كانت أنفاس كيان تخرج متلاحقة وسريعة، تتحول فور ملامستها الهواء البارد إلى قطع كثيفة من الضباب الأبيض المتطاير، بينما كان صدره الضئيل يعلو ويهبط بعنف جنوني وكأنه يوشك على الانفجار من فرط الإجهاد والذعر. لم يكن هناك وقت لالتقاط الأنفاس أو للتفكير في المسار؛ كان يركض دون هدى ولا دليل، مخترقًا الشجيرات الشائكة المتشابكة التي كانت تمزق ملابسه المهترئة والمرقعة بلا رحمة، وتترك خدوشًا دامية مستطيلة على بشرته السمرة النحيلة، لكن ألم الخوف كان أقوى من ألم الجسد.

​خلفه تمامًا، وعلى بعد خطوات قريبة مرعبة، كان يتردد في أرجاء الغابة صوت تكسر الأغصان السريع والمتلاحق، يرافقه حفيف لهب حارق يلتهم أوراق الشجر الجافة وخلّف وراءه رائحة رماد نفاذة. كان الثعلب الناري يقترب أكثر فأكثر، وعيناه الحمراوان اللامعتان تشعان بنشوة الصياد المفترس الذي أوشك على إطباق فكيه على فريسته الضعيفة التي لا تملك أي طاقة للدفاع عن نفسها.

​"يجب أن أجد مكانًا أختبئ فيه فورًا... أي مكان، وإلا هلكت!" حدّث كيان نفسه بهلع شديد وهو يشعر بحرارة اللهب تقترب من ظهره. في الوقت نفسه، كانت قامات الأشجار الضخمة تزداد طولاً وضخامة كلما توغل في عمق الغابة، وتتشابك أغصانها العالية في الأعلى لتحجب خيوط الشمس الضئيلة المتبقية من وقت الغروب، ليتسلل ظلام ثقيل ومرعب إلى المكان. لقد دخل الصبي رسميًا ودون وعي إلى "المنطقة المحرمة" من الغابة الكثيفة المجاورة لجبال المانا البيضاء الأضعف، وهي منطقة لم يجرؤ حتى أشد صيادي القرية على دخولها بمفردهم.

​وفجأة، بينما كان يلتفت خلفه ليرصد مدى اقتراب الخطر، غاصت قدمه اليمنى في فجوة عميقة مخفية تحت أوراق الشجر والأعشاب الطفيلية الكثيفة. فقد كيان توازنه تمامًا، وأطلق صرخة مكتومة وهو يتهاوى متدحرجًا بسرعة رهيبة على منحدر طيني حاد وسحيق. تلاشت السيطرة على جسده الضئيل وهو يصطدم بالجذور العتيقة البارزة والصخور الصغيرة المدببة التي زادت من جروحه، مستمرًا في السقوط إلى أسفل، حتى استقر أخيرًا بعد أن ارتطم بقوة بأرضية صلبة باردة، داخل تجويف كهف أرضي مظلم تفوح منه رائحة الرطوبة والعفن.

​أطلق كيان آهة متألمة وطويلة وهو يمسك بكتفه الذي تلقى الصدمة الأكبر. وبحذر شديد، نظر إلى الأعلى نحو فتحة الكهف التي سقط منها، فرأى الثعلب الناري يقف عند حافة الفتحة الأرضية، يزأر بحنق شديد ويصدر هسيساً حاداً وهو يدور حول نفسه في مكان محدود. لقد كان المنحدر سحيقًا ومظلمًا للغاية، ولم يجرؤ الوحش الصغير المعزز بمانا النار على القفز وراءه في ذلك الجوف المجهول، ليقرر التراجع في النهاية واختيار العودة إلى أراضيه، تاركاً كيان وحيداً في جوف الظلام الدامس.

​تنفّس الصبي الصغير الصعداء، مستندًا برأسه على الجدار الصخري الرطب، وحاولت عيناه العسليتان الواسعتان التأقلم ببطء مع العتمة الشديدة التي تلف المكان. ساد صمت مطبق لا يقطعه سوى صوت قطرات الماء التي تسقط من سقف الكهف. عندما استجمع قواه وتحرك بضع خطوات متثاقلة في عمق الكهف مستندًا بيده المرتجفة إلى الجدران الباردة بحثاً عن مخرج، تعثرت قدمه فجأة بشيء صلب وضخم ممدد على الأرضية.

​انحنى كيان ببطء وتلمس ذلك الجسد بيدين عاريتين، ليرتد للخلف برعب عارم وهو يكتم صرخته بكلتا يديه.. لقد كانت جثة بشرية!

