أشرقت شمس اليوم الموعود حارقة ملتهبة، وكأنها تعكس وطأة الحدث الكتموم الذي طال انتظاره. في صدر الساحة المركزية لـقرية الصفصاف، نُصبت منصة خشبية فخمة مغطاة بـالسجاد القرمزي، تليق بـمكانة الضيوف القادمين من أعماق المدن المركزية الكبرى؛ وهناك، جلس وفد الاختيار بـهيبة صامتة وجبروت يفرضان الرعب في النفوس.
كان الوفد يتكون من سبعة أفراد يرتدون عباءات حريرية مطرزة بـخيوط الذهب والمانا، يحيط بهم عشرة حراس مدججين بـدروع فولاذية سوداء مصقولة، تخرج من ثناياها هالات طاقة مرعبة تدل على مستوياتهم المتقدمة. في منتصف المنصة، جلس قائد الوفد ذو النظرات الباردة المستعلية، ويُدعى "فالكور"، وعن يمينه مستشارته بـملامحها الحادة كـالسيف وتُدعى "زيلدا"، بينما انشغل فاحص الطاقة الدقيق، ويُدعى "أوزريك"، بـإعداد بلورات القياس. كانت أسماؤهم وتيجانهم الغريبة تدل على أنهم ينتمون لـثقافة عوالم أخرى تفصلها أسوار شاهقة عن بساطة هذه الجبال البرية.
تجمع المشاركون في طابور طويل أمام المنصة الخشبية، وعند وقوفهم لـيبدأوا في تدوين أسمائهم في سجلات الوفد الرسمية، التفت كيان بـعينيه العسليتين الحادتين لـيتفحص الوجوه من حوله. وفي تلك اللحظة، اعتصرت حاجبه مفاجأة غير متوقعة؛ إذ لاحظ أن عدد المتقدمين للاختبار تقريباً سبعون مشاركاً فقط!
كان هذا العدد قليلاً جِدًّا ونادراً بـالنسبة لـتعداد قرية الصفصاف التي تضم آلاف الأسر، وكان يُفترض أن تعج الساحة بـمئات الشباب الطامحين في الفرصة. لكن الأغرب والأكثر إثارة لـلريبة في عقل كيان، كان هوية هؤلاء المشاركين أنفسهم؛ فـعند سماعه للأسماء التي تُتلى مثل "تاران" و"روان" و"ليان" و"كادن"، وهي أسماء لأبناء القرية لكنها تختلف في وقعها السهل والمنمق عن أسماء عصبته، أدرك الحقيقة المرة بـلمحة واحدة.
كل هؤلاء السبعين مشاركاً كانوا من أبناء الأسر الغنية فقط، أو كبار التجار، أو ملاك الأراضي والنفوذ في القرية! أولئك الذين امتلكوا المال والثروة الكافية لـتأمين مستلزمات الحياة الصعبة، والذين استطاعوا بـفضل نفوذهم وذهبهم إرسال أطفالهم وتهريبهم لـفترات طويلة نحو قرى مجاورة تحتضن جبال مانا صفراء، أو حتى مدن مركزية غنية بـجبال مانا تتفوق تَمَاماً بـكثافتها ونقائها على جبال المانا البيضاء الباهتة والضعيفة المحيطة بـقرية الصفصاف.
لقد كان الاستيقاظ قبل سن الرابعة عشرة حكراً على الأثرياء الذين اشتروا الطاقة بـالذهب؛ فـالفقراء والمزارعون لم تكن لديهم أدنى فرصة لـمواجهة هذا التمايز الطبقي الساحق.
نظر يوسف ومروان نحو كيان بـملامح قلقة، بعد أن شعرا بـنظرات الاحتقار والسخرية التي رماهم بها أبناء الأثرياء؛ كونهم مجرد أبناء صيادين بـملابس بسيطة لا تليق بـساحة النخبة. لكن كيان لم يكترث لـنظراتهم، بل ابتسم ابتسامة خفيفة وباردة تحت غطاء شعره؛ فـهؤلاء المترفون يظنون أنهم اشتروا القوة بـالذهب، ولا يعلمون أن أمامهم عصبة خفية صهرت عظامها بـألم **الوصفة السحرية**، وأن طحن المعارك الحقيقية في الغابة المحرمة أثمن بكثير من غبار جبال المانا الصفراء.
انتهى تدوين الأسماء، لـيتبدد الصمت مع إعلان "أوزريك"، فاحص الطاقة، بـصوت حاد وعالٍ عن بدء المرحلة الأولى من التصفية. كان الاختبار الأول هو اختبار مستوى المانا؛ وحيث استعمل الوفد كرة بلورية سحرية ضخمة جلبوها معهم من مدينتهم، مثبتة على قاعدة حديدية سوداء، تمتاز بـحساسية فائقة لـرصد وقياس النواة السحرية داخل أجساد البشر.
