قبل بزوغ خيوط الفجر الأولى، ساد الصمت والترقب أرجاء المكان. وبـتنفيذ دقيق لـخطة كيان، تحركت مجموعة من حراس القافلة الأشداء بـخفة نحو الممر الجبلي، حيث قاموا بـجلب عدد من جثث الوحوش الطائرة الضخمة بـسرعة وبـأقل ضجيج ممكن.
في هذه الأثناء، كان بقية أفراد القافلة قد تحركوا بـالفعل نحو الجزء الضحل من النهر الذي حدده الكشافة لـلعبور. ولكي يضمنوا ثبات الموكب أمام التيار المائي الجارف، قاموا بـربط العربات وتجميعها معاً بـاستخدام الحبال الجلدية القوية لـتدعيم بعضهم بعضاً؛ بـحيث إذا تعثرت عربة أو انزلق جواد، سحبتها بقية الكتلة المتماسكة. وقف الجميع في المياه الضحلة والقلوب تكاد تتوقف، منتظرين بـفارغ الصبر قدوم بقية الحراس المكلفين بـمهمة جلب الجثث.
لم يطل الانتظار؛ فقد وصل الحراس حاملين الطُعم الدموي، وبـتنسيق سريع، قاموا بـرمي جثث الوحوش الطائرة بـقوة في منطقة الجسر المنهار، لتجرفها الأمواج نحو الحطام الصخري الحاد. وفَوْر الانتهاء، انسحب الحراس بـأقصى سرعتهم نحو مؤخرة القافلة المتأهبة، وهم يشاهدون بـأعين متسعة بـداية تحقق توقعات كيان.
تحت السطح المظلم، بدأت تموجات المانا تتصاعد بـشكل مرعب؛ وتفجرت المياه عن بـداية مَدٍّ هائل من وحوش النهر المفترسة التي اندفعت بـجنون أعمى نحو رائحة الدماء الزكية. كانت الزعانف الحادة والمخالب المائية تشق الموج بـشراسة، متجهة مباشرة نحو الوليمة الملقاة بـين صخور الجسر المحطم، لـيبدأ جحيم الأعماق في الغليان بـعيداً عن مسار القافلة.
عند قدوم باقي الحراس وانضمامهم لـلكتلة المتماسكة بـسلام، أطلق قائد الحراس إشارة البدء بـصوت خفيض حازم، لـتبدأ القافلة بـالفعل تحركها نحو لجة النهر الضحل. صعد الجميع فوق ظهر العربات المترابطة لـتجنب الهجمات الغادرة لـلوحوش المائية وتفادي ملامسة المياه بـأجسادهم، في حين تجهز الرماة والمستيقظون بـالرماح الطويلة والأقواس المشحونة بـالمانا، واضعين أصابعهم على الزناد ترقباً لـأي طارئ.
ورغم أن الخطة نجحت بـشكل مذهل واندفعت معظم الوحوش الكاسرة والضخمة نحو الكمين المعد لهم عند الجسر المحطم، إلا أن النهر لم يكن خالياً تَمَاماً؛ إذ إن بعض الوحوش الصغيرة والضعيفة، والتي لم تجرؤ على مراجعة الكواسر الكبيرة عند الوليمة الدموية، كانت ما تزال متواجدة في الجوار، ولم تلبث أن رصدت حركة القافلة فـهاجمتها بـشراسة ويأس.
دارت معركة خاطفة بـين الجداول؛ حيث استطاع الحراس بـراعة والتفاف التصدي لـتلك الهجمات السريعة، مستخدمين الرماح لـطعن الزعانف المندفعة بـعيداً عن خشب العربات.
ولكن، لم تكن الوحوش الصغيرة هي الأزمة الحقيقية؛ بل تجسدت المشكلة الأكبر والأخطر عند بلوغهم منتصف النهر تَمَاماً. فرغم ضحالة المنطقة بـحسب تقدير الكشافة، إلا أن تيار المنتصف كان قد حفر مجرى عميقاً ومفاجئاً تحت السطح، مما أدى إلى هبوط العربة الأولى بـأغلب جسدها تحت الماء بـشكل مرعب، حتى أصبحت مغمورة كُلِّيّاً بـالمياه الهادرة، وبـالكاد كانت رؤوس الجياد وقرونها ظاهرة فوق السطح وهي تكافح بـذعر ضد الغرق وتكاد تفقد ثباتها وتسحب باقي العربات المربوطة خلفها إلى الأعماق.
أمام هذا الموقف العصيب وشبح الغرق الذي هدد القافلة بـأكملها، لم يتردد الحراس المخضرمون؛ إذ اندفع عشرة من أشجع الحراس نحو العربة الأولى، وألقوا بـأنفسهم دون خوف داخل مياه النهر الهادرة. بدأت المجموعة في مساعدة الجياد بـكل قوتهم، مستخدمين أجسادهم وحبالاً إضافية لـسحب العربة الغارقة وإخراجها من تعرج منتصف النهر العميق.
لكن، وأثناء محاولاتهم المستميتة لـسحب الثقل المائي، استغلت بعض وحوش النهر الكامنة الموقف؛ وانقضت بـخطافاتها وفكوكها الحادة من تحت السطح المظلم على الحراس المكشوفين وسط المياه، مما تسبب في مقتل أربعة حراس بـشكل مفاجئ ومأساوي من أصل العشرة الذين كانوا يصارعون التيار.
لم يدع باقي الحراس الصدمة تشل حركتهم، بل اندفعت موجة ثانية من الأبطال نحو الأمام بـعزيمة لاهبة؛ وتولى عدد منهم سحب العربة بـدلاً من زملائهم الشهداء، بينما قام الباقون بـتشكيل درع بـرماحهم وسيوفهم لـحماية الحراس الغارقين من الهجمات الغادرة، مضحين بـكل غالي لـتأمين طريق الخروج.
بـفضل هذا الاستبسال والدم المراق، استطاع الحراس بـالفعل إخراج العربة الأولى وصعودها إلى المنطقة الضحلة المواجهة لـلبر الآخر، وفَوْر تحررها، اندفعت باقي العربات المترابطة بـالحبال تلاحق العربة الأولى بـسرعة جنونية؛ عربة خلف الأخرى كـجسد واحد كسر حصار النهر.
ومع صعود آخر عربة إلى اليابسة، خرجت القافلة أخيراً من لجة النهر بـعد معاناة دموية قاسية وخسارة فادحة في أرواح عدد من الحراس الشجعان؛ لكنهم بـالفعل حققوا المستحيل وعبروا الجدار المائي بـأقل خسائر ممكنة بـفضل تضحيتهم وذكاء خطتهم، لـيقف الجميع على الشاطئ الآخر ينظرون إلى جحيم النهر بـأعين يملؤها الألم والنصر في آن واحد.