أعاد أوزريك البلورة السحرية إلى صندوقها المخملي، ليتقدم قائد الوفد "فالكور" بـخطوات بطيئة ومثقلة بـالهيبة نحو حافة المنصة. ساد الصمت التام في الساحة، وحبست الحشود أنفاسها بـانتظار معرفة طبيعة التصفية القادمة. نظر فالكور إلى السبعين مشاركاً بـعينين باردتين، ثم أعلن بـصوت قوي تردد صداه بين الجبال: "لقد انتهت مرحلة القياس، وحان وقت الغربلة الحقيقية. تقرر أن يكون الاختبار الثاني عبارة عن عشر معارك متتالية لـكل مترشح؛ حيث سيخوض كل منكم عشرة نزالات مختلفة، وبناءً على مجموع الانتصارات والأداء القتالي والأمل، سيتم اختيار أفضل عشرة أفراد من بينكم لـيكونوا نخبة المدينة."
ثم أشار بـيده نحو صندوق خشبي أسود يحوي رقاعاً بـأسماء المشاركين، وتابع: "سيتم عمل قرعة عشوائية تَمَاماً لـتحديد المواجهات، وقد قرر الوفد أن تكون هذه المعارك عبارة عن قتال جسدي خالص، بـدون استخدام أي أسلحة؛ نريد رؤية كفاءة المانا في تطهير العضلات وقوة الجسد الخام في التلاحم."
بدأ سحب الرقاع بـسرعة، ولم تمضِ سوى دقائق حتى دوت الصيحة الأولى لـلمواجهة الصادمة؛ حيث أعلن المنادي: "القتال الأول.. كيان من قرية الصفصاف، ضد ريان!"
برز شاب من صفوف أبناء الأثرياء بـخطوات مغرورة وواثقة تَمَاماً، يرتدي سترة من الحرير الأخضر الفاخر تناسب جسده القوي؛ كان هذا هو ريان، وهو مشارك في نفس سن كيان ومن المستوى المتوسط أيضاً. كان ريان ابن تاجر كبير ونافذ في القرية، استطاع بـفضل ثروة والده وضخ الذهب إدخال ابنه لـ"مدينة الزمرد" الشهيرة، وهناك قام بـإيقاظ قوته بـمساعدة وتأثير جبل المانا الأصفر الموجود بتلك المدينة، والذي يتفوق بـكثافته ونقائه بـمراحل على جبال المانا البيضاء الضعيفة.
تقدم ريان إلى منتصف الساحة، ونظر إلى ملابس كيان البسيطة بـابتسامة ساخرة، وهمس بـاستعلاء مسموع: "أبناء المزارعين والصيادين يظنون أن لمس البلورة يجعل منهم مقاتلين.. سـأعلمك اليوم الفارق بين مانا جبل الزمرد الأصفر، ومانا جبالكم البيضاء الباهتة."
لم يرد كيان بـكلمة واحدة، بل تقدم بـهدوء وجلس في وضعية قتالية مرنة، وعيناه العسليتان مثبتتان بـبرود حاد على حركات خصمه. كان كيان يدرك أن مانا ريان قد تكون أنقى بـسبب الجبل الأصفر، لكن ريان لم يختبر يوماً ألم تطهير العظام بـواسطة **الوصفة السحرية**، ولم يذق طعم الدماء ومطاردة الوحوش في الغابة المحرمة.
دقت طبول بدء النزال، وفجأة، ضخ ريان طاقته لـتنبثق من جسده هالة خضراء يميل لونها إلى الصفرة الناتجة عن مانا الزمرد، واندفع نحو كيان بـسرعة خاطفة، موجهاً لكمة قوية ومباشرة بـقبضته المشحونة بـالطاقة نحو وجه كيان، لـتحدث اللكمة صوتاً شبيهاً بـاختراق الهواء.
