لم تترك طبول الفحص والمواجهة وقتاً لـتحليل المشاعر؛ فـالقرعة العشوائية كانت تدور بـسرعة غريبة لـتغربل السبعين مشاركاً بـلا رحمة. ومع بداية جولة النزالات الثانية، صرخ المنادي بـأعلى صوته لـيهز أرجاء الساحة المركزية: "القتال الثاني.. كيان ضد أريان!"
انشقت صفوف أبناء النخبة لـيتقدم الفتى الذي ساد الصمت بـمجرد ظهور اسمه. لم يكن أريان مجرد مستيقظ عادي، بل هو سليل إحدى أعتى العائلات الغنية والنفوذ في المنطقة، وأحد الثلاثة العباقرة الذين أطلقت البلورة السحرية معهم نوراً أبيض شديد السطوع؛ إنه مستيقظ من **المستوى المرتفع**. كان جسده ممشوقاً، وعيناه تحملان بريقاً حاداً وبارداً كـالجليد، تخرج من عضلاته تموجات مانا واضحة وكثيفة لـلأعيان، تعكس الفارق الشاسع بين مستواه ومستوى بقية المترشحين.
صعد كيان إلى المنصة بـخطوات هادئة، لكن حواسه كانت مشدودة إلى أقصى درجة. كان يعلم أن هذه المواجهة هي الاختبار الحقيقي الأول لـقوته؛ فـالعراك ضد المستوى المتوسط يختلف تَمَاماً عن تصادم الجسد ضد رتبة مرتفعة قادرة على تعزيز هجماتها بـكثافة طاقة مضاعفة.
دقت طبول النزال، ولم يكن هناك مجال لـلانتظار أو قراءة التحركات. انطلق أريان كـالسهم الخاطف، مشحوناً بـمانا المستوى المرتفع الطاغية، لـيوجه ركلة هجومية دائرية نحو عنق كيان. رفع كيان ذراعه بـسرعة لـيصد الضربة، لكن قوة الاصطدام الجسدي كانت هائلة لـدرجة جعلت عظام ذراعه تئن، وأجبرته على التراجع خطوتين إلى الوراء وسط صيحات الحماس من عائلات الأثرياء.
اشتعل القتال بـشكل شرس لم تشهده الساحة منذ الصباح، وتحول النزال إلى معركة طاحنة بـتبادل لكمات وإصابات متبادلة وضارية. استخدم كيان كل ما يملكه من خبرة الصيد، والتملص الذكي، والصلابة الجسدية التي اكتسبها من التدريب الطويل والوصفة، لـيوجه لكمة خاطفة وقوية أصابت فك أريان وجعلت الدماء تسيل من فمه. لكن أريان، بـفضل مخزون طاقته الهائل وتطهير جسده الفاخر، استعاد توازنه بـسرعة واندفع بـشراسة أكبر، لـيرد بـضربة كوع عنيفة استقرت في أضلع كيان، مسببة له كدمة قوية حبست أنفاسه.
استمر تبادل الضربات العنيفة، والدم يسيل من جبهة كيان، بينما كُسرت بعض أضلع أريان بـفعل ضربات كيان القاسية وغير المتوقعة لـصاحب المستوى المرتفع. كانت المانا الخضراء حول جسد كيان تصطدم بـالهالة البيضاء الشديدة لأريان بـعنف يزلزل أرضية المنصة الخشبية، لـيثبت كيان لـلوفد الجالس أنه ليس مجرد رتبة متوسطة عادية، بل وحش قتالي كاسر.
ولكن، مع مرور الدقائق، بدأت الفجوة الطبيعية في مخزون المانا والقدرة على التحمل بين المستويين المتوسط والمرتفع تفرض كلمتها الأخيرة في هذا القتال الأعزل. استغل أريان لحظة تباطؤ طفيفة في حركة كيان الناتجة عن الإجهاد والإصابة، وضخ كامل طاقته المتبقية في قبضته لـيوجه لكمة مستقيمة ساحقة اخترقت دفاع كيان واستقرت في صدره.
تردد صدى الضربة الثقيلة في أرجاء الساحة، لـيطير كيان بـفعل قوة الارتداد والاصطدام، ويسقط خارج حدود منصة النزال على الأرض بـثبات محاولاً لجم الألم.
