بدأت مسيرة القافلة الكبرى بـسلاسة لافتة لـلأنظار؛ فقد كانت الطرقات الجبلية هادئة، والطقس مساعداً، مما أضفى شيئاً من الطمأنينة على نفوس المسافرين. كان الرتل الطويل من العربات يتقدم بـإيقاع منتظم، وبينما كان الحراس يتبادلون أحاديث الترقب، كان كيان يجلس في عربته يراقب الأفق، يراجع في عقله اللفافات الجلدية التي نسخها، مستشعراً هدوءاً يسبق عاصفة لا محالة.
مع اقتراب نهاية اليوم، وبـينما كانت القافلة تشق طريقاً ضيقاً بين منحدرين جبليين شاهقين، تغير الجو فجأة؛ انحجبت أشعة الشمس التي كانت تتوارى خلف القمم، وحلَّ مكانها ظلال متحركة سوداء انقضت من الأعلى بـسرعة مرعبة.
لم تكن مجرد طيور عادية؛ بل كانت وحوشاً طائرة بـأجنحة ضخمة قوية تشبه الصقور الكاسرة، لكنها تفوقها حجماً وضراوة، إذ كان حجم كل واحد منها يضاهي حجم إنسان بالغ بـأطراف مسلحة بـمخالب حديدية قادرة على شق الدروع. بـدأت الوحوش هجومها بـصرخات حادة هزت أركان الممر الجبلي، وانقضت على القافلة كـالسياط.
ساد الارتباك صفوف الحراس؛ فقد كانوا مدربين جيداً على مواجهة الوحوش البرية والقتال الأرضي، لكنهم وقفوا عاجزين أمام هذا الهجوم الجوي المباغت. السهام التي أطلقها الرماة كانت تخطئ أهدافها لـسرعة الوحوش الفائقة، والسيوف كانت أبعد من أن تصل إليها، بينما كانت الوحوش تغوص وتصعد بـرشاقة، تخطف الحراس من العربات وتلقي بـهم في المنحدرات.
كان المشهد كارثياً؛ العربات بدأت تنقلب، والذعر دب في قلوب الجميع. حتى "العباقرة" الذين كانوا في القافلة، مثل جاسر ونوار، وجدوا أنفسهم مقيدين بـهذا الهجوم؛ فقوتهم التي تعتمد على الصدام المباشر لم تجد هدفاً أرضياً لـتفرغ فيه طاقاتها. كان كيان يراقب الوضع بـبرود قتالي، يرى كيف تتحطم دفاعات القافلة تحت وطأة العدد الهائل من تلك المخلوقات.
"لا فائدة من المقاومة هنا!" صرخ أحد قادة الحراس بـصوت متهدج، "الممر مكشوف تماماً لـهم! علينا الانسحاب!"
أدرك كيان أن البقاء في الممر الجبلي يعني الإبادة التامة. وبـنظرة سريعة إلى الجانب، لمح غابة كثيفة الأشجار تبدأ عند سفح الجبل، حيث تتداخل الأغصان وتتشابك بـشكل يمنع الطيران الحر.
"إلى الغابة! اتجهوا نحو الغابة!" صاح كيان بـصوت حازم اخترق ضجيج المعركة، مشيراً بـيده نحو الأشجار المتشابكة.
استجاب الجميع لـندائه؛ فقد كان الهروب نحو الغابة هو الملاذ الوحيد لـلتحصن بـأغصانها من الهجمات الجوية الانقضاضية. بـدأت القافلة بـتغيير مسارها بـسرعة جنونية، متخلية عن العربات التي أعاقت حركتها، لـتندفع نحو حماية الأشجار الكثيفة، تاركة خلفها سماءً تمتلئ بـمخالب الموت، لـتبدأ معركة جديدة من نوع مختلف تماماً في ظل الأشجار.
اندفعت جموع الحراس والناجحين المذعورين كـالسيل نحو أطراف الغابة، ملتمسين النجاة بـين جذوعها الضخمة وأغصانها المتشابكة. بـمجرد توغلهم تحت الظلال الكثيفة لـلأشجار العملاقة، انخفضت حدة الهجوم الجوي بـشكل ملحوظ؛ فقد حاولت الوحوش الطائرة الانقضاض بـأجنحتها الضخمة لـتتبع طرائدها، لكن الفروع الكثيفة والالتفافات الصخرية عند مدخل الغابة شكلت درعاً طبيعياً متيناً صد مخالبها، وتمزق فراء بعضها بـين الأغصان، مما أجبرها على التراجع والتحليق بـغضب فوق قمم الأشجار بـصرخات حادة ملأت الأفق.
تنفس الجميع الصعداء بـعد أن حماهم هذا التشابك الخشبي من فناء محتم، ومع تزايد عتمة الليل وتأخر الوقت، أصبح التحرك في عمق الغابة بـلا رؤية انتحاراً آخر. بـناءً على مشورة قادة الحراس، تقرر المبيت بـحذر شديد عند أطراف الغابة حتى بزوغ الصباح، مع فرض حراسة مشددة من المستيقظين والنخبة لـمراقبة أي تسلل.
جلس كيان في بقعة مظلمة بـين الجذور، يراقب حالة الإنهاك والإحباط التي بدت على وجوه العباقرة مثل جاسر ونوار وهيثم؛ فـقد كانت هذه الصدمة الأولى لهم بـعيداً عن بيئتهم الآمنة. ومع هدوء الأجواء نسبياً، بدأ القادة يضعون خطة لـلفجر؛ حيث استقر الرأي على ضرورة استغلال الساعات الأولى من الضوء لـتنظيم فرقة نخبة سـتحاول العودة لـلممر الجبلي المكشوف، واستعادة ما يمكن إنقاذه من العربات والمؤن الحيوية التي تركوها خلفهم لـضمان استمرار الرحلة نحو المدينة المركزية.