​أخذ نفَسًا عميقاً تلو الآخر لتهدئة ضربات قلبه المتسارعة التي كادت تخلع صدره، واقترب مجدداً من الجثة مستعيناً بخيط ضوء ضئيل للغاية يتسلل من فتحة الكهف العليا. كانت الجثة قد تحولت بفعل الزمن إلى هيكل عظمي أبيض بالٍ يرتدي بقايا درع معدني صدئ ومحطم، ما يدل على أن هذا الشخص يقبع في هذا المكان المنسي منذ سنوات طويلة، وربما كان مغامراً ضل طريقه وهلك وحيداً. لكن ما جذب انتباه الصبي حقاً، ولمعت له عيناه العسليتان، كان شيئاً موضوعاً بعناية فائقة بجوار الجمجمة؛ كتاب ذو مظهر عادي من حيث الحجم، لكن غلافه لم يكن مصنوعاً من الورق أو الجلد البشري أو الحيواني العادي، بل من جلد متين، قشري وداكن يعود لأحد الوحوش القوية القديمة، ويحمل إحساساً غريباً وجذاباً بالدفء الشديد رغماً عن برودة الكهف القارسة.

​شعر كيان بدافع غامض ولحوح يدفعه نحو هذا الأثر، وكأن هناك خيطاً سرياً يربطه به، فامتدت يده الصغيرة والتقطت الكتاب بحذر، فتدفق إحساس الدفء فوراً إلى عروقه الباردة. دون تردد، خبأه بعناية فائقة داخل معطفه الممزق لكي لا يراه أحد.

​لم يكن الكهف المظلم آمناً للبقاء فيه لفترة أطول؛ فالوحوش قد تعثر على الفتحة في أي وقت. لذا، بدأ كيان رحلة العودة المضنية والشاقة. مستعيناً بنتوءات الصخور الحادة وجذور الأشجار المتدلية من الأعلى، وبجهد جهيد وتصميم فولاذي تطلّب كل ما يملك من قوة وعزيمة في جسده القصير والضئيل، تمكن أخيراً من تسلق المنحدر الزلق والخروج من جوف الأرض إلى سطح الغابة مجدداً، مستقبلاً نسمات الليل الباردة.

​كان الليل قد خيّم تماماً على العالم، وصبغ السماء بسواد داكن عندما خرج كيان من خط الأشجار الأول متوجهاً نحو القرية الفقرية. سار بخطوات متثاقلة وعرجاء، والبرودة تنهش أطرافه العارية، حتى وصل إلى الكوخ الخشبي العتيق في وقت متأخر جِدًّا من الليل، والأنوار الباهتة تكاد تنطفئ في المنازل المجاورة.

​بمجرد أن دفع الباب الخشبي الثقيل الذي أصدر صريراً مألوفاً، اندفعت نحوه والدته "ياسمين" بسرعة جنونية. كان وجهها شاحباً كالموت، وعيناها منتفختين وحمراوين من كثرة البكاء والقلق القاتل الذي نهش روحها طوال ساعات غيابه.

​"كيان! يا إلهي.. أين كنت يا بني؟" صرخت ياسمين بصوت مخنوق وهي تحتضنه بقوة شديدة إلى صدرها، وتتحسس جراحه النازفة ووجهه المغطى بالتراب بيدين مرتعشتين من الصدمة. "ظننت أنني فقدتك تَمَامًا كما فقدت والدك قبل سنوات.. لقد أوشكت على الجنون من الخوف عليك في عتمة هذا الليل!"

​حاول كيان أن يبتسم ويثبت شجاعته رغماً عن التعب المفرط والألم المبرح الذي يسري في كامل جسده المصاب، وقال بصوت خافت وطمأنينة مصطنعة: "أنا بخير يا أمي العزيزة.. لا تقلقي، لقد ضللت الطريق وعجزت عن رؤية الممر في الظلام الحلزوني للغابة فقط، لكني عدت سالماً ولم يمسسني سوء كبير."

​أجلسته ياسمين برفق قرب الموقد الشحيح الذي أضافت إليه بعض القطع الصغيرة، وبدأت تطهر جروحه العميقة بخوف وحنان أمومي طاغٍ، في حين كان بال كيان وعقله معلقين تَمَامًا وبشكل كامل بذلك الكتاب الغامض والمقشور المخفي تحت معطفه، والذي كان يشعر بحرارته الدافئة تتدفق وتنبض نحو صدره، واعداً إياه بفتح بوابات عالم جديد ومختلف.

2026/06/13 · 0 مشاهدة · 929 كلمة
نادي الروايات - 2026