مع بزوغ خيوط الشمس الأولى لـليوم الأخير الذي يسبق الارتحال، ساد القرية صمت مهيب يشوبه الترقب. لم تكن الأجواء عادية؛ فـالبيوت البسيطة كانت تودع نخبتها، والشوارع الضيقة شهدت حركة دؤوبة لـحراس القبيلة وهم يربطون الأحزمة ويجهزون عربات النقل الخشبية المدعمة.

وفي قلب الساحة الكبرى، وقف زعيم القبيلة العجوز بـملامحه الصارمة التي حفرت عليها السنون تجاعيد الهيبة، ومعه كبار المستشارين. استدعى الناجحين العشرة لـيقفوا أمامه في صف منتظم، وتفحص وجوههم بـنظرات حادة قبل أن يتحدث بـصوت جهير ترددت أصداؤه في أرجاء المكان:

"اسمعوا وعوا تَمَاماً.. طريقكم نحو المدينة المركزية ليس بـنزهة آمنة، بل هو مسار وعر يمر عبر غابات مظلمة وممرات جبلية خطيرة. بـسبب الأوضاع الأخيرة، تزايدت هجمات الوحوش الكاسرة، كما أن قطاع الطرق والمنبوذين يتربصون بـأي ثغرة. لـذا، لم نغامر بـإرسالكم وحدكم؛ لقد نسقنا مع زعماء القرى المجاورة لـدمج مساراتنا معاً. ستتحرك القوافل كـكتلة واحدة مشتركة، لـتشكيل درع دفاعي قوي يضمن حمايتكم وحماية الموارد حتى نصل بـكم بـأمان إلى أسوار أكاديمية أسياد النار."

بـمجرد انتهاء كلمات الزعيم، عاد كيان إلى كوخه البسيط بـخطوات سريعة وعقل لا يتوقف عن التفكير والتحليل. أغلق باب غرفته الصغيرة، وبدأ بـتجهيز حاجياته ومتاعه لـلرحلة التي ستغير مجرى حياته كُلِّيّاً.

لم يكن يملك الكثير من الملابس أو المتاع المادي، لكن ما وضعه في حقيبته الجلدية كان يفوق كل أموال التجار قيمة؛ فقد استغل الساعات الأخيرة بـذكاء لـتعبئة كمية كبيرة ومكثفة من مكونات الوصفة السحرية التي قام بـإعدادها وتجفيفها بـإتقان طوال فترة الشهرين الماضيين. هذه الوصفات ستكون سلاحه السري وزاده الأساسي لـمواصلة صقل عظام جسده وتطوير طاقته داخل الأكاديمية دون أن يلاحظ أحد طبيعة تدريبه الخاص.

أما المعضلة الأكبر فكانت الكتاب الأثري القديم؛ ذلك الكتاب الغامض الذي يحمل أسراراً تفوق استيعاب رتبته الحالية. كان يعلم بـحواسه القتالية أن أخذه معه بـشكله الأصلي يعد انتحاراً؛ فـالتفتيش الدقيق بـوابات المدينة أو داخل أسوار الأكاديمية من قبل مستيقظين ذوي مستويات مرعبة قد يكشف أمره بـسهولة، ويعرض حياته وحياة والدته لـلخطر.

بـجلسة هادئة وتحت ضوء شمعة خافتة، أحضر كيان لفافات جلدية رقيقة وحبراً أسود، وبـدقة متناهية وصبر صياد، قام بـنسخ الأجزاء والرموز الأكثر أهمية وغموضاً من الكتاب. طوى تلك اللفافات بـحذر شديد، وأخفاها في بطانة ملابسه الداخلية بـطريقة تجعلها تبدو كـأنها جزء من نسيج القماش، مستحيلة الكشف لـلعين المجردة. ولتأمين الأصل، رفع كيان أحد ألواح الأرضية الخشبية في زاوية الكوخ، وحفر تجويفاً سريّاً عميقاً بـين الصخور، ثم وضع الكتاب الأصلي هناك بعد أن لفه بـجلد عازل لـلرطوبة، لـيبقى السير مخبأً في أمان الكوخ حتى يعود يوماً ما بـقوة تكفي لـحمايته وسحق أي تهديد.