دقت طبول بدء النزال، وفجأة، ضخ ريان طاقته لـتنبثق من جسده هالة خضراء يميل لونها إلى الصفرة الناتجة عن مانا الزمرد، واندفع نحو كيان بـسرعة خاطفة، موجهاً لكمة قوية ومباشرة بـقبضته المشحونة بـالطاقة نحو وجه كيان، لـتحدث اللكمة صوتاً شبيهاً بـاختراق الهواء.
لم يتراجع كيان أو يهرب؛ بل ضخ المانا الكثيفة في عضلات قدميه لـيثبت الأرض، ورفع ذراعه بـسرعة وخبرة صياد مر بخوض المعارك الحقيقية في الغابة الوعرة. تفادى اللكمة الأولى بـانحناءة رأس خاطفة، ثم بدأ الاثنان في تبادل اللكمات والضربات بـعنف وضراوة في منتصف الساحة. كان ريان يعتمد على نقاء طاقته المستمدة من جبل المانا الأصفر، لكن ضرباته كانت مفتقرة لـلخبرة الحياتية، بينما كانت ضربات كيان قاسية، وموجهة نحو النقاط الضعيفة في الجسد بـفضل صقله الجسدي الشاق.
وبعد دقيقة واحدة من التلاحم العنيف، ظهرت النتيجة الحتمية لـصالح كيان؛ حيث استغل اندفاع ريان الأعمى وتفادى ضربته، لـيوجه له لكمة جانبية ساحقة استقرت في منتصف صدره، أطاحت بـابن التاجر أمتاراً إلى الخلف لـيسقط على الأرض لاهثاً وعاجزاً عن النهوض.
ساد الصمت المنصة، ونظر أفراد الوفد بـاهتمام إلى كيان الذي لم تظهر عليه حتى علامات التعب. نزل كيان من على منصة النزال بـهدوء وثبات، وعاد لـيقف جوار أصدقائه حتي يأتي دوره مجدداً في القرعة، تاركاً خلفه همسات الذهول بين أبناء الأثرياء.
بدأت القتالات والنزالات تشتعل بين باقي المشاركين بـترتيب القرعة العشوائية. وبتوجيهات كيان السابقة بـضرورة الثبات، تقدم مروان وخاض معركته الأولى بـشجاعة، مستغلاً صلابة جسده الناتجة عن التدريب الانتحاري لينتصر على خصمه بـصصوبة ويحقق فوزه الأول. وتبعه يوسف الذي أظهر خفة حركة غير متوقعة، وتمكن هو الآخر من سحق خصمه لـينتصر في معركته الأولى وسط صيحات التشجيع الباهتة من عائلاتهم.
لكن الفرحة لم تدم طويلاً بـين صفوف عصبة الظلال؛ إذ جاء دور سارة في القرعة، ولتسوء حظوظها عاثرة عندما صعدت لـتواجه خصماً من المستوى المرتفع! كانت منافستها فتاة بـملامح حادة وعينين متكبرتين تُدعى يارا، وهي ابنة "أراكان"، أحد شيوخ القبيلة المتنفذين والأثرياء الذين يمتلكون سلطة واسعة في المنطقة.
ورغم الإرادة الفولاذية التي أبدتها سارة، ورغم محاولاتها المستميتة في الدفاع بـاستخدام مانا الطبيعة الزرقاء، إلا أن الفارق بين المستوى المنخفض والمستوى المرتفع كان فجوة هائلة لا يمكن سدها بـالجسد فقط في قتال أعزل. تلقت سارة لكمة مشحونة بـطاقة المرتفع الطاغية أطاحت بـها خارج حدود حلبة النزال، لـتخسر سارة أول قتال لها في هذه التصفيات.
هرع يوسف ومروان لـمساعدتها، بينما ركضت يارا بنظرات استعلاء نحو منصة والدها. تقدم كيان نحو سارة، ووضع يده على كتفها بـثبات وقال بـنبرة هادئة تحمل في طياتها وعيداً خفياً: "ارفعي رأسك يا سارة.. إنها معركة من عشر معارك، والخسارة الأولى لا تعني النهاية. سـنستعيد هذا الحق، وبـشكل مضاعف."