مش سعيد** تَمَاماً بـهذا الإنجاز.
نظر كيان إلى كفيه بـعينين عسليتين يملؤهما القلق، وحسب الأيام في عقله بـمرارة؛ لقد استغرق أربعة أشهر كاملة من الكفاح المستميت، والصيد الخطير، واستخدام الوصفة السحرية المحرمة فقط لـيصل إلى المستوى المتوسط!
هذه الحقيقة نزلت على عقله بـثقل الجبال؛ فـالمعروف فِطْرِيًّا في عالم المستيقظين أن زيادة القوة وتطويرها في البداية والمستويات الأولى تكون سريعة وسهلة جِدًّا، وكلما تقدم الإنسان وتطور في رتب المانا، كلما أصبح التطوير والارتقاء أصعب، وأعقد، ويتطلب وقتاً أطول بـأضعاف مضاعفة.
انقبض قلب كيان وهو يفكر في القوى العظمى، والأشرار العتاة، والأعداء الأكبر الذين ينتظرونه في قادم الأيام؛ فإذا كانت المستويات المبتدئة قد استهلكت منه أربعة أشهر بـوجود الوصفة، فكم من السنوات سيستغرق لـاختراق المستويات المتقدمة والعليا لـيواجه طغاة هذا العالم؟ جلس الصبي وسط الظلام مستشعراً ثقل المسؤولية، مدركاً أن جدار القوة الحقيقي قد بدأ يظهر، وأن عليه إيجاد طرق أكثر فتكاً وجرأة لتسريع نموه ونمو عصبته الخفيه
انقبض قلب كيان وهو يفكر في القوى العظمى، والأشرار العتاة، والأعداء الأكبر الذين ينتظرونه في قادم الأيام؛ فإذا كانت المستويات المبتدئة قد استهلكت منه أربعة أشهر بـوجود الوصفة، فكم من السنوات سيستغرق لـاختراق المستويات المتقدمة والعليا لـيواجه طغاة هذا العالم؟
في تلك اللحظة من الإحباط والوجوم، تذكر كيان فجأة ذلك الكتاب الأثري الغامض الذي عثر عليه في الغابة المحرمة؛ الكتاب الذي كان يحوي سر الوصفة الأولى. قرر العودة إليه فوراً بـأمل متجدد، محاولاً قراءة أي شيء مفيد، أو البحث عن مخرج، أو تركيبة أعتى تساعده على كسر هذا الجدار البطيء لتطور القوة.
طوال الفترة السابقة والأشهر الأربعة الماضية، كان كيان يستغل أوقات فراغه بـذكاء لـيتعلم مبادئ القراءة والكتابة بـمساعدة والدته؛ لكي لا يظل جاهلاً بـأسرار العالم من حوله. أخرج الكتاب من مكمنه السري بـعناية، وفتحه تحت ضوء السراج الخافت، وحاول تتبع السطور والرموز بـتركيز شديد.
لكن، وبرغم كل الجهد الذي بذله في التعلم مؤخراً، باءت محاولته بـالفشل؛ حيث شعر بـالعجز التام وهو يقف أمام نصوص معقدة وطلاسم لم يستطع فهم المطلوب منها أو استيعاب مغزاها بـشكل دقيق.
ظناً منه أن مستواه التعليمي الغض والحديث هو السبب وراء هذا العجز، أغلق كيان الكتاب وتوجه بـخطوات هادئة نحو غرفة والدته "ياسمين" في جوف الليل. جلس جوارها، وفتح الكتاب أمامها طالباً مساعدتها في قراءة الصفحات المستعصية عليه، مستنداً إلى خبرتها الطويلة.
تأملت ياسمين الصفحات بـاهتمام، وحاولت جاهدة تهجي الكلمات، لكن المفاجأة التي نزلت على كيان كـالصاعقة هي أن والدته نفسها بدأت تواجه صعوبة بالغة وكبيرة في القراءة!
نظرت ياسمين إلى ولدها بـملامح حائرة وقالت بنبرة خافتة: "يا بني.. هذا الكتاب قديم جِدًّا، ضارب في عمق التاريخ. ورغم أنه مكتوب بـنفس لغتنا الأم التي نتحدث ونكتب بها اليوم، إلا أن المعاني، والتراكيب، وبعض الكلمات قد تغيرت وتبدلت تَمَاماً مع مر الزمان، واختلفت اللهجات والأساليب بين الأزمنة القديمة وزمننا الحالي.. إنه يحتاج إلى خبير في اللغات الأثرية لـيفك شفرته."
انطفأت جذوة الأمل السريع في عيني كيان، وأدرك أن الأمر أعقد بكثير مما تخيل؛ فالكتاب يحمل أسراراً تفوق عصرهم، والوصول إلى المعرفة التي بداخله سيتطلب رحلة بحث أخرى في تاريخ وعوالم هذا الكون المحكوم بـالغموض والقوة.