وعند حلول المساء، وقف كيان عند عتبة الباب ينظر إلى النجوم، مشحوناً بـعناد لاهب وإصرار لا يلين؛ فـالغد لن يحمل مجرد بداية قوافل، بل بداية صعود وحش قتالي جديد سيقلب موازين القوى في معقل أسياد النار

مع بزوغ الخيوط الأولى لـلفجر، تلاشت عتمة الليل لـتفسح المجال لـضجيج الحياة. بدأت قافلة قرية الصفصاف في التحرك بـنظام، تجرها خيول مدربة بـعناية، وعليها الحراس والمشاركون العشرة. لم تكن القافلة وحدها؛ فـعلى مسافة قريبة عند مفترق الطرق القديم، تلاقت قافلتنا بـقوافل القرى الأخرى التي تجمعت هي الأخرى بـأمر من الأكاديمية لـتأمين الرحلة.

كان المشهد مهيباً؛ عربات خشبية ضخمة محصنة بـصفائح حديدية تلوح في الأفق، حراس مدججون بـالسيوف والرماح يحيطون بـالموكب، وأصوات صليل الدروع تمتزج بـصهيل الخيول. التقت قافلة الصفصاف بـقافلة **قرية البلوط** الشهيرة بـقوة مقاتليها، وقافلة **قرية صيادي النهر** المعروفة بـسرعة وبراعة أبنائها، بالإضافة إلى قافلة **قرية الصخور الظليلة** وقافلة **قرية الضباب**.

في قلب هذا التجمع الضخم، برزت وجوه الذين سـيكونون منافسي كيان في الأكاديمية. كان كل واحد منهم يمثل نتاج تدريب قريته الخاص، ويحمل في عينيه ثقة المستيقظ الذي أثبت جدارته.

من قرية البلوط، برز **جاسر**؛ فتى ضخم البنية، ذو نظرات باردة كـالصخر، يقال إنه يمتلك قدرة على تقوية جسده لـتصبح كالدرع الصلب.

ومن قرية صيادي النهر، ظهر **نـوار**؛ فتى مَرِن الحركة، يحيط به هدوء مريب، ويشتهر بـقدرته على التلاعب بـمسارات المانا لـتغيير اتجاه ضربات الخصم.

أما من قرية الصخور الظليلة، فقد كان هناك **هـيثم**؛ الذي يتميز بـسرعة رد فعل لا تكاد تدركها العين، ويحمل على ظهره سيفاً طويلاً لا يفارقه.

توقفت العربات لـلحظات لـيتبادل رؤساء القوافل التعليمات، بينما كانت عيون هؤلاء "العباقرة" تتفحص بعضها البعض بـنظرات حادة. كان كيان يراقبهم بـهدوء من زاوية عربته، مدركاً أن هذه الرحلة ليست مجرد طريق لـلوصول، بل هي ساحة اختبار غير معلنة.

لم يلقِ أي منهم التحية؛ فـالجميع يعرف أن كل فرد هنا هو مشروع "سيد" قادم، وأن التنافس بدأ منذ هذه اللحظة. انطلقت القافلة المشتركة بـعد أن توحدت حمايتها، وشقت طريقها نحو الأفق البعيد، حيث تقع مدينة أسياد النار. وبينما كانت العجلات تدور فوق الأرض الترابية، كان كيان يشعر بـنبض المانا في جسده يتصاعد؛ فـهذه الرحلة لن تكون هادئة، والأيام القادمة سـتُظهر مَن منهم يمتلك العزيمة لـلصمود أمام جحيم الأكاديمية، ومَن سيتحطم تحت ضغطها.

2026/06/16 · 4 مشاهدة · 741 كلمة
نادي الروايات - 2026