لم يكد كيان يستوعب معضلة الكتاب القديم والتبدل الزمني لـغته، حتى قطعت سكون الصباح أبواق قرية الصفصاف النحاسية، تدوي بـنغمات حادة ومتقطعة تعلن عن اجتماع عاجل وطارئ لـشيوخ القرية في الساحة المركزية. كانت تلك الأبواق لا تُقرع إلا في الملمات؛ فـدب الذعر في قلوب الأهالي، وظن الجميع أن مكروهاً جديداً قد حل بـقريتهم من قِبل الجباة.
خرج كيان بـخطوات ثابتة من كوخه متوجهاً إلى الساحة وسط الحشود المتدافعة، وخلفه والدته ياسمين وسارة، بينما التقى في طريقه بـيوسف ومروان؛ حيث تبادل الثلاثة نظرات حذرة وصامتة، وأيديهم تلمس خلسة أسلحتهم، مستعدين لـأي طارئ قد يهدد عهد ظلالهم الخفي.
احتشد أهالي القرية في الساحة، ليجدوا شيوخ القرية وزعيمها العجوز يقفون على المنصة الخشبية، لكن ملامحهم هذه المرة لم تكن تحمل الانكسار المعتاد، بل كانت مزيجاً غريباً من الهيبة، والقلق، والأمل الباهت.
تقدم الزعيم وأشار بـيده لـيهدأ الصراخ والعويل، ثم قال بصوت جهير تردد في أرجاء الساحة: "يا أهالي قرية الصفصاف، أنصتوا تَمَاماً.. لقد وردتنا رسالة رسمية وعاجلة من أسياد المدينة المركزية العظمى، وحملت معها أمراً سيغير مصير بعض أبنائنا؛ فقد تقرر فتح باب القبول لـأقوى عشرة طلاب من قريتنا لـلالتحاق بـمدارسها القتاليه الأسطورية، لـيتم تدريبهم وصناعتهم كـنخبة من المستيقظين."
سادت الساحة جلبة واسعة وتمتمات مذهولة، لكن الزعيم تابع بـنبرة حازمة لـيوضح الشروط الصارمة: "ولكن، هذا القبول ليس متاحاً للجميع؛ فـالأسياد وضعوا شرطين لا تراجع عنهما: الأول ألا يتجاوز سن الطالب أربعة عشر عاماً، والثاني أن يكون المتقدم ممن أيقظ قواه السحرية بالفعل ويمتلك طاقة المانا في عروقه. وستتم الاختبارات التنافسية تَمَاماً هنا في الساحة في غضون شهر واحد من الآن، بعد حضور وفد رسمي من المدينة لـمراقبة الاختبارات والوقوف على كفاءة المتأهلين بـأنفسهم."
وقعت الكلمات على الحشود كـالصدمة؛ فـالالتحاق بـالمدارس القتالية في المدينة المركزية يعني الخروج من مستنقع الفقر والذل، وضمان مستقبل يعج بـالقوة والنفوذ، بل وقد يكون وسيلة لـحماية عائلاتهم من الاستعباد مستقبلاً. لكن في الوقت نفسه، كان الشرط تعجيزياً لـقرية بائسة؛ فمن من الصغار دون الرابعة عشرة يمتلك ترف الاستيقاظ دون موارد؟
وسط ذهول الحشود، التفت يوسف ومروان نحو كيان وعيونهما تتسع بـصدمة لاهبة وحماسة غير مكتومة؛ فـهم، وبفضل **الوصفة السحرية** التي منحها كيان لهم قبل شهر واحد، أصبحوا مستيقظين رسمياً وضمن السن المطلوب تَمَاماً!
أما كيان، فقد ظل واقفاً كـالصنم، وعيناه العسليتان تلمعان بـبريق حاد وبارد تحت أشعة الشمس. لم يفكر في مجد المدارس، بل رأى في هذا الإعلان المفاجئ المخرج المثالي لجدار القوة الذي يواجهه؛ فـدخول المدينة المركزية يعني الوصول إلى مكتباتها الضخمة، والتقاء خبراء اللغات الأثرية القادرين على فك شفرة كتابه القديم، فضلاً عن دراسة قوة أعدائه المستقبليين من الداخل.
التفت كيان إلى عصبته الخفية، وهمس بـصوت كـالفحيح يقطر تحدياً: "الشهر القادم سيكون معركتنا الأولى.. جهزوا أنفسكم؛ فـالمقاعد العشرة لن تخرج من بين أيدينا."
التفت كيان إلى عصبته الخفية، وهمس بـصوت كـالفحيح يقطر تحدياً: "الشهر القادم سيكون معركتنا الأولى.. جهزوا أنفسكم؛ فـالمقاعد العشرة لن تخرج من بين أيدينا."
لم تكن كلمات كيان مجرد شعارات حماسية، بل كانت بمثابة إعلان حالة الطوارئ القصوى لعصبة الظلال. وبدءاً من تلك الليلة، انمحت من قاموس الأصدقاء الأربعة مجرد فكرة الراحة أو النوم الهنيء؛ واستغرق كيان واصدقائه كل وقتهم في التدريب خلال الشهر بلا كلل ولا ملل، محولين ليلهم ونهارهم إلى ملحمة صامتة من الطحن والصقل الجسدي والروحي.
كانت خطة كيان تقتضي الموازنة القاتلة؛ ففي النهار، يخرج كـالمعتاد مع فرقة الصيد لـتأمين المكونات عبر الصياد بشار، ومواجهة الوحوش بـمستواه المتوسط الجديد لتعتاد عضلاته على تدفق الطاقة الكثيف. وفي الليل، يختلي بـأصدقائه الثلاثة في المستودع المهجور، يشرف بـنفسه على صقل مهاراتهم، ويحثهم على دفع حدود طاقتهم المبتدئة إلى أقصى مدى ممكن، مع التشديد الصارم على عدم إظهار كامل قوتهم في القرية لكي لا يثيروا الشكوك قبل الآوان.
سارة، التي كانت تقاتل بـدافع الانتقام وحماية عائلتها، أبدت مرونة مرعبة في التحكم بـمانا الطبيعة الزرقاء؛ بينما كان يوسف ومروان يتبادلان الضربات بـالسيوف الخشبية حتى تدمي كفوفهما وتتصلب عظامها نتيجة الاستخدام المتكرر لـلوصفة السحرية التي كان كيان يوفرها لهما بـانتظام. كان العرق يتصبب منهم كـالأنهار وسط عتمة الليل، وأنين العضلات الممزقة يتلاشى أمام عناد قلوبهم الراغبة في انتزاع الحرية.
مرت الأيام والأسابيع كـالبرق الخاطف تحت وطأة هذا التدريب الانتحاري، حتى انطوت صفحة الشهر كاملاً، وتبخرت آخر قطرات الوقت المتاح.
وصاحب فجر اليوم الموعود قرعُ طبولٍ ضخمة وغريبة لم تعهدها القرية من قبل؛ طبول ذات رنين معدني ثقيل يزلزل الصدور، أعلن دويها عن وصول الوفد الرسمي من المدينة المركزية لـمراقبة الاختبارات. امتلأت الساحة المركزية بـمنصات حديدية فخمة، واحتشد الأهالي والدموع تحبسها الجفون خوفاً وطمعاً، بينما وقف كيان في مقدمة الصفوف وجواره سارة، ويوسف، ومروان؛ تشتعل أعينهم بـبريق خفي، مستعدين لـزلزلة الساحة وإثبات أن زمن الاستضعاف قد ولى إلى غير رجعة.