طلب "فالكور" من جميع المشاركين السبعين التقدم ووضع يدهم على الكرة بشكل فردي لـتحديد رتبهم؛ فـبدأ الأبناء المترفون يتقدمون واحداً تلو الآخر والخيلاء يملأ ملامحهم. وبسبب ثيابهم البسيطة ونظرات السخرية التي حاصرتهم، كان كيان وأصدقائه في نهاية صفوف المشاركين، يراقبون بـأعين ثاقبة آلية عمل هذه التكنولوجيا السحرية.
كانت البلورة عند لمسها تتفاعل مع طاقة الجسد وتطلق وهجاً يكشف رتبة المستيقظ بـوضوح؛ فـتشع نوراً أبيض باهت الرتبة الأولى من المستيقظين (المستوى المنخفض)، ونوراً أبيض متوسط السطوع للرتبة الأولى (المستوى المتوسط)، ونوراً أبيض شديد السطوع وخاطفاً للرتبة الأولى (المستوى المرتفع).
ومع توالي المتقدمين، تفاجأ كيان وعقد حاجبيه بـدهشة لم يظهرها على وجهه؛ إذ وجد أن معظم المشاركين من أبناء الأثرياء والتجار كانوا مستقرين في الرتبة الأولى "المستوى المتوسط"، وتشع الكرة معهم بـوميض متوسط السطوع، في حين انحصرت الرتبة الأولى "المستوى المنخفض" على بعض صغار السن فقط الذين لم يتجاوزوا الحادية عشرة من عمرهم، والذين أصدرت البلورة معهم نوراً أبيض باهت.
أدرك كيان هنا مدى الفارق الساحق الذي تصنعه الأموال والموارد وجبال المانا الصفراء؛ فهؤلاء المترفون حظوا بـتدريب فاخر جعل أغلبهم يتفوق في رتبته على المزارعين العاديين بـمراحل.
لكن المفاجأة الأكبر التي هزت الساحة، وأثارت همسات الإعجاب بين أفراد الوفد السبعة، تجلت عندما تقدم ثلاثة مشاركين بـعينهم من أبناء كبار الأغنياء في المدينة؛ وما إن وضعوا كفوفهم على الكرة، حتى انبثق منها نور أبيض شديد السطوع لـدرجة أعمت الأبصار لـلحظات، معلناً وصولهم لـلترقية الأعلى في سن مبكرة وهي: الرتبة الأولى "المستوى المرتفع".
حبس يوسف ومروان أنفاسهما بـرعب من هذا الاستعراض الساحق، فالمستوى المرتفع في هذا السن يعتبر عبقرية فذة؛ إلا أن كيان ظل هادئاً كـالجبل، يحسب موازين القوى في عقله بـبرود قتالي.
وأخيراً، جاء دور عصبة الظلال في نهاية الطابور. تقدم يوسف، ثم مروان، وسارة بـثبات يثير الدهشة، ووضعوا أيديهم على البلورة بـالتتابع. وفي كل مرة، كانت الكرة تشع بـنور أبيض باهت معلناً أنهم في الرتبة الأولى "المستوى المنخفض". رمقهم أبناء التجار بـنظرات احتقار ضاحكة، ظناً منهم أن هؤلاء الفقراء مجرد حشو لـتكملة العدد وسيسقطون في أول مواجهة حقيقية، دون أن يدركوا أن هؤلاء الثلاثة وصلا لهذه الرتبة بـجهدهم الخاص في خلال شهر واحد فقط بـفضل الوصفة السحرية.
ثم تقدم كيان كـآخر المشاركين، ووضع كفه الخشنة والمصقولة بـالصيد على سطح البلورة البارد. وفي الحين، ضخ جزءاً مسيطراً عليه من طاقته، لـتشع الكرة بـنور أبيض متوسط السطوع، لـتعلن البلورة رسمياً أن قوة كيان كانت في الرتبة الأولى "المستوى المتوسط".
التفتت مستشارة الوفد "زيلدا" بـنظرة سريعة نحو كيان، مستغربة بساطة هندامه مقارنة بـمستواه، بينما عاد كيان إلى صف أصدقائه وهو يشعر بـالحماسة تسري في عروقه؛ فـالاختبار الأول انتهى بـكشف الأوراق، والآن حان وقت المعارك الحقيقية التي لا تعترف بـالبلورات ولا بـأموال التجار، بل بـالقدرة على البقاء وسحق الخصوم.