بعد العبور الدامي وجحيم النهر الذي خلف وراءه دماءً وألماً، لم تملك القافلة رفاهية التوقف الطويل؛ فحزموا أمتعتهم وأكملوا المسير مجدداً بـأجساد منهكة وأرواح مثقلة بـالخسارة. غير أن التضاريس لم تكن بـجانبهم هذه المرة؛ فقد وجدوا أنفسهم فجأة أمام معضلة جديدة؛ حيث انحسرت الأشجار الكثيفة وتلاشى غطاء الغابة، لـيصبحوا في مواجهة سهل واسع ومكشوف تَمَاماً بـلا أي حماية أو ساتر طبيعي يَقيهم خطر الهجمات الجوية الكاسرة التي اختبروا ضراوتها سابقاً.

ساد التوجس صفوف الركب، وكان كل مستيقظ يضع يده على سلاحه وعينه معلقة بـالسماء، يترقبون ظهور تلك الأجنحة المرعبة في أي لحظة. تحركت العربات بـأقصى سرعة ممكنة، يشقون السهل بـأنفاس متقطعة، مستغلين كل دقيقة بـثمنها من ذهب لـتجاوز هذا الخطر المكشوف.

وبعد مضي ساعات طويلة من السير المشدود، بدأت تلوح في الأفق معالم حضارية بددت وحشة الطريق؛ فقد وصلت القافلة أخيراً إلى مشارف إحدى المدن الصغيرة القابعة فوق المرتفعات، والتي تُعرف بـ"مدينة التل".

كانت مدينة التل مدينة متواضعة الحجم مقارنة بـالمدن الكبرى، لكنها بـالنسبة لـسكان القرى كانت بـداية العالم المتقدم؛ إذ تميزت مبانيها بـتنظيمها المتناسق وجدرانها المبنية بـإتقان من الطوب الأحمر، بينما كانت شوارعها وأراضيها مرصوفة بـالحجارة الرمادية الصلبة التي تعكس تطور البناء في هذه المناطق.

دخلت القافلة المشتركة عبر بوابات المدينة الخشبية لـتستقبلهم أجواء الاستقرار والسكينة، وتوجهت العربات فَوْرِيّاً نحو الساحة التجارية والنزول لـأخذ قسط من الراحة وتضميد جراح المصابين. كانت هذه المحطة ضرورية ومصيرية لـتأمين بقية الرحلة؛ حيث بدأ قادة الحراس بـشكل عاجل في تفقد الموارد، والعمل على استعادة مخزونهم المستنزف من الطعام، والماء، والمؤن الحيوية التي فُقدت بـين الجبال وأعماق النهر.

جلس كيان في زاوية أحد النزل البسيطة، يتناول طعامه بـهدوء وهو يتأمل حركة السكان المحللين والجنود المحيطين بـالمدينة، مستشعراً الفارق بـين المانا البدائية في قريته والمانا الأكثر تنظيماً في المدن، مدركاً أن المسافة نحو معقل أسياد النار لم تعد بعيدة، وأن التحدي القادم قد لا يكون وحشاً كاسراً، بل بـشراً يحملون أطماعاً تفوق وحشية الغابة.

وفي نهاية ذلك اليوم الطويل، بينما كانت خيوط الشفق الأحمر تلف مباني الطوب الأحمر، وصلت إلى مقر إقامة القافلة مجموعة من حراس المدينة يتقدمهم رجل ذو بنية قوية ونظرات وقورة؛ كان هو «أرمان»، زعيم مدينة التل، الذي أرسله الأسياد لاستقبالهم بـشكل رسمي، وتنسيق انضمامهم إلى قافلة المدينة الكبرى التي ستنطلق نحو الوجهة النهائية.

تم استقبال أفراد القافلة بـحفاوة وكرم فاجأ أبناء القرى، وأُقيمت مأدبة عشاء لـتضميد جراح الرحلة الشاقة. وخلال الأمسية، وبـينما كانت نيران المواقد تشتعل بـهدوء، دارت مناقشات مطولة وعميقة بـين أهل المدينة وأبناء القرى حول طبيعة المكان الذي يتجهون إليه؛ أكاديمية أسياد النار.

كانت كلمات أهل المدينة تحمل نبرة تجمع بـين النصيحة والتحذير الصادم؛ حيث كشفوا لـلشباب بـوضوح أن مدينة أسياد النار لا تستقبل أبناء القرى والبقاع النائية إلا نادراً، وأن معايير القبول والنجاح هناك شبه مستحيلة لـمن لا يملك دماءً نبيلة أو دعماً من العائلات الكبرى. والأكثر إحباطاً، أنه لم يتخرج من تلك الأكاديمية أحد من أهل القرى قَبْلًا إلا في حالات نادرة تُعد على أصابع اليد الواحدة.

وتابع أحد شيوخ المدينة بـصوت خفيض ملأه الغموض: "آخر مرة فتحت فيها مدينة أسياد النار أبوابها لـطلاب من القرى المجاورة كانت قبل عشر سنوات تَمَاماً.. لكن الغريب والمريب في الأمر، أن أولئك الطلاب الذين دخلوا الأكاديمية بـآمال عريضة، لم يكتب لأي منهم النجاة أو التخرج؛ فقد اختفوا واحداً تلو الآخر في ظروف غامضة! قيل وقتها إنهم سقطوا في غارات مفاجئة على تجمعات الوحوش، أو أثناء مشاركتهم في صد مَدٍّ وحشي عنيف على الأسوار."

نزلت هذه الكلمات كـالصاعقة على قلوب العباقرة الشباب؛ فـتلاشت علامات الزهو من وجوه جاسر وهيثم ونوار، وحلَّ محلها قلق داكن وشعور بـأنهم قد يكونون مجرد وقود لـمحرقة قادمة. أما كيان، فقد ظلَّ جاداً، يرتشف شرابه بـبرود وعقله يحلل هذه المعلومة الخطيرة؛ أدرك بـحواسه الثاقبة أن "الاختفاء" المتتالي لـأبناء القرى قبل عقد من الزمان ليس مجرد مصادفة قتالية أو سوء حظ في مواجهة الوحوش، بل هو مؤشر على مؤامرة قذرة وتصفيات متعمدة داخل أسوار الأكاديمية، مما يعني أن معركته القادمة لن تقتصر على صقل القوة السحرية، بل ستكون صراعاً شرساً لـلبقاء على قيد الحياة ضد نفوذ أسياد النار أنفسهم.

2026/06/17 · 2 مشاهدة · 631 كلمة
نادي الروايات - 2026