أعلن الحكم بـصوت عالٍ: "الفائز.. أريان!"
تنفس أريان بـصعوبة وهو يمسك جنبه المصاب بـشدة، ناظراً نحو كيان بـنظرة خلت تَمَاماً من الاستعلاء القديم، وحل محلها خوف دفين واحترام لـقوة هذا الصبي الذي كاد يطيح به بـالرغم من فارق الرتبة.
هرع يوسف ومروان لـمساعدتها، لكن كيان رفض المساعدة ووقف على قدميه بـمفرده بـعناد لاهب، ماسحاً الدماء عن وجهه بـطرف كمه. لم تكن عيناه العسليتان تحملان انكسار الهزيمة، بل تشتعلان بـبريق حاد ومعرفة جديدة؛ فـهذه الخسارة الأولى جعلته يدرك فِعْلِيًّا حدود طاقته الحالية، وزادته إصراراً على سحق بقية النزالات الثمانية القادمة لـانتزاع مقعده في المدينة، والوصول إلى أسرار العالم مهما كان الثمن.
استمرت القتالات والنزالات الطاحنة بين المشاركين السبعين بـلا توقف، وتحولت الساحة إلى ساحة صراع لاهب ومستمر؛ حيث كان كل مترشح يقاتل بـأقصى ما يملك لـجمع أكبر عدد من الانتصارات ضمن معاركه العشر المقررة. ومع مغيب شمس ذلك اليوم الطويل، دقت الطبول دقاتها الأخيرة لـتعلن الهيئة الفاحصة والوفد السبعة عن النتائج الرسمية النهائية وحصاد النقاط.
وكما كان متوقعاً بـفعل فجوة الموارد والمستويات، تربع الثلاثة من ذوي المستوى المرتفع—وعلى رأسهم أريان ويارا—في الصدارة كـأقوى ثلاثة أفراد وبـالعلامة الكاملة بـعشرة انتصارات دون أي هزيمة، لـيضمنوا مقاعدهم الأولى بـاستحقاق. وتبعتهم في الترتيب رتب المستوى المتوسط من أبناء العائلات الغنية والتجار، الذين حصدوا مراكز متقدمة بـفضل تدريبهم الفاخر ونقاء طاقاتهم المستمدة من المدن وجبال المانا الصفراء.
أما المفاجأة التي حبست أنفاس القرية بأكملها، فكانت انتزاع كيان لـلمركز العاشر والأخير المؤهل لـلرحيل بـفارق ضئيل؛ حيث نجح بـفضل صلابته وعناده القتالي في تحقيق ثمانية انتصارات ساحقة، مقابل هزيمتين فقط—كانت أولاهما أمام أريان ذي المستوى المرتفع. وبهذا الحصاد، فرض الصبي صياد الوحوش نفسه كـالفقير الوحيد وسط نخبة الأثرياء بـثمانية فوز واثنين خسارة.
في المقابل، خسر باقي المرشحين والمتقدمين في الترتيب العام، ومن ضمنهم أصدقاء كيان وعصبته الخفية الذين واجهوا خصوماً أعتى يفوقونهم رتبة بـفعل القرعة؛ فـحقق يوسف أربعة انتصارات فقط في مواجهاته العشر، ومروان مثله تَمَاماً بـأربعة انتصارات بـفعل قتالهما الجسور، بينما حققت سارة ثلاثة انتصارات فقط وتلقت سبع هزائم بـسبب إصابتها المبكرة أمام يارا.
رغم الخسارة وعدم التأهل، وقف الثلاثة حول زعيمهم كيان والدموع تحبسها مآقيهم، لكن كيان نظر إليهم بـابتسامة وثقة واضحة تَمَاماً، وهمس بصوت خافت: "لا تحزنوا أبداً.. لقد وصلنا إلى رتبة المستيقظين في شهر واحد، وحققنا انتصارات أبهرت الوفد بـأجسادكم العارية. مقعدي في المدينة هو مقعد لـعصبتنا بـأكملها؛ سـأذهب هناك لـأفتح الأبواب المغلقة، وأفك شفرة كتابنا، وأعود بـالمعرفة والقوة التي تجعلنا ندك عروش الطغاة معاً.. القادم هو ملكنا تَمَاماً."