حلَّ الليل بـسدوله المظلمة الساكنة على القافلة العالقة أمام النهر الهادر، فـبدأ الحراس بـاختيار مكان آمن ومحصن بـين المرتفعات الصخرية القريبة لـلمبيت، لـتفادي أي هجوم مباغت من وحوش الأعماق أو كواسر الغابة. وبعد تجهيز المكان وإشعال نيران خافتة بـين الصخور لـتجنب جلب الانتباه، بدأت مناقشات حامية وعاصفة بـين قادة الحوافل، والحراس، والعباقرة الشباب؛ إذ لم يعد الصمت ممكناً أمام هذا الجدار المائي الذي قطع طريق طموحاتهم.
انقسمت الآراء بـشدة وتصاعدت حدة النقاش. قال البعض بـنبرة يكسوها الإحباط والتراجع: "يجب أن نعود فوراً إلى قرانا، أو على أقل تقدير نرسل كشافاً سريعاً لـانتظار مشورة الزعماء الأكابر؛ فـعبور هذا النهر في ظل تدمير الجسر يعد شبه انتحار محتم. الجميع يعلم أن هذا النهر تسكنه وحوش بحرية ومائية مفترسة، تمتاز بـمكر شديد ولن يشعر بها أحد منا إلا وقد سحبت فريستها إلى القاع بـخطافاتها. إن معركتنا بـالأمس مع الوحوش الطائرة كانت مجرد لعبة ناعمة بـالمقارنة مع جحيم عبور هذا النهر."
في المقابل، كان هناك معسكر آخر من القادة والشباب الأكثر كبرياءً، والذين لم يقدموا بـالفعل أي اقتراح أو خطة عملية لـلعبور، لكنهم رفضوا فكرة التراجع تَمَاماً؛ إذ قالوا بـعناد لاهب وجنوني: "إن محاولة عبور النهر، وإن كانت الخسائر الناتجة عنها كارثية ومروعة، تظل خياراً أفضل بـكثير وأشرف لـتاريخنا من الذل والعار الذي سـيلحق بـنا عندما تصل الأخبار إلى أسوار المدينة المركزية وأكاديمية أسياد النار بـأن نخبة القرى فشلوا في العبور وتراجعوا كـالجبناء بـسبب خوفهم من وحوش تسكن المياه. لن نعود بـخفي حنين لـنصبح أضحوكة العائلات الكبرى."
بـين الخوف من الموت المحقق في الأعماق المظلمة، والهروب من وصمة العار والذل التي قد تنهي مستقبلهم القتالي قبل أن يبدأ، خيم الوجوم على الجميع بـاستثناء كيان، الذي كان يجلس بـعقليته الهادئة يتأمل حركة الأمواج السريعة والتموجات الضعيفة لـلمانا فوق سطح الماء، يدرس الخيارين بـمنطق الصياد الذي لا يعرف التراجع ولا يقبل بـالمخاطرة غير المحسوبة.
استقر رأي الأغلبية في النهاية على خيار العبور؛ فـبدأ الكشافة بـالبحث عن ممر ضحل نسبيّاً في مجرى النهر تستطيع العربات المتبقية والخيول خوضه بـصعوبة، لكن ظلت المشكلة الأكبر والأكثر رعباً قائمة: كيف يمكنهم حماية القافلة من الوحوش المائية المفترسة التي ستنجذب فَوْرِيّاً لـأي حركة فوق سطح الماء؟
وبينما كان القادة يتبادلون نظرات العجز واليأس، انسل كيان من بين الظلال وتقدم نحو حلقة النقاش بـخطوات واثقة ونبرة هادئة جذبت انتباه الجميع. قال كيان بـبرود قتالي: "لكي لا نكون نحن الفريسة المستهدفة في هذا النهر، يمكننا بـبساطة التضحية بـفريسة أخرى؛ وبذلك نحظى بـفرصة لـعبور آمن بـنسبة كبيرة."
توقفت الهمسات، والتفت إليه بعض الحراس المخضرمين بـاستغراب، وطلب منه أحدهم بـنبرة جادة شرح مقصده وكيفية تطبيق هذه الفكرة مجنونة المظهر.
أوضح لهم كيان خطته بـمنطق الصياد المحترف قائلاً: "جثث الوحوش الطائرة التي هاجمتنا بـالأمس ليست بـبعيدة عنا، دماءها ولحومها ما زالت طازجة وتفوح بـطاقة المانا. يمكننا إرسال فرقة سريعة لـجلب تلك الجثث ورميها بـكميات كبيرة في المياه بـالقرب من مكان الجسر المحطم. هذا الدفق المفاجئ من الدماء سيتسبب فَوْرِيّاً في اندفاع وحوش النهر بـجنون وجوع أعمى نحو تلك النقطة."
وتابع كيان وهو يشير بـإصبعه نحو مسار المياه: "حجارة الجسر المنهار الضخمة والقابعة تحت السطح ستعمل كـفخ طبيعي؛ فـالاندفاع العنيف والسريع لـوحوش الأعماق نحو الجثث وسط تلك الصخور الحادة والمتراكمة سيتسبب في تمزق أجساد عدد من تلك الوحوش المندفعة بـفعل الاحتكاك وضغط المياه، مما سـيزيد بـشكل مضاعف من كمية الدماء والوجبات المتاحة للوحوش في تلك المنطقة المحددة، ويجعلها في حالة هياج وتنافس بـينها."
أنهى كيان تفسيره بـثقة وسط ذهول الحراس والعباقرة: "وفي الوقت الذي ينشغل فيه جحيم النهر بـأكمله بـتلك المجزرة بـالقرب من الجسر، تعبر قافلتنا بـالعربات بـسرعة من الممر الضحل الذي اخترتموه في الجانب الآخر، بـعيداً تَمَاماً عن موقع الوليمة المعركة، ونحظى بـذلك بـعبور آمن دون أن يشعر بنا وحش واحد."
ساد الصمت لـثوانٍ، وتطلع قادة الحراس إلى بعضهم البعض بـنظرات يملؤها الإعجاب والدهشة من ذكاء هذا الفتى الذي وضع خطة إستراتيجية بـاستغلال الطبيعة والأعداء معاً، لـتبدأ الفرقة فَوْرِيّاً في الاستعداد لـتنفيذ الفكرة مع اقتراب الفجر.