مع انبثاق أولى خيوط الفجر الرمادي بـين أغصان الأشجار الكثيفة، لم ينتظر قادة الحراس كثيراً؛ فقد انطلقت فرقة مستعدة من النخبة والحراس بـخطوات حذرة وسريعة نحو الممر الجبلي المكشوف. استغل الحراس هدوء الصباح وتراجع الوحوش الطائرة، واستطاعوا بـسرعة استعادة ما يمكن استعادته من العربات الصالحة لـلسير، وجمع المؤن الحيوية والذخائر التي تركوها خلفهم تحت وطأة الهجوم.

عادت الفرقة بـالمتاع بـأقل الخسائر، لـتبدأ القافلة المشتركة في إكمال رحلتها مجدداً بـين الممرات الوعرة، يسيرون بـأقصى سرعة ممكنة لـتعويض الوقت الضائع والابتعاد عن ذلك الممر المشؤوم. ساد الصمت التام بـين المشاركين؛ فـالجميع كان يدرك أن العالم بـعيداً عن قراهم ليس بـالمكان الرحيب، بل هو غابة تحكمها القوة الخام والدم.

وبعد مضي ساعات طويلة من السير المتواصل بـحذر، بدأت ملامح الأرض تتغير، ومعها بدأت تظهر نذر شؤم جديدة. لاحظ الكشافة في مقدمة الرتل بقعاً داكنة من الدماء الجافة تلطخ الصخور، وبـالتقدم أكثر، تجسد أمام أعينهم مشهد مرعب جمد الدماء في العروق.

كانت هناك العشرات من جثث الوحوش الطائرة ذاتها التي هاجمتهم بـالأمس، لكنها لم تكن ميتة بـسـهام أو سيوف عادية؛ بل كانت ممزقة بـشكل وحشي، أشلاؤها متناثرة على طول الطريق، وبعضها قُطع بـنصفين بـضربة واحدة خاطفة، والبعض الآخر تحطمت عظامه وكأنه سُحق تحت صخرة هائلة. بدا الأمر وكأن مجزرة مروعة قد دارت هنا في الساعات الماضية، مجزرة لم تستغرق سوى دقائق معدودة.

توقفت القافلة بـشكل مفاجئ، ودارت مناقشة ساخنة بـين قادة الحراس وكبار المستيقظين، بينما كان الخوف والوجوم يعلو وجوههم بـوضوح.

"هذا ليس عمل بشر.. ولا حتى فرقة كاملة من الصيادين!" همس أحد الحراس المخضرمين وجسده يرتجف، وتابع: "انظروا إلى آثار المخالب وعمق الطعنات بـالجسد.. من فعل هذا هو وحش كاسر من رتبة عليا، وحش لا يمكن أن نتصور قوته أو مجابهته بـأعدادنا هذه!"

أيد الجميع هذا الرأي، وارتسم الرعب على وجوه العباقرة الشباب الذين أدركوا أن قوتهم الحالية لا تساوي شيئاً أمام هذا الكيان الخفي الذي يتحرك في الجوار. وفي غمرة هذا الذعر، كان كيان يقف بـجانب إحدى الجثث، يتفحص بـعينين ثاقبتين وهادئتين زوايا القطع وتدفق المانا المتبقي في دماء الوحش الممزق، محاولاً تقدير حجم التهديد بـحواسه القتالية بـلا خوف.

ولمواجهة هذا الخطر المحدق، اتخذت القافلة قراراً حاسماً بـالإجماع: تجنب جميع الأماكن المكشوفة والممرات الجبلية الواسعة كُلِّيّاً، وتحويل مسار الرحلة لـتكون محاذية لـأطراف الغابات الكثيفة والاستظلال بـأشجارها لـلتخفي، مفضلين مشقة الطريق الوعر على أن يكونوا الوليمة القادمة لـسيد هذه المجزرة.

بدأت القافلة في السير بـحذر شديد محاذية أطراف الغابة الكثيفة، محتمية بـظلال الأشجار العملاقة لتجنب رصد الوحش المرعب الذي صنع المجزرة. لم يكن الطريق الوعر هيناً بـالمطلق؛ فـأثناء مسيرهم المتوجس، تعرضوا لـعدة هجمات مباغتة من الوحوش الساكنة في تلك الأحراش. لم تكن بـالمعارك الكبيرة أو المواجهات الشاملة، بل كانت ضربات خاطفة من وحوش منفردة تندفع بـجنون نحو رتل العربات.

بالرغم من بساطة هذه الهجمات مقارنة بـوحوش الممر الجبلي، إلا أن شراسة تلك الكائنات البرية ومباغتتها تسببت في إحداث أضرار واضحة؛ حيث تعرض عدد من الحراس لـإصابات وجروح بالغة أثناء محاولاتهم اليائسة لـصد تلك الهجمات الفردية وحماية خط السير.

هذا الضرر السريع زاد من رعب وتوجس أطفال وقصر القرى المشاركين بـالقافلة؛ ودبَّ همس خائف بـينهم: "إذا كانت وحوش منفردة وضعيفة بـنسبة لـلغابة قادرة على إحداث مثل هذا الضرر البليغ بـصفوفنا، ونحن نمتلك هذا العدد الكبير من الحراس الأشداء لـحمايتنا، فـكيف سيكون الحال إذاً لو واجهنا مَدّاً كاملاً من الوحوش؟ كيف سننجو بـحياتنا؟" تضاعف التوتر، وباتت الوجوه شاحبة، بينما ظل كيان يراقب الأجواء بـصمت، مشحذاً حواسه لـتفادي أي ثغرة قتالية.

ومع اقتراب نهاية اليوم وبلوغ الإرهاق حده الأقصى، برزت أمام القافلة مشكلة أخرى أشد خطورة وعمقت من مأساتهم؛ حيث وصلوا أخيراً إلى حافة النهر العريض الذي يفصلهم عن الأراضي المؤدية لـلمدينة المركزية، لـيجدوا أن الجسر الحجري الضخم الذي كان من المفترض أن يعبروا عليه مدمر بـشكل كامل، وتحولت حجارته إلى حطام غارق في المياه الهائجة.

ساور القلق والخوف قلوب الجميع، وتوقفت القافلة بـوجوم تام؛ فـبدون هذا الجسر، تكون مهمتهم بـأكملها قد واجهت شبح الفشل المحتوم، إذ إن النهر كان شديد العمق، سريع الجريان، وخطير للغاية لـدرجة تمنع أي محاولة لـلسباحة أو العبور الارتجالي، بـالإضافة إلى كونه معقلاً لـلعديد من المفترسات والوحوش المائية الكاسرة التي تنتظر أسفل السطح لـتمزيق أي جسد يقترب من مياهها. وقف قادة القوافل أمام النهر الهادر، واليأس يكاد يعصف بـقراراتهم القادمة.

2026/06/17 · 4 مشاهدة · 659 كلمة
نادي الروايات